المثقف العربي: ألقاب رنانة خاوية
  10/12/2016

المثقف العربي: ألقاب رنانة خاوية

الجزائر – سلمى قويدر: يقبع المثقف العربي «الكبير» ذو الاسم الرنان في برج عاجي مفرط العلو. لا يكاد يفقه بتاتاً كيف يكون «مثقفًا عضوياً» كما سماه الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي، مثقفٌ يتماهى جذريا في المجتمع ويترجم مآسيه وأوجاع أفراده بكل فئاتهم، ويسهم في تحسين فكره وأخلاقياته، لكنه يتجاهل ذلك ليتخبط في أحايين كثيرة، كسمكة غادرت المحيط الرحب لتقفز طوعا في وعاء زجاجي، يلعب دور المتفرج الضجر، محاولاً ارتداء شخصية المناصر أو المناوئ، من خلف ستارة سميكة ومعتمة، بعد أن يضيق به ذرعا جانبه الثقافي المُحتضر، وهنا، يتشارك العرب كأقوام هجينة في سيطرة نخبة جامدة على مشهدها الثقافي والسياسي والأخلاقي.
الشاب العربي، الذي يعاني قلة المنابر، يتساءل ما إذا كان على الشخصية الثقافية المهمة، «المحبوبة لشخصها الأسطوري»، أن تنزوي إلى جهة ما على حساب جهة، سياسياً أو ثقافياً، أو أن تلزم حيادًا جباناً لا فائدة منه، في حين نعاني كفئات شعب مختلفة وكثيرة التوجهات والانتماءات في بنية مجتمعية هرمة، من نقص فادح في الجانب الفني والثقافي والأدبي، ومن تغييب تام للإبداع والثقافة الحقيقية في المشهد الرسمي الذي يكتسحه هؤلاء، لنكتفي بمواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة للصراخ والترويج، والانفتاح على بعضنا البعض.
الثقافة، التي بإزدهارها يغادر الفكر بلادة الحال وتدفع المرء للتفكير أكثر وبشكل جدي وواع في باقي المجالات وعلى رأسها تغيير سياسي حكيم، بعيد عن موضة الثورات العشوائية التي صارت تفتقر إلى وعي خالص وقادة مثقفين. وهنا تحاصرني تساؤلات جمة: ماذا يفعل المثقف المقتحم للسياسة والمدافع عن الحق في حياة شعب كريمة، فلا يكف عن الصراخ من منبر بعيد جداً عن الأوساط الثقافية المغيبة، حيث ولادات قيصرية للإبداع والمبدعين، في حين يظل صامتا حيال صرخات الجيل الجديد وكأن به صمماً مزمنًا عن قدرات بني جلدته الفتية؟
لم لا يدافع عن حقنا في تذوق الفنون والآداب والشعر الحديث، وعن حق المبدع في منبر يلفظ فيه دواخله، ويتجه رأساً نحو السياسة الضحلة ليساهم في تجييش غير سوي للنفوس التائهة في مجتمعات مغلقة عن الوعي؟
وأيضاً، ما فكرته عن السياسة والسياسي؟ ما سبب انفصاماته العديدة حيال هذا الوضع المتفجر بين الانفتاح الإعلامي المفرط غير الممنهج تارة، وبين خنق مجحف للحريات تارة أخرى؟
يحكمنا سياسيون بلا وعي. ويوجهنا مثقفون بثقافة أحادية الوجهة لنضيع وسط صراع بين عقول خاوية تحمل بطونا ممتلئة بين عقول تعي فقط ما يخدم مصالحها، وسط وجود أدباء وفنانين ومسرحيين يعلنون دعمهم لسلطة تقتل الاصوات الحرة ومثقف ينادي بالتصدي لتلك السلطة بلا منهج محنك وحكيم. هكذا، تضيع ماهية التثقيف وتحرير الفن والمبدع من بين مطرقة التسلط وسندان الحرية الزائفة.
الشاب العربي لم يعد بحاجة إلى كل تلك الأبواق التي تسكته وتتبنى صوته بكتم مقاصده، هو متعب، منهك القوى والآمال، يريد الحياة بعيداً عن كل تلك اللافتات المبهمة التي يرفعها في وجهه مثقف خاو لا تسمع عنه إلا مناسباتياً وتقرأ اسمه بخط عريض مسبوق بلقب يعاني من التضخم المفرط، كتلك الوعود السياسية التي يرددها ناشطٌ سياسيٌ أو حقوقيٌ لا يعد سوى مشروع ديكتاتور لم ينضج بعد.
عندما تتجول في الشوارع الضيقة لبلداننا التي لا يزورها القابعون في خلواتهم المسيجة بالخوف، وكتّاب الأعمدة التي تتوشح الجرائد العريقة، ستستشعر تلك الروح، التي كان على الرؤوس الكبيرة التي تعقد لسان هذه الشعوب أن تلتف حولها.
ستجد فنها مرسوماً على جدارات مهدمة، وأدبها مخطوطا على الوجوه الكادحة والمنسية، ستجد مسرحها في سوق شعبي يضم كل الشباب والمسنين والنساء ووجوه الطفولة المنسية، ستقابلك «بلاتوهات» سينمائية ملهمة في انتظار العالم.
ألم يحن الوقت ليكون المثقف مرآة الشعب؟ متى سينزل من عليائه ليجالس شباب حيه القديم؟