فيـروز ناطـورة مفاتيـح الذاكـرة الرحبانيـة
  23/06/2009

كانـت حكايـة رحبانـي واحـد وليـس «أخـوان»
فيـروز ناطـورة مفاتيـح الذاكـرة الرحبانيـة

«لا القصة صحيحة ولا الضيعة موجودة»، هكذا أرادت ريما الرحباني لقصتها القصيرة «كانت حكاية» أن تبدأ على شاشات المحطات التلفزيونية اللبنانية أمس. قصة عن تجربة الراحل عاصي الرحباني بمناسبة مرور 23 عاماً على رحيله. روت القصة السيدة فيروز، الزوجة ووالدة ريما، عن رجل «نبيل وراق»، لكنه صنع بالقسوة والمرارة حلو الكلمة واللحن والتجربة.
حدث ظهور فيروز على الشاشات جعل «للحكاية» نكهة خاصة، فسيدة الغموض الجميلة تكلمت على غير عادة، هي التي اختارت لنفسها تاريخياً إطلالاّت قليلة ومدروسة، متجاهلة ما يتركه حضورها من أثر وما يخلفه غيابها من شوق!
مملكة من الجمال
«ترك مملكة من الجمال ورحل باكراً»، هكذا تقول السيدة عن عاصي، وتضيف: «كان همه أن يقدم أعمالاً مختلفة عن كل ما يعرفه وما سمعه، ابتكر شخصيات كانت كلها جميلة وصادقة وحقيقية».
ظهر عاصي في الفيلم في مقابلتين تلفزيونيتين أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، فتكلم في إنتاجه الفني وتطور تجربته الموسيقية، وعن فيروز صاحبة «المبادرة الناقدة والمناقشة»، على عكس ما قالته السيدة، التي تكلمت عن عاصي «الدكتاتور والمتطلب»، واصفة إياه بفنان «غير سهل الإرضاء، يطلب ممن يعملون معه أن يصيروا مثله»، وأضافت «أنا كنت أنفذ كل ما يقوله، وكنت مؤمنة بذلك، كان يرفض الارتجال في الغنى والمسرح، فيتدخل في الحركة والوقفة والتفاتة الرأس ووضعية اليدين.. كان يطلب من الناس أن يكونوا بالصورة التي يحبها ويريدها ولا يرضى بأقل منها».
خرج عاصي من ذاكرة المشهد فناناً هادئاً هدوء العارف والواثق، وهي لم تخالفه الرأي، حتى بعد مرور ثلاثة وعشرين عاماً على غيابه، بدت فيروز عفوية وصادقة، كمن تعترف اليوم، بعيداً من رقابة عاصي، بكل ما في القلب من تعب، تاركة عن قصد وهجها وقدسية المكانة التي يضعها فيها الناس، معطية هذا العبقري المشاغب والقاسي إلى حد الظلم أحياناً، الفضل في ما وصلت إليه اليوم، بعد عمر من المشاركة في وتيرة حياة منهِكة، فبدت كمن يتكلم عن شخص تعب وحده، من دون شركاء في التعب. هكذا غاب منصور الذي ارتبط اسمه تاريخياً بعاصي، حتى صارا ظاهرة لا يمكن إغفالها في تاريخ الفن العربي الحديث. بطبيعة الحال، خص الفيلم التحية لعاصي في ذكراه، لكن ذلك لا يمنع السؤال عن حضور منصور بالنسبة إلى عاصي فنياً وإنسانياً. كما غابت أسماء كبيرة لمعت الى جانب السيدة، مثل وديع الصافي وفيلمون وهبي ووليم حسواني وايلي شويري وهدى ورجا بدر وسواهم. واقتصرت خيارات ريما الرحباني على لقطات من أغنيات «صولو» للسيدة، أو بمشاركة الراحل نصري شمس الدين. مثل مشهد «ناطورة المفاتيح» وأغنية «دبكة لبنان» ودور «جديّ» في أغنية «الصيد.
أم كلثوم أم فيروز؟
اختارت ريما الرحباني تمرير مقطع من حديث والدها عن السيدة أم كلثوم، فقسّم مسيرتها الفنية إلى مرحلتين، قديمة كان الصوت فيها «يقول أشياء إعجازية»، وحديثة «فيها الكثير من النضوج والخبرة والتطور مع أعمال محمد عبد الوهاب». لكن وصلنا إحساس أن الرسالة التي أُريد لها ان تصل إلى الجمهور قوله إن أم كلثوم «خدمت الغناء لوقت طويل، ولا يجب أن نسأل ماذا كسب صوتها وما خسر، فهو خسر بعض النوتات العالية وكسب أخرى في القرار، هو صوت كالمواسم، جميل في كل فصوله»، ألا ينطبق هذا التوصيف على صوت السيدة فيروز أيضاً؟.
بدا عاصي في الفيلم متربصاً بتفاصيل مسرحه وأغنياته وحركات راقصيه، كان يقود الفرقة الواقفة على المسرح خلف السيدة، بينهما صف من الراقصين، لكنها كانت وكأنما تراه من خلف رأسها، ومن دون أن تلتفت، يحرك خيوطاً وثيقة غير مرئية، فتغني بجمود عهده جمهورها، لكنه جمود من وُضع تحت عين مجهر! والمفارقة أن ملامح فيروز كانت تنقلب بمجرد أن تستدير إلى الخلف، فتواجه عاصي والفرقة بوجه مرتاح وملامح باسمة. هذه الصور التقطتها عدسة خلفية ولم تروّج كثيراً في الاعلام، إذ اكتفى عاصي ببث صورة واحدة لـ«الديفا» القاسية التي لا تضحك، ولا تعود إلى المسرح رغم تصفيق الجمهور الطويل.
انتهى العرض
ناغمت الرحباني في الفيلم بين مقابلتين لعاصي وحوار حديث للسيدة فيروز، زينته ببعض الضوء عبر اختيار «الفيلتر» في الصور القريبة من وجه السيدة، التي ترد وتعلق على ما يقوله عاصي، تفصّل شخصيته وهمومه الفنية، توثق ما كان ينوي أن يفعل لكن الوقت لم يسعفه، كالحديث عن «الزجل» وفكرة أن تبارز فيروز بالكلمة والصوت «الزجّالة».
خيارات الاخراج كانت عموماً جيدة لناحية المادة، كالتذكير بحوار «هيفا» والجد في أغنية «يا جدي يا بو ديب» مع شمس الدين، وموال «يا أخت زينب» التي بدا فيها عاصي من خلف السيدة في قمة التأثر، عيناه مغمضتان ويحرك رأسه طرباً، وبعض المقاطع من «بروفات» «دبكة لبنان» التي مزجتها بعرض الأغنية على المسرح. لكن التطويل في عرض خيارات أخرى كان مبالغاً فيه بعض الشيء، لأن هذه المواد، على غناها، بدت صورتها محروقة وغير واضحة مثل أغنية «رجعت ليالي زمان» ومشهد «زاد الخير» و«بربر» من مسرحية «ناطورة المفاتيح».
وكان أفضل ما ختمت به ريما فيلمها نهاية أغنية «زوروني» التي ظهر فيها عاصي من خلف السيدة متمتماً لها «روحي روحي» مشيراً بوجهه أن العرض قد انتهى وحان موعد النزول فوراً عن المسرح.
دخل عاصي أول من أمس بالصورة، كل البيوت ومن كل الشاشات، ليلتقي بحب الناس وشغفهم بفنه، عاد فتياً رشيقاً يمرر أصابعه على سطور أغنياته ونصوص مسرحه، ويرفع عصاه الصغيرة ملوحاً للعازفين، باعثاً على الخشبة رعشة ورهبة لدى كل من عرفه ناقداً لاذعاً وفناناً متطلباً. وعادت فيروز لتسمرنا أمام الشاشة بشهادة شجاعة تسرق الإعجاب، ولو أن عتباً مُحباً يسجل هنا على سيدة ظلمت نفسها في حديثها، فكان تواضع جذاب أمام ذكرى عاصي، لكنه لم يمنع المشاهد من القول إن التجربة الرحبانية ما كانت لتكون نفسها لولا صوت فيروز.
دينا ابي صعب/ السفير