الاقتلاع يحطّم الأوطان وسكانها
  27/12/2016

الاقتلاع يحطّم الأوطان وسكانها

سمير الزبن


يغيّر الاقتلاع علاقة البشر بالمكان، منذ اللحظة التي يحدث فيها، فهو دائما قسري، وضد رغبة البشر الذين يُمارس عليهم هذا الاقتلاع، وهو جريمةٌ ضد الإنسانية بالنسبة لفاعله. في اللحظة التي يحصل فيها الاقتلاع، يكتشف المُقتلع أنه لم يُقتلع من المكان فحسب، بل من شروطه الحياتية التي راكمها طوال حياته في المكان أيضا. وفي تلك اللحظة، يكتشف أن المكان ليس ما يؤويه فحسب، بل ما يشكله شخصياً من شبكة حياته المحمولة على العلاقة بالآخرين في شروط الاجتماع البشري أيضاً، ومن شبكة حياته التي انتقاها على مهل خلال حياته، خصوصاً لأولئك الذين عاشوا جلّ حياتهم في مكان واحد أيضاً ينتزع ليلقى في المجهول.
لا يمكن فهم تأسي المُقتلعين من الأمكنة البائسة التي اقتلعوا منها، واعتبارهم لها كأنها الجنة، من دون معرفة ما يقتطعه الاقتلاع من أجنحة للمُقتلع، كان يعتقد أنه يطير بها في بيئته الطبيعية. الوطن/ المكان لا يمكن أن يُرى إلا بعيون سكانه، أما العيون العابرة والغريبة، فهي لا ترى سوى بؤس المكان، لأنها تراه من الخارج، أما عيون المُقتلع فهي ترى ما وراء البؤس، ترى المكان من الداخل، ترى الاحتضان والاحتواء الإنساني الذي يشكله المكان وسكانه الأحبة، ترى ما خلف المظاهر البائسة، ترى جماليات حياته من الأفراح الصغيرة التي عاشها في المكان، لا بؤس المكان، ترى الأحبّة، التجارب الصغيرة والكبيرة، مكانته التي اجتهد ليحصل عليها في محيطه، حبه، علاقات التنافس، الثرثرات، التضامنات...إلخ من حياة بناها على مهل في مكانه/ وطنه الطبيعي، يرى حياته مجسّدةً في مكانه، في زوايا المكان الذي احتوى حياته، بحلوها ومرها. يحوّل الاقتلاع المُقتلع إلى نكرةٍ خارج مكانه، لا تاريخ له في المكان الجديد، ولا شبكة من علاقات مع الآخرين تحمي حياته. الاقتلاع انكشافٌ نهائيٌّ أمام مجهولٍ مخيف، تعرٍّ كامل أمام الآخرين الغرباء. يكتشف المُقتلع أن حياته قابلةٌ لمزيدٍ من الانتهاك، فهو يفقد كل عمق حياتي، ويجد نفسه وحيدا في مهب الريح العاصفة الآتية من كل الجهات.
"الجريمة التي ارتكبت، وترتكب، بحق السوريين من اقتلاع بين الداخل والخارج، تعادل إلى اليوم عشرة أضعاف ما حدث في الاقتلاع الفلسطيني العام 1948"
كان على الأجيال الثلاثة من الفلسطينيين التي ولدت في سورية بعد النكبة، ولامت أهاليها على خروجهم "السهل" من البلاد إلى المنافي، أن تنتظر ستة عقود، لتتعمد بالنار نفسها التي كوت فيها أهاليها باللوم على جريمةٍ ارتكبت بحقهم، ولتكتشف مرارة الاقتلاع. صحيح، هذه المرة اقتلاع من مخيم، وليس من وطن، لكن المخيم بات مرادفا للوطن في المنفى الطويل للفلسطينيين. بعد أكثر من ستة عقود، يقول اللاجئون الفلسطينيون الجدد إن تجربتهم في الاقتلاع أقسى من تجربة آبائهم الذين لاموهم ستة عقود على خروجهم من البلاد، وكفّوا اليوم عن لومهم لانشغالهم بنكبتهم الجديدة وحنينهم للعودة إلى المخيم ليعودوا إلى حنينهم القديم بالعودة إلى فلسطين. كما اكتشفت الأجيال الجديدة أن الاقتلاع ممكنٌ في كل وقت، وإن كانوا اقتلعوا في 1948 من وطنهم وحدهم.
اليوم يُقتلعون على هامش/ وفي سياق اقتلاع الشعب السوري من أرضه، هذه المرة، بفعل أياد "وطنية"، وليس بفعل احتلال قادم من الخارج، ينازعهم وطنهم. ومع الاقتلاع الجديد، عاد الفلسطينيون إلى خطاب التفجّع الذي كان يردّده آباؤهم عن الوطن المعادل للجنة، ولكن هذه المرة، أصبح التفجع على المخيم/ المنفى القديم الذي بات المعادل الطبيعي للجنة على الأرض. وبذلك، عاد الأبناء ليلبسوا جلد أهلهم الذي رفضوه بداية، لكنهم عندما اختبروا ذلك في واقع الحياة، اكتشفوا أن كل حربٍ تفرز لاجئيها ومقتلعيها، وعندما تطرح الحرب سؤال النجاة، أو الموت تحت وابل الرصاص والقذائف والبراميل المتفجرة، وبين الفرار، فالخيار في غاية الصعوبة. وبذلك، تعلم الفلسطينيون الدرس من جديد، أن المُقتلَع لا يلام على اقتلاعه، المُقتلِع هو من يجب لومه، هو من ارتكب الجريمة، فاللوم يقع على الجلادين، لا على الضحايا، ولوم الضحايا هو إنكار للجريمة التي ارتكبت بحقهم وتبرئة للجلاد، سواء بالاقتلاع القديم على يد إسرائيل، أو بالاقتلاع الجديد على يد النظام السوري.
الاقتلاع السوري هو الجريمة الكبرى في عصر ما بعد الاستعمار، في عصر القتل الاستبدادي، عصر القتلة المستوردين من حثالة الشعوب الأخرى، الجريمة التي ارتكبت، وترتكب، بحق السوريين من اقتلاع بين الداخل والخارج، تعادل إلى اليوم عشرة أضعاف ما حدث في الاقتلاع الفلسطيني العام 1948، وإذا انتهت الجريمة كلها في فلسطين خلال أشهر، فإن جريمة الاقتلاع السورية مستمرة في سورية منذ أكثر من ست سنوات، بدأت في أماكن وقرى صغيرة، واتسعت إلى مدن متوسطة، مثل داريا التي اقتلع سكانها عن بكرة أبيهم، لم يبقَ منهم، لا طفل ولا امرأة ولا رجل عجوز، أفرغت من كل سكانها قاطبة.
واليوم، تكبر الجريمة، ويقتلع سكان مدينة كبرى، مثل حلب، من منازلهم، ولا يبدو أن هناك نهاية لجرائم الاقتلاع في سورية، والدور القادم سيكون على مدن جديدة. من المحزن في الكارثة السورية أن ترى مشاهد كانت في السابق حكراً على الفلسطينيين، يعيشها السوريون كل يوم، وفي أماكن كثيرة. حتى المنافي احتملت الفلسطينيين وقتاً أطول مما احتملت السوريين، صحيح أن الفلسطينيين اليوم لا يجدوا بلداً، يدخلهم أراضيه، لكنها عقود قبل وصولهم إلى هذه الحال. اليوم، لم تعد هناك بلاد كثيرة تدخل السوريين، سوى بلدان تعد على أصابع اليد الواحدة، وهي في تناقصٍ مستمر، أي ما حصل مع الفلسطينيين خلال عقود، يحصل مع السوريين خلال أعوام معدودة. نعم، إننا نعيش في زمن السرعة، حتى بتأثير الكوارث على البشر ومكانتهم.
لا يتصوّر ابن المكان، أي مكان، أن أحداً ما يمكن أن يهدد وجوده في المكان، مكانه، فهو موجود في مكانه الطبيعي. وهذا بديهي، لكن هذا البديهي يمكن أن يتحطم ببساطة، وبـ"تفاهة الشر" الذي يحدث وقائع جديدة ضد البداهة. يتحول ابن المكان وصاحبه، بين لحظة وأخرى، إلى مُقتلع مرمي في أرض الآخرين، أنها الجريمة التي تدمر البداهة، وتنتج واقعاً إنسانياً قاسياً، يتحوّل المكان فيه من مكان للعيش إلى ذكرى مستعادة. الاقتلاع يجعل وقع المكان أشدّ على صاحبه. ولذلك، يبدو الاقتلاع والتهجير الجريمة الأسوأ، طبعا بعد القتل الذي تعاني سورية منه الكثير أيضاً.
كاتب وروائي فلسطيني، من كتبه "النظام العربي ـ ماضيه، حاضره، مستقبله"، "تحولات التجربة الفلسطينية"، "واقع الفلسطينيين في سورية" ، "قبر بلا جثة" (رواية). نشر مقالات ودراسات عديدة في الدوريات والصحف العربية.