بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان للتنمية >> المركز الزراعي >>
تقرير عن موسم التفاح (2004) في الجولان
  02/06/2004

تقرير عن موسم التفاح (2004) في الجولان

مركز الخدمات الزراعية
الجولان للتنمية
المهندس شحاذه نصر الله

بزيارة سريعة بين بساتين التفاح في شمال الجولان المحتل في منتصف شهر تشرين أول من هذا العام، نشاهد كميات كبيرة من البساتين والأشجار التي لم تقطف بعد، أو أنها قطفت بشكل جزئي، مع العلم أنها نضجت بما فيه الكفاية. ولعل أهم الأسباب لذلك هو تراجع سوق الفواكه وهبوط الأسعار بشكل حاد في هذا الموسم، في ظل وجود كميات كبيرة من التفاح، وصعوبة في إيجاد أماكن في مخازن التبريد أو تسويق هذه الكميات بوجود ركود اقتصادي جارف، وإغلاق لأسواق الضفة الغربية وقطاع غزة على يد قوات الاحتلال، التي كانت تشكل سوق استهلاكية أساسية لإنتاج السكان العرب السوريين من التفاح. تعدت هذه الكميات معدل المنتوج السنوي بـ 30% تقريبا في القرى العربية من الجولان، وهي مجدل شمس، بقعاثا، مسعده وعين قنيه.

مقدمة

تشكل مساحات بساتين التفاح في الجولان السوري المحتل الجزء الأعظم من المساحات الزراعية للسكان العرب السوريين، لتغطي مساحة تقارب ألـ 15 ألف دونم تقريبا، وتعطي معدل منتوج سنوي يقارب ألـ 32 ألف طن. تتفاوت أعمار البساتين، فمنها المساحات التي زرعت في أواخر الأربعينات، ومنها ما هو حديث في قطع استصلحت مؤخرا أو أعيدت زراعتها بعد القلع. وحتى الآن فالمزارع يعتمد شجرة التفاح في الزراعة كونه اكتسب خبرة بالتعامل معها ومع تسويقها.

إضافة لذلك يعتبر شمال الجولان بارتفاعه عن سطح البحر (900-1100 م)، من المناطق الملائمة لزراعة الأشجار المثمرة، إذ يحتاج التفاح لدرجات حرارة معتدلة صيفاً، وموسم نمو طويل مع انخفاض تدريجي بدرجات الحرارة، إضافة لبرودة عالية في فصل الشتاء لإخراج الأشجار من طور السكون، يتبعه ربيع معتدل. وتحتاج شجرة التفاح لما يزيد عن 2200 درجة برودة في فصل الشتاء، لمساعدتها على إنتاج الثمار الفاخرة ذات اللون الجميل (اللون المخملي بالنوع ستاركنغ والصفار الموشح بالأحمر بالنوع غولدن ديليشس)، إضافة للطعم المميز.

تاريخيا

بدأت زراعة التفاح في شمال الجولان قبل ما يزيد عن 55 عاماً في سهل المرج بين قريتي مجدل شمس ومسعده، والذي يغذيه نهر سعار بالمياه، ومن ثم في منطقة السهل الغربي شمال قرية بقعاثا. حيث مرت الزراعة بمحطات كثيرة من التغيير والتبديل بأنواع المزروعات قبل ذلك.

لم تتعد مساحات زراعة التفاح ألـ 4000 دونم قبل الاحتلال عام 1967، واعتمدت زراعات أخرى كالزراعات الحقلية والحبوب والخضراوات بأنواعها، إضافة لتربية النحل. وشكلت الزراعة بنوعيها الحقلي والحيواني ركن أساسي ومصدر دخل وحيد لسكان المنطقة.

بعد احتلال الجولان في حزيران 1967 بدأت هذه الخارطة تتبدل بشكل تدريجي، وبدأت سياسة مصادرة الأراضي بالتوسع من قبل جيش الاحتلال لحجج عدة، أهمها تشييد تحصيناتهم العسكرية، مناطق أمنية، مناطق الغام، مناطق دفاعية، منصات إطلاق للصواريخ والدبابات والخ.

لذلك ونتيجة تمسك السكان العرب بأرضهم من جهة واستفادتهم من تجربة عرب ألـ 48 في فلسطين، شرعوا بتوسيع رقعة المساحات المزروعة بالتفاح البعلي، الذي أخذ الجهد الكثير في عملية استصلاح الأراضي، والعمل المستمر في حراثة الأرض وعزق التربة بشكل مستمر حول الأشجار، من أجل المحافظة على رطوبة التربة لفترة أطول. ولكن سرعان ما أدركوا أن هذه الطريقة لن تعطي المنتوج الكبير وأنها غير مجدية اقتصادياً، لذلك بدأوا في نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات بحفر الآبار السطحية (بعمق 5-8 متر)، والبرك الصغيرة من أجل تجميع المياه الشتوية وري البساتين في فترة الصيف، إذ تحتاج بساتين التفاح للري الصيفي نتيجة عدم وجود أمطار صيفية كما هو الحال في أوروبا مثلاً (700 متر مكعب للدونم بطريقة التنقيط)، وذلك لجني محاصيل أكبر وذات جودة ووزن أعلى، إضافة لمقاومتها لفترات أطول في التخزين.

نتيجة الحاجة للمياه الغير متوفرة لدى السكان من جهة، ومنع سلطات الاحتلال لحفر الآبار من جهة أخرى، بدأ المزارعون بتشييد الخزانات الحديدية، في مطلع الثمانينات، والتي تتسع لـ 500-1000 متر مكعب من المياه، بلغت تكلفة الخزان الواحد ما بين 15-10 ألف دولار تقريبا، من أجل توفير كميات قليلة من المياه للري الصيفي. وبذلك فان تكلفة استصلاح الأراضي نتيجة تضاريس المنطقة الجبلية والعناية بالأرض من حراثة وعزق مستمر، وتوفير المياه فيما بعد أرهقت المزارع بالعديد من التكاليف الثانوية. ولكنها لم تثن السكان عن عزمهم على الاستمرار في عملية الزراعة للمحافظة على أرضهم وخوفهم من مصادرتها.

لذلك نرى اليوم أن المساحات المزروعة تتعدى ألـ 25 ألف دونم تقريبا، متنوعة المنتوج ولكن الإنتاج الأساسي هو التفاح، 2500 دونم من الكرز، إضافة للدراق والنكترينا بأصنافها المتنوعة، الأجاص، السفرجل، الزيتون في قرية عين قنيه، حيث الجو أكثر دفئا، والخوخ، والحمضيات.

من الجدير بالذكر أن الاستيطان اليهودي في الجولان بدأ في عام 1973، على أنقاض القرى التي هدمتها سلطات الاحتلال إثناء الحرب وبعدها. نتيجة خصوبة التربة في الجولان وتوفر مياه الري، اعتمدت هذه المستوطنات الزراعة كمصدر دخل أساسي، وخاصة زراعة الأشجار المثمرة، أهمها وأوسعها انتشاراً كان ولا يزال التفاح. إن قلة الخبرة في التعامل مع أشجار التفاح لدى المستوطنين بالمقارنة مع السكان العرب السوريين من جهة، وقلة إنتاجية هذه المساحات في البداية من جهة أخرى، أدت لاستمرارية تفوق وتصدر منتوج السكان العرب من التفاح في الأسواق. ولكن سرعان ما بدأت هذه الخارطة تتبدل في مطلع الثمانينات، وذلك لعدة أسباب، أهمها:

-         حصل المستوطنين اليهود على مخصصات مياه عالية لبساتينهم، وبتكاليف بسيطة بالمقارنة مع السكان العرب.

-         مساعدة وزارة الزراعة للمستوطنين في اعتماد الطرق العلمية الحديثة في الزراعة، كالتربية السلكية، طرق الري الحديث وغيرها. في حين تجاهلت مزارع السكان العرب.

-         تقديم المساعدات والمنح المالية من قبل مؤسسات إسرائيلية وصهيونية عديدة، شجع المستوطنين في توسيع مساحاتهم الزراعية، وقلل من التكلفة العامة، بينما تكبد المزارع العربي كل التكاليف من ماله الخاص.

-         موقع المساحات الزراعية للمستوطنين في أواسط الجولان حيث السهول، قلل من تكلفة الاستصلاح بالمقارنة مع التضاريس الجبلية في الشمال.

-         كبر مساحات البساتين لدى المستوطنين، قلل من التكلفة العامة في العناية الموسمية. بالمقارنة مع قطع صغيرة لدى السكان العرب، نتيجة محدودية الملكية، سياسة المصادرة، وموضوع الوراثة.

بناء على ذلك بدأ منتوج المستوطنات من التفاح بالازدياد مع السنين، ليكون منافس أساسي وشبه وحيد أمام منتوج السكان العرب في الأسواق.

لمواجهة هذه المنافسة (الغير متوازنة أساسا)، بدأ المزارعون العرب بتشييد المخازن المبردة لاستيعاب منتوج التفاح، حيث بني أول مخزن مبرد في عام 1976. ومع ازدياد المنتوج المحلي لدى السكان العرب، أخذت أعداد هذه المخازن بالازدياد، للمحافظة على الثمار لفترة أطول، والقدرة على الوقوف في منافسة إنتاج المستوطنين، وعدم الرضوخ لتحكم التجار بالأسعار. حيث شُيِّدَ حتى اليوم 7 مخازن مبرَّدة كملك جماعي (كل مخزن يملكه 50-100 مزارع)، إضافة للعديد من مخازن التبريد الخاصة والصغيرة، المجهزة بأحدث الأجهزة العصرية بالتبريد وتصنيف الثمار للتسويق. تستوعب هذه المخازن ما يقارب ألـ 25 ألف طن، أي ما يعادل 80% من معدل الإنتاج السنوي، أما الكميات الإضافية من المنتوج فتسوق خلال شهري أيلول وتشرين أول

كانت هذه مقدمة أولية حول الزراعة في شمال الجولان، لتعطي للقارئ صورة شبه شاملة ومختصرة عن وضع الزراعة لدى السكان العرب السوريين في الجولان. أتأمل أن نتمكن قريبا من إنجاز مشروعنا الأكبر، الذي يتناول موضوع الزراعة في المنطقة بكل جوانبه التاريخية والحالية. أما تقريرنا هذا فيتناول الموسم الزراعي 2004.

من خلال عملنا المهني كمركز وحيد للخدمات والإرشاد الزراعي في شمال الجولان لست سنوات مضت، أود الوقوف عند العديد من النقاط الهامة والمحطات الأساسية بنظرة تحليلية وشمولية، مع تسليط الضوء على نشاطاتنا المتعددة على الصعيد المهني لهذا العام.

موسم عام 2004

الطقس:

لقد شهد هذا العام موسم أمطار معتدل نسبيا (860 ملم)، تركز سقوط المطر فيه في ثلاث أشهر فقط، وهطول للثلوج في كل من شهري كانون ثاني وشباط. رافق ذلك جو بارد وخاصة في شهر كانون ثاني، أمّن سعرات البرودة المطلوبة لأشجار التفاح حتى نهاية شهر شباط، مما مكنها على الخروج من فترة السكون بشكل جيد. في نهاية شباط بدأت درجات الحرارة بالارتفاع، مما أدى لاستيقاظ الأشجار بشكل سريع ولتفتح البراعم مع مطلع شهر آذار. وهذا يعتبر تقديم بما يعادل ألـ 3 أسابيع عن الموعد المعتاد.

أما الأمطار فقد انحسرت ولم تسقط كميات الأمطار المعتادة في كل من شهري آذار ونيسان، مما أدى إلى تيبس طبقة التربة العليا في البساتين.

أما فترة الإزهار فقد كانت قريبة من المعدل السنوي (تبكير اسبوع عن المعدل) من حيث التوقيت، وبدأت مع بداية نيسان. رافقت فترة الإزهار درجات حرارة جيدة وقريبة من المعدل المطلوب لأشجار التفاح، وأدت لطيران النحل بشكل جيد، مما ساعد على عقد للثمار بصورة جيدة.

وبنظرة أكثر تحليلا لمعطيات محطة الأرصاد الجوية التابعة للمركز الزراعي، نرى أن درجات الحرارة خلال النصف الثاني من الربيع وفصل الصيف كانت أقل من المعدل العام، ولم نشهد صيفا حارا كالمعتاد، ربما يكون السبب في هذا هو ارتفاع الرطوبة النسبية عن معدلها السنوي، مما أدى لتشكل الندى بكميات أكبر ووجود الضباب في عدد من أيام الصيف.

في بداية الموسم الزراعي، وبالتحديد في ألـ 16 من نيسان شهدت المنطقة هطول البرد، الذي أصاب الثمار في البدايات الأولى بعد تشكلها، حيث هطل البرد في مناطق كالسلالم، العفاني، الحواكير، نمره، العموريه وبير الحديد بأحجام كبيرة نسبيا، فاقت تلك التي هطلت في مناطق أخرى، مما أدى لخسائر كبيرة نقدرها بـ 8 آلاف طن.

قام المركز الزراعي بمتابعة النواحي القانونية في القطع التابعة للمزارعين المنتسبين لبرنامج الإرشاد الزراعي مع صندوق أضرار الطبيعة، من أجل الحصول على تعويضات، حيث شملت المتابعة الاطِّلاع على  سجلات التسويق لكل مزارع على حدة في مجلس الثمار، إضافة للجولات الميدانية للقطع مع مخمني صندوق أضرار الطبيعة.

مع الأسف فان مبالغ التعويض كانت قليلة، وذلك ناتج عن عدم تنظيم عملية التسويق من قبل المزارعين بشكل أساسي، حيث لم تتجاوز التعويضات ألـ 90 ألف دولار.

الآفات:

مع بداية تفتح الأشجار وخلال شهري شباط وآذار، لم نشهد الأمطار الربيعية كالمعتاد، التي تشكل عادة ظروف جوية ملائمة لتطور وانتشار الأمراض الفطرية كجرب التفاح (Venturia inaegualis) والبياض الدقيقي (Podosphaera leuctricha)، بينا ساعدت هذه الأجواء في تطور وانتشار العناكب الضارة (Panonychus ulmi & Tetranychus urticae ) التي شهدت انتشارا واسعا هذا العام في البساتين، مما أدى لزيادة الكلفة العامة في المكافحة، وأجهد المزارع في زيادة النفقات السنوية على المكافحة بما يقارب ألـ 30% تقريبا.

هناك العديد من الأسباب التي أدت لهذا التكاثر الكمي لدى العناكب الضارة، لعل من أهمها:

-         عدم وجود مبيدات فعالة لمدة زمنية طويلة (المبيدات الموجودة بالأسواق ذات فعالية بين 10-15 يوم ).

-         ارتفاع سرعة الرياح خلال فصل الصيف أدى لانتشار العناكب بشكل سريع.

-         ازدياد نسبة المزارعين الذين يستعملون طريقة الرش الآلي، دون الأخذ بعين الاعتبار عدم ملائمة العديد من البساتين ببنية أشجارها لهذه الطريقة، وعدم وصول محلول الرش لكل أشجار البستان، كل هذا أدى لتغطية سيئة بمحلول الرش ولانتشار العناكب بشكل سريع.

-         عدم وجود درجات حرارة عالية كالعادة صيفا (فوق ألـ 34 م)، مما سرّع بتكاثر العناكب.

-         الرش الفردي والغير منظم سمح لانتقال العناكب بين البساتين بشكل حر.

- دودة ثمار التفاح (Cydia pomonella) : تقدّم موعد طيران الفراشات الأولى (the biofix point) عن الموعد المعتاد بين 3-4 أسابيع تقريبا، اضافة لذلك فقد شهدنا ارتفاع نسبيا بأعداد الفراشات بالمصائد طيلة الموسم. ولكننا لم نلاحظ وجود إصابات في البساتين التي اتبعت نظام الإرشاد التابع للمركز الزراعي.

- النطاط (التسيكادا – Edwardsiana rosae): كان تواجد هذه الحشرة قليل أو شبه معدوم هذا العام، وذلك على ما يبدو نتيجة وجود كميات كبيرة من العناكب بالبساتين، أو أن عدم وجوها لسبب ما، قد أدى لانتشار العناكب بهذا الشكل الكبير. حيث لم تشكل تزاحم ومنافسة غذائية. من بين الاحتمالات التي يمكن إدراجها لعدم وجود هذه الآفة هو العوامل الجوية أو استعمال المبيد كاليبسو (Thiacloprid).

- المن الورقي (Aphis pomi): لم نشهد وجود إصابات كالمعتاد بهذه الحشرة، ومن الممكن أن السبب في ذلك يعود لاستعمال المبيد كاليبسو (Thiaclopri)  من 2-3  مرات في هذا الموسم.

المحصول:

كما ذكرت سابقا فان منتوج الموسم الحالي كان كبيرا نسبيا نتيجة للظروف الجوية المناسبة التي واكبت فترة الإزهار بشكل أساسي، واستمرار المزارعين بالعناية السنوية للبساتين، وخاصة موضوعي التقليم والتسميد اللذين شهدا تطوراً واهتماماً ملحوظاً خلال الأعوام الخمس الأخيرة.

يقدر المركز الزراعي محصول الموسم الحالي لدى المزارعين العرب في الجولان، بـما يزيد عن 43 ألف طن، وليشكل معدل إنتاجي يفوق ألـ 2.8 طن للدونم. كانت الثمار بجودة ممتازة هذا العام وبأحجام جيدة، باستثناء الإصابة بالبرد ودبغ الثمار في النوع ستاركنغ، الذي واجه مشاكل في عدد من المناطق.

هذه الفرحة لدى السكان لم تكلل بالنجاح، فقد شهدت أسواق الفواكه هذا العام تراجعاً كبيراً في الشراء والاستهلاك، مما أدى لقلة في الطلب، إضافة لتدهور أسعار فواكه منتصف العام (دراق، نكترينا، مشمش الخ)، كان الظن أن هذا التراجع هو مؤقت ولن يدوم، ولكن الوضع أخذ بالتدهور شيئا فشيئا، ولم يبدأ موسم قطاف التفاح مع بداية شهر أيلول حتى تبين أن الطلب لا يزال قليلاً، نتيجة تدهور الأوضاع المادية للمستهلك في الأسواق، والخمول الاقتصادي الجارف الذي تشهده جميع مرافق الحياة كالصناعة والسياحة والعمالة والخ.

بدأت تتضح الصورة أكثر فأكثر مع اقتراب موسم القطاف، ففي ظل وجود كميات كبيرة من الفواكه، وقلة في الاستهلاك، تدنت الأسعار لمستوى لم تشهده من قبل، حيث وصل سعر الكيلوغرام الواحد من التفاح لما يقارب ألـ 25 سنت، أي بمعدل انخفاض يتجاوز ألـ 65% عن الأسعار المعتادة.

بلغ معدل محصول التفاح لدى السكان العرب في شمال الجولان في السنوات الخمس الأخيرة، ما يقارب ألـ 32 ألف طن سنويا، وهذا يشمل المزارع بكل الأعمار، أي البساتين ذوات الأعمار الفتية والكبيرة. يخزن قسم منها (25 ألف طن) في موسم القطاف، ويباع القسم الآخر في الأسواق. والتي كان للضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين نسبة 30-40% منها تقريبا. ولكن نتيجة الإغلاق العسكري والحصار من قبل سلطات الاحتلال ومنعهم للمنتوجات الزراعية والتموينية من الدخول، أدى لإغلاق هذا السوق المهم، زد على ذلك فان وضع المستهلك الفلسطيني المادي لا يؤهله لشراء ولو حتى كميات صغيرة، فهناك مواد غذائية أكثر أهمية من التفاح في سلم أولوياته الشرائية.

وباستثناء الموسم الماضي (2003)، حيث شهد فروقات كبيرة بأسعار التفاح في فترات التخزين والتسويق، فان معدل دخل المنطقة من التفاح كان يشكل ما يقارب ألـ 20 مليون دولار سنويا، أما هذا العام فبالرغم من وجود كميات تفوق المعدل، فان الدخل المتوقع من التفاح لن يتجاوز ألـ 10 مليون دولار، أي بتراجع 10 مليون دولار تقريبا. هذه الخسائر تطال كل بيت، فنتيجة توزيع الملكية بالوراثة من الآباء للأبناء، اصبح لكل بيت قطعة أرض مستثمرة بالزراعة.

وبحساب بسيط فان دخل المزارع من منتوج التفاح لن يتجاوز ألـ 3300 دولار، هذا بالطبع هو العائد القائم أو الشامل،

بخلاف النباتات الحقلية فان العناية ببساتين التفاح هي سنوية وإلزامية، وغير مرتبطة بأسعار الفاكهة أو بكمية المنتوج. هناك تفاوت بالنفقات السنوية للدونم الواحد من التفاح، والذي يخضع بشكل أساسي لعمر الأشجار، إذ تزيد هذه النفقات مع كبر حجم الأشجار بشكل سنوي، ككمية الأسمدة ومحلول الرش في عملية المكافحة، التقليم السنوي، القطاف. وكذلك الأمر بالنسبة لكمية المحصول السنوي، إذ يبدأ الاستقرار عادة بكمية المحصول بعد 15 عام من الزرع.

من أجل حساب التكلفة السنوية للدونم يجب الأخذ بعين الاعتبار العديد من النواحي، فهناك الاستثمار برأس المال الثابت والذي يقسم عادة على سنوات الخدمة أو مجموع العمر النهائي للبستان، وهناك الاستثمار السنوي الثابت والمتعلق بشكل أساسي بعمر الأشجار وحجمها، وأخيرا النفقات المتعلقة بكمية المحصول والتي تتفاوت بعلاقة طردية مع المنتوج السنوي. وبحساب عام لتكلفة الدونم الواحد هذا العام نجد أن التكلفة تجاوزت ألـ 800 دولار، مقسمة على النحو التالي: 

البند

التكلفة للدونم بالدولار

 أسمدة موسمية

56

 تقليم

102

 مبيدات زراعية

270

 تكلفة ري

106

 قطاف وإزالة أغصان التقليم

183

 متفرقات (نحل، تفريد، معدات ري، تسنيد، تراكتور وآخر)

96

 المجموع:

814

 يبلغ معدل إنتاج الدونم لهذا العام، بغض النظر عن عمر الأشجار حوالي 3.5 طن، بينما يفوق إنتاج دونم البساتين "المستقرة إنتاجيا" (بعمر بين 18-50 سنة) ألـ 4.7 طن، وذلك بعائد مادي متوقع يقارب ألـ 1100 دولار للدونم، أي بربح صافي يعادل ألـ 286 دولار للدونم.

بما أن ملكية الفرد في القرى العربية تقارب ألـ 5 دونمات من التفاح، فان معدل الدخل الصافي في البساتين "المستقرة إنتاجيا" من التفاح سوف يقارب ألـ 1430 دولار للمزارع، بينما كان يفوق ألـ 2600 دولار في الأعوام السابقة.

لقد وظَّف السكان طيلة الأعوام الثلاثين السابقة أموالهم في الزراعة على حساب نواحي حياتية أخرى، كتمديد شبكات الري المركزية على حسابهم الخاص (1500 دولار للدونم)، ترميم العديد من الطرقات الزراعية، تشييد مخازن التبريد (ما يزيد عن 0.6 مليون دولار تكلفة المخزن)، إضافة لعمليات الاستصلاح المكلفة، تشييد آبار الري والخزانات الحديدية، والعديد من الاستثمارات المادية باهظة التكلفة. والنتيجة أن الزراعة قد تحولت وخلال أقل من 30 عاماً من مصدر دخل أساسي إلى مصدر دخل مكمل، وما نشهده هذا العام هو تحولها إلى مصدر عجز وعبء فعلي على المزارعين.

والخوف الأساسي اليوم هو بعدة نواحي، أهمها:

-         تراجع الوضع الاقتصادي لدى السكان من سيئ إلى أسوأ .

-         الخوف من استمرار التدهور بالأسعار والأسواق في السنوات القادمة.

-         بداية ترك المزارعين للأراضي الزراعية والتي كانت في وقت مضى مصدر حماية مستقبلية.

-         صغر معدل مساحة البستان التي تشهد علاقة طردية مع الزمن ( نتيجة نظام الوراثة السائد في مجتمعنا ) من شأنه أن يزيد العبء الاقتصادي على المزارع.

 

اقتراحات للحل:

بنظرة سريعة على الوضع الحالي أعتقد أن الخروج من هذه الأزمة يتطلب منا النظر للزراعة من منطلق اقتصادي ومهني ذو طابع شمولي واستراتيجي، فلا وجود للعالم ولتزايده السكاني بدون الزراعة، ولكن دخول التكنولوجيا لجميع مرافق الحياة ومنها الزراعة خلال السنوات العشر الأخيرة، قد زاد من المنتوج الزراعي في العالم بشكل عام، وخاصة في الدول المتطورة اقتصاديا كالولايات المتحدة والتي تعتبر المنتج الأكبر بالعالم للتفاح، وتقوم بتصديره للعديد من الدول. أضف لذلك تحرير الأسواق العالمية والعولمة والانفتاح الاقتصادي الذي يعمل على إعادة تحكم الاحتكارات العالمية بالأسعار والأسواق.

وبعودة للنقاش الأساسي أرى أن لا وجود لحل سحري للخروج من الوضع القائم، ولكنني أقترح العمل في آن واحد على عدة أصعدة، والتي من شأنها زيادة دخل المزارع، والرفع من قدرته على الصمود في وجه التغييرات الاقتصادية الحالية والمستقبلية:

-         العمل على إيجاد كادر مهني للتسويق الجماعي من خلال مخازن التبريد.

-         تكتل المزارعين في وحدات اقتصادية تضم مساحات زراعية لا تقل عن 300 دونم كمرحلة أولى.

-         العمل على إقامة مصانع تصنيع للمنتوج المحلي (عصير، بودرة، تخمير الخ).

-         تنظيم وتنشيط عملية بيع السواح والقادمين على المنطقة.

-         اعتماد جميع الوسائل والتقنيات الحديثة المتوفرة من أجل زيادة المنتوج ورفع جودته.

-         التنويع بالمزروعات لتشمل محاصيل زراعية جديدة.

-         الرش الجماعي في بعض المناطق بالطائرة من شأنه أن يوفر في عملية المكافحة ويزيد من فعاليتها.

 

من نشاطات المركز الزراعي هذا العام:

التجارب الميدانية:

قام الكادر المهني في المركز الزراعي هذا العام وكالمعتاد بالعديد من التجارب الميدانية في القطع التابعة لإرشاد المركز الزراعي، وذلك للتعرف على العديد من المبيدات الجديدة وفعاليتها. المبيدات معدة لمكافحة العديد من الآفات الزراعية في الأشجار المثمرة، ومن أهمها تلك المعدة ضد: جرب التفاح، البياض الدقيقي، العناكب، دودة ثمار التفاح، البارلاتوريا، المن القطني. وسوف نشهد عدد من هذه المبيدات في العام القادم والذي يليه على رفوف حوانيت بيع المبيدات الزراعية.

المختبر الزراعي:

طيلة الأعوام الثلاث الماضية قام المركز الزراعي وبشكل دوري بفحص جودة المياه من الناحية البيولوجية لكل من ينابيع الشرب التالية: عين التفاحة، راس النبع، المزار، المياه البيتية. كانت النتائج متفاوتة ولكن مياه رأس النبع بالتحديد، كانت تحوي نسبة تلوث كبيرة في جميع الفحوصات التي أجريناها، وفاقت المعدل المطلوب لصلاحيتها في الشرب. أما مياه عين التفاحة والمزار فكانت مختلفة بنتائجها وتراوحت ما بين الجيدة والملوثة.

منذ بداية شهر تشرين أول قمنا بزيادة أعداد الينابيع التي نتابع نسبة تلوثها البيولوجي لتشمل نبع الريحاني في عين قنية ونبع السلالم في قرية بقعاثا. أظهرت النتائج الأولية على وجود تلوث بيولوجي في هذه الينابيع التي يستعملها عدد من سكان الجولان في الشرب والطهي.

بالنسبة لفحص الأوراق في البساتين التابعة لإشراف المركز الزراعي، فقد تم جمعها خلال أشهر آب وأيلول كالمعتاد، ولكن لأسباب فنية (تعطل أجهزة) لم نستطع الاستمرار بفحص هذه العينات. ومن المتوقع إنجاز العمل حتى نهاية شهر تشرين ثاني.

في مجال البحث العلمي استمر هذا العام العمل في المختبر مع الفطر من نوع شيتاكي للأغراض الطبية والغذائية، حيث نفحص اليوم افضل الطرق لتربية هذا النوع كمّاً ونوعاً على أغصان التفاح المرمية، الناتجة عن عملية التقليم السنوية في البساتين، والتي اعتاد المزارعين على حرقها وعدم الاستفادة منها.

إن ارتفاع المنطقة عن سطح البحر، يساعد على تشكل الندى والضباب في العديد من أيام الصيف. هذه الكميات متفاوتة وتابعة للعديد من العوامل، لذلك قمنا ومنذ الصيف الماضي (2003)، بقياس هذه الكميات وفحصها بشكل يومي، بهدف التعرف على كمياتها ولتشكل أساس بحساب جدوى الاستفادة منها لأهداف منزلية أو زراعية في المستقبل.

مزرعة نموذجية:

تهدف لإعطاء نموذج متكامل للمزارعين بالتعاطي مع البساتين طبقا للمعطيات المحلية، بدأً بعملية الاستصلاح، الزرع، انتقاء الأصناف، الري، التسميد، تغطية شور الزرع بالنايلون، ونواحي أخرى هامة بمجال الزراعة. قطعة الأرض ملك لأحد المزارعين، وقد وضعها تحت تصرف المركز الزراعي مجاناً، إلى حين الانتهاء من استغلالها في تغطية الهدف الذي أقيمت من أجله.

تقع المزرعة في منطقة المرخان، بجانب بركة رام، وتحوي أشجار المشمش من أصناف خاصة للمناطق المرتفعة (متطلبات الصنف تحتاج لـ 800 متر عن سطح البحر). تم زرع الأشتال بعد الانتهاء من عملية التحضير في مطلع شهر أيار 2004

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات