معركــة تل الفخــار
  21/08/2009

معركــة تل الفخــار

موقع الجولان
تل الفخار موقع يقع شمالي الجولان (الى الجنوب من بانياس وغربي زعورة وعين فيت ) يبلغ إرتفاعه نحو 452 م , وهو عبارة عن أكمة جبلية ذات رأسين شمالي و جنوبي متدرج من جهة الشمال نحو الجنوب , ويشرف على خط التابلاين للبترول القادم من السعودية , ووراء الخط النفطي يوجد موقع "برج بابل ", وتل الفخار موحش لايوجد فيه سوى الصخور البارزة والأحراش البرية ولايعيش فيه غير الحيوانات المفترسة والحشرات مثل الذئاب والأفاعي , ووسـط التل كانت قد تمركزت كتيبة تل الفخار التي تضم سريتين سرية مدفعية هاون وسرية مدفعية م/ط .
ويعد التل من التحصينات القوية للجيش السوري قبل عام 1967م المطلة على سهول الحولة الفلسطينية , ولأهميته الأستراتيجية كان هدفاً للقوات الإسرائيلية .
لقد كان اللواء غولاني رأس الحـربة الإسرائيلية مدعوماً بلواء مندلرالمدرع , وعند الساعة الواحدة بعد ظهر يوم الجمعة 9 من حزيران 1967م تقدمت إحـدى كتائب اللواء غولاني , وما أن وصل العدو الى تل فخار حتى واجَه مقاومةً عنيفةً حيث أستبسل الجنود السوريين يقودهم الملازم أول أسعـد بدران , وقـد بدأت المدفعية السورية تصلي حممها على رتل المجنزرات الصهيونية المهاجم , في حين فُتحت النيران من الجنود السوريين من خنادقهم التي تحصنوا بها مستعدين لمقارعة العدو الصهيوني , وفي هذه اللحظات تمكن المجاهد تاج الدين الشيني من تدميـر ثلاثة مجنزرات إسرائيلية و قتل كل طواقمها , ثم ترجل قائد القوات الإسرائيلية المقدم موشي كلاين من مجنزرته و أمسك بمنظاره الحربي فشاهده المجاهد أسعد بدران فرماه برشاشه وتخبط بدمه ولايزال يذكـر قائد تل الفخار الملازم أول أسعد بدران هيئته بقوله : " لقد كان أشقر اللون طويل القامة فعلمت أنه قائد القوات المعادية عندما أمسك بالمنظار الحربي " في هذه الأثناء أيقـن جنود التل أن سبيلهم الوحيد هو الجهاد في سبيل الله والوطن وأرتفعت معنويات الجنود و بدأت نيران الجنود السوريين تصب حممها على الأعداء وتم تدمير رتل المجنزرات و الدبابات المعادية و تصاعد الدخان والنيران وقتل الكثيرين من الأعداء , يقول (يونا إفرات ) أحد الجنود الإسرائيلين الذين شاركوا في المعركة : "في مرحلة أولية جداً أصيب معظم جهاز قيادة الكتيبة: وقتل قائد الكتيبة , وأصيب نائبه بجراح , وقتل ثلاثة من قادة السرايا الأربعة , وضاع نظام السيطرة وكان من الصعب أن تعرف في هذه المرحلة ماذا حدث تماماً ".
كان الهجوم الإسرائيلي على التل منقسماً الى جهتين فقسم هاجم التل من الناحية الجنوبية ( غربي زعورة) وآخر من الناحية الشمالية (موقع برج بابل) وكان هذا القسم الأعنف مقاومة , كان العدو يحاول قص الأسلاك الشائكة وفتح الطريق أمام جنوده , و كلما أقتربت مجموعة من الأعداء لمحاولة قص الأسلاك الشائكة حصدت بنيران الجنود السوريين , وهاجمت سرية إسرائيلية مكونة من سبعة مجنزرات التل من الناحية الشمالية فسلط الجنود السوريين النار عليهم فتم تدمير أربع مجنزرات وفر الناجون مدبرين , وأثناء هذه المعمعة كان في حفرة دبابة سـرية من المشاة الصهاينة يستعدون لأقتحام التل فرأهم المجاهد أسعد بدران فرمى بقنبلتين أجهزت عليهم جميعاً وما تركوا ورائهم سوى روائحهم الكريهة , ومن الجهة الشرقية تمكنت مجموعة من الإسرائيلين وعددهم 25 جندياً إسرائيلياً فكان لهم بالمرصاد أحد الجنود السوريين و ظل يناوروهم برشاشه حتى قضى على الكثير منهم ثم إستشهد في خندقه , وكان يقودهم آليكس (رائد إسرائيلي) الذي سقط كخرقة نتنة , و في تلك الأثناء هاجمت فصيلة مجنزرات وأنقضت على جنوبي التل فتصدى لهم المجاهدون السوريون الأبطال وألتحم الجنود ببعضهم وبعد جهاد دام لأكثر من ساعتين تم القضاء عليهم بينما لاذ الناجون منهم وهم ثلاثة بالفرار , وهناك أحدهم وهو الملازم عزرا يتسلل لقص الأسلاك الشائكة يهوي نادماً مقتولاً وآخر يحاول كذلك يلقى مصير زملاءه , يقول أحد الصهاينة الذين شاركوا في المعركة : " هنا قتل قائدك – وهنا قضي على كل مجموعتك .. وأنت بقيت فريداً مع جندي آخر...." .
لقد دارت رحى المعركة المشرفة أكثر من ست ساعات أبيد للعدو أكثر من ستين قتيلاً ونحو سبعين جريحاً , وتدمير وأعطاب العديد من المدرعات المعادية , كان المجند تاج الدين الشيني يتمترس برشاش يحصد الأعداء المتكالبين على التل وظل يقارع العدو حتى إستشهد بتل الفخار , والحق يقال أن كل جنود التل أدوا واجبهم بما يرضي الله والوطن , ولما يئس العدو من أقتحام التل المحصن أستنجد بالطائرات التي ألقت بقذائف النابالم , وتحت القصف الجوي و القذائف التي ألقيت على الخنادق والتحصينات أشتد وطيس المعركة وهوجم التل بتعزيزات (فوج باراك ) وصار الأشتباك وجه لوجه بالسكاكين وأعقاب البنادق واللكمات , وحل الليل والقتال مازال مستمراً وهكذا أستنفذت عزيمة الجنود السوريين لعدة أسباب منها : تكالب القوات المعادية على التل ووصول تعزيزات كثيرة وخاصة الطيران المهاجم , استخدام العدو لأسلحة وقذائف مميتة كالنابالم , سقوط العديد من الشهداء في أرض المعركة مما يعني نقص في سد المهام , عدم دعم وتعزيز الموقع بنجدات حان وقتها , ثم تفوق القوات المعادية بالأسلحة والمدرعات والطيران , وتحت جناح الظلام انسحب من تبقى من الجنود السوريين بعدما سطروا ملحمة رائعة من القتال (عدد شهداء تل الفخار 60 شهيداً ) وكبدوا العدو عشرات القتلى والجرحى (قتلى العدو 60 إسرائيلي وعدد كبير من الجرحى ), وأصيب قائد المعركة الملازم أسعد بجرح بقدمه ويده وهو مازال يقاتل مع جنوده , وسقوا التل بدمائهم الزكية , وكانت معركة تل الفخار ملحمة نادرة.

و يقول اسحاق رابين : " لقد استعمل جنودنا كل مهارتهم وكل شجاعتهم كي يشقوا لأنفسهم الطريق في شبكة الطرق الجبلية التي تصل بين تحصينات السوريين الذين كانوا يبدون غير مبالين بالطوفان الناري الذي كان ينهال عليهم , وقد جرى القتال بالسلاح الأبيض " في حين يذكر دافيد آليعازر " إذا مازرتم مستشفى (رامبام ) ستسمعون الكثير عن هذه المعركة , لقد نشبت معركة بالأيدي في ذلك المكان , وقتال بالأكف والسكاكين والأسنان وبأعقاب البنادق) .
لقد كانت معركة تل الفخار بحق درسـاً في البطولة , وعلى أجيالنا أن تعرف وتعي كيف يكون الوطن غالياً .

محمد بدران