صادق جلال العظم بين حزيرانين
  27/12/2016

صادق جلال العظم بين حزيرانين
ياسين الحاج صالح

خمسون عاماً من العمر المنتج لصادق جلال العظم بدأت بهزيمة الحركة القومية العربية في 5 حزيران (يونيو) 1967، وانتهت بوفاته في برلين في غمار هزيمة الثورة السورية.
كان كتابا صادق «النقد الذاتي بعد الهزيمة» و«نقد الفكر الديني» تفاعلاً مباشراً مع الهزيمة التي كان لها أثر مؤسس على المثقفين السوريين من مجايلي المثقف الدمشقي. عمل أستاذ الفلسفة الشاب وقتها على نقد المـجـــتـــمع والثقافة والدين، ورأى مثل أترابه أن جذور الهزيمة تمتد في بنى اجتماعية وفكرية يتعين إعمال مشرط النقد فيها بعبارة مجايله ياسين الحافظ.
نشر العظم في السبعينات كتباً أقل أثراً، من بينها «دراسات يسارية في القضية الفلسطينية»، و«سياسة كارتر ومنظرو الحقبة السعودية»، و«زيارة السادات وبؤس السلام العادل». في الحقل الإيديولوجي السياسي الذي ظهرت فيه هذه الكتب كان هناك نقاش يساري انحاز تيار سوري منه، ارتبط أكثر بياسين الحافظ وإلياس مرقص، إلى مقاربات تاريخانية، كانت تنتقد السياسوية نقداً «عقلانياً»، لكنها تبتعد عن السياسة ذاتها في واقع الأمر. كان ياسين الحافظ قائداً سياسياً، ولكن تاريخانيته المتأثرة بعبدالله العروي، وهي تذيب الحاضر في مخطط تاريخي مجرد معروف المآلات سلفاً (يمكن تعريفه بالعقلانية والعلمانية والحداثة بدلالات قلما كانت محددة لهذه المدركات) كانت تأخذه إلى مواقع خارج السياسة والصراع السياسي الفعلي. في المقابل، لم يكن صادق جلال العظم منخرطاً سياسياً، خلا تجربة قصيرة في إطار الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، إلا أنه في تلك الفترة كان يقترب أكثر من السياسة وصراعاتها (على أرضية متمركزة فلسطينياً وقومياً عربياً). هذه جدلية لم تستكشف بعد بحدود ما نعلم، وهي جديرة اليوم بأن يعاد التفكير فيها على ضوء تجربة جيلين من الثقافة والسياسة في سوريا والمشرق. جديرة بالاستعادة أيضاً، وبالقراءة، كتب صادق في تلك الفترة. والمأمول أن يجري نشر الأعمال الكاملة للمثقف الدمشقي في وقت قريب، وتوضع بمتناول المهتمين.
بعد قليل كان اللاسياسي الذي يهتم بحوادث السياسة وصراعاتها، صادق جلال العظم، والسياسي المثقف الذي يقود حزباً، لكن تقوده كوامن تفكيره خارج السياسة، يخرجان من السياسة مثل الجميع، مطرودين. ياسين الحافظ توفي عام 1978 عشية الطرد العام للسوريين من السياسة بعد رحيله بعام أو عامين، وحزبه عاش بلا سياسة حتى نهاية القرن أو بعد، وصادق وجد نفسه يدرس اللغة الانكليزية في جامعة دمشق إلى حين يتوثق نازعو السياسة من أن «المشكلجي»، وهذا كان لقبه إثر كتبه النقدية المبكرة، لن يكون مشكلجياً جداً. لبعض الوقت في النصف الأول من ثمانينات القرن العشرين، كتب صادق منتقداً منظمة التحرير الفلسطينية، وفتح تحديداً، في صحف رسمية سورية. وهذا وقت كان نظام حافظ الأسد يدخل في حرب تمزيق واستئصال لفتح. ليست معلومة الملابسات التي تسببت بذلك، لكن لا يبعد أن تكون ساقته إلى ذلك ضغوط سياسية مباشرة.
في ثمانينات القرن العشرين وتسعيناته كتب صادق «ذهنية التحريم: سلمان رشدي وحقيقة الأدب»، و«ما بعد ذهنية التحريم»، و«دفاعاً عن المادية والتاريخ». سجلت هذه الأعمال أقصى ابتعاد عن السياسة المباشرة للمثقف الذي لم يرد أن يبتعد عن السياسة، وهذا في زمن كانت السياسة العليا فيه هي نزع السياسة من العموم. لفهم ثقافة العقدين الأخيرين من القرن العشرين في سوريا، وبصورة ما في العالم العربي، يلزم أن يوضع في البال انتصار نخب الحكم على المجتمعات المحكومة بصور متنوعة، وتجريد المحكومين من القدرة على المقاومة. سوريا هي البلد الذي تحقق فيه ذلك بصورة تقارب الكمال. لكن كان هذا حال العراقيين أيضاً، والفلسطينيين الذين جرى تحطيم وطنهم السياسي، منظمة التحرير، ولم يستعيدوا قدراً من السياسة إلا عبر الانتفاضة الأولى عام 1987. في كل مكان من العالم العربي كانت نخب السلطة تستقر وتستمر، والجمهور العام ينكشف ويجرد من أي قدرة على الانتظام الذاتي، والمثقفون يجدون صيغاً للتعايش مع هذا الوضع تبقيهم على قيد… الثقافة. صادق وجد بُغيته في الكتب المشار إليها، الجابري في سلسلة كتب عن «العقل»، العروي في الشغل على المفاهيم. أما أدونيس فكان متحول الأفكار، ثابتاً حول ذاته.
لم يكن هذا الابتعاد العام عن السياسة خياراً شخصياً حراً لأي من جيل أساتذتنا، أو انحيازاً إلى استقلال الثقافة. لا يشبه الأمر بحال انشغال صادق بقضايا فكرية ودينية واجتماعية في أواخر ستينات القرن العشرين، وقت كان يستطيع أن يقول كلاماً في السياسة حين يشاء. لكن ينبغي القول إن سياسة المثقفين السابقة، أعني قبل ثمانينات القرن العشرين وتسعيناته، كانت سياسة قومية عربية و«أممية» في عمومها، لا تكاد تجد ما تقوله عن أنماط ممارسة السلطة في بلداننا. حين سكت المثقفون عن قضايا السلطة والسياسة في الثمانينات لم يكونوا ينقطعون عن تقليد في نقد الدولة والسياسة. لم يكن هذا التقليد موجوداً.
على أن صادق كان أبرز مثقف سوري من جيله ينخرط في نشاط سياسي عملي في مستدار القرن مع موجة «ربيع دمشق». كان من مؤسسي «لجان إحياء المجتمع المدني» التي مثلت في سوريا بصورة ما سياسة المثقفين أو شكل عودة المثقفين إلى السياسة، بعد عقدين من الغياب. وهي سياسة «إصلاحية»، تدافع عن تصور «مدني» للديمقراطية، مناسب للطبقة الوسطى المتعلمة. شارك صادق أيضاً محاضراً ومناقشاً في ندوات تعقد في بيوت خاصة، وفي التوقيع على بيانات المثقفين السوريين المطالبة بالديمقراطية وعرائضهم. في هذا كان صادق على تعارض كبير مع مثقفين سوريين آخرين من أصول فكرية واجتماعية مقاربة، لكنهم استبطنوا الطرد من السياسة، وانقلب بعضهم عبيداً للدولة أو ملهمين فكريين لبِنائها وبنّائيها.
منذ بداية الثورة السورية كان صادق جلال العظم منحازاً لها بوضوح تام ودون لبس. كان الرجل في السابعة والسبعين حين تفجرت الثورة، ولم يكن غافلا عن تعقد المشهد، لكنه استطاع قول كلام واضح في كل وقت في شأن موقعه في هذا الصراع ومع من هو وضد من، ونال على ذلك الشتائم المألوفة من جيش الاحتياطي الاستراتيجي للدولة الأسدية وجلاديها الرمزيين.
لا ينبغي أن يمر وقت طويل قبل أن تكتب بتفصيل السيرة الفكرية والسياسية لصادق جلال العظم. بأطوارها المختلفة، وبتناقضاتها، وبما يحتمل أن يكشفه بحث منقب من توترات فيها، هي سيرة مثقف سوري بين حزيران القومية العربية وما يحتمل أنه اليوم حزيران الإسلاميين، فصل بينهما حزيران اجتماعي طويل، دُحر فيه مجتمعنا السوري وأذل إذلالاً خارقاً.
يوافق الواحد منا صادق أو لا يوافقه في قضايا متنوعة، لكن أليف بيرغسون وكانط، وماركس طبعاً، أراد دوماً أن يقول شيئاً لمواطنيه عن شأنهم المشترك. يخرج الواحد منا من تعريف المثقف بالذات إن لم يكن لديه ما يقوله للعموم عن الشأن العمومي.
صادق غاب فيما ينفتح أمامنا أفق بالغ القسوة، لا يعد المنتصرون فيه عموم المحكومين بأي شيء، ولا يزعمون هم بالذات لأنفسهم أي قيم إيجابية، وهذا في عالم أوسع يبدو اليوم في أدنى طاقة كامنة له من الديمقراطية والأفق العالمي المشترك.
لا يعيش المرء أطول من عمره. لكن حيال الأزمة الكبرى الجديدة، يتمنى المرء لو يكون صادق جلال العظم في الثلاثين، وأن يقف ممارساً نقد المجتمع والثقافة والسياسة من جديد. ما يعزي عن غياب صادق هو أن بيننا ثلاثينيون اليوم، وقلوبهم ليست أقل حرارة من قلب صادق قبل نصف قرن، وعقولهم ليست أقل نقدية.