بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قرى الجولان السورية المدمرة  >>  كي لاننسى جولاننا  >>
شــتاء جولاني ..ينعـــش فواصـــــل الذاكـــــرة
  09/11/2009

شــتاء جولاني ..ينعـــش فواصـــــل الذاكـــــرة

ما يحمله الشتاء من نسمات باردة وأصوات البرق والرعد، يدخل الدفء والحنين الى قلوب أهلنا الجولانيين، فتعود بهم الذاكرة إلى أكثر من 42 عاما، إلى ذلك الشتاء الجولاني الذي كان يحتضن قراهم وبيوتهم المبنية من الحجارة والطين والقرميد كالأم التي تقسو وترضى على طفلها المشاكس.
أحداث ومشاهدات توجع الذاكرة يحتار الحاج محمود العاص من أين يبدأ في سرد حكايات ما كان يتوقع يوما أنها كانت الجنة والنعيم لتصبح عشقا للهواء والتراب والوطن الغالي ويقول: هي أيام من الطفولة الجميلة لا تفارقني.. والحديث عن الوطن بكل ما فيه جميل وممتع ومحزن.. نعم.. الشتاء في الجولان كان قاسيا والأمطار غزيرة جدا حيث يمتد أكثر من ثمانية شهور، يبدأ من أيلول ويستمر حتى شهر أيار، وترتفع الثلوج في أشهر كانون الأول والثاني وشباط لتصل إلى متر وأحيانا أكثر ينقطع الناس عن العالم الخارجي ويصبح التنقل بين القرى والحارات صعبا جدا وما إن يتوقف هطول الثلج حتى يبدأ الأهالي بتعزيله عن الأبواب والأسطح حتى لا تتأثر المنازل بالرطوبة، فقد كانت بيوتنا مبنية من الحجارة، وبعضها من الطين بقوالب سميكة وبعضها من القرميد، فكانت تعطي الدفء لساكنيها في شتاء قاس كالذي يمر على الهضبة.‏
استعداد بنكهة خاصة‏
كان الناس في تلك القرى يتكيفون مع حياتهم البسيطة ويعدون للشتاء عدته، ويستعدون لاستقباله وكأنه ضيف قادم من بعيد.. ما إن تبدأ تباشير أيلول حتى يبدأ الأهالي بلملمة مواسمهم المبعثرة ويسرعون لقطاف الزيتون وعصره، وإلى جمع ما يضعونه من التين والزبيب على الأسطح والشرفات وقسم من أفراد المنزل ينهمك في جمع الأعلاف للمواشي وفي جمع الحطب والفحم تحضيرا لمدفأة الشتاء، أما الصبايا وبعض النساء فكن يحضرن ملابس الشتاء الصوفية ويصنعن الوسائد والحصر من بقابا الثياب فتخرج مزركشة بألوان تلك الثياب . وطبعا هذه الصناعات اليدوية المبدعة كانت مستمرة طوال فترة الشتاء كنوع من التسلية والفائدة.‏
ثم يحدثنا الحاج محمود عن تحضيرات أخرى تخص المؤن، إذ كان الناس يحسبون لكل شيء حساباته لهذا الفصل، من تخزين للقمح أو للطعام حيث كان الأهالي يضعون القمح في عنابر كبيرة أو خزانة مخصصة تدعى الكوارة وتتكون من فتحة في الأعلى يوضع فيها القمح، وفتحة في الأسفل يتم من خلالها اخراج ما يحتاجه أهل البيت من القمح.‏
وبالإضافة إلى مؤونة الزبيب والدبس والتين والزيت كان هناك خوابي الجبن واللبنة ولحمة الأورمة والتي كانت تخصص من لحمة الماعز أو الغنم أو البقر وتقلى على النار حتى مرحلة الذوبان والاندماج وتبرد وتوضع في خوابي المونة لفصل الشتاء وكان أكثر الناس يطبخونها مع الكشك.‏
وماذلك إلا لمحة بسيطة عند أيام غنية بالحب والعطاء والتعاون.‏
فواصل من حياتهم‏
برودة الطقس تعكس جمال الروح، وليالي الشتاء سبب آخر يجمع الأصدقاء والجيران والأهل في جلسات وأمسيات لها نكهة خاصة وعامرة بالأحاديث والحكايا المشوقة، إذ يتابع الحاج أبو ابراهيم قائلا: كنا نجتمع في عدة بيوت حيث نناقش أمور القرية وحاجاتها وتحصى خلال هذه الجلسات البيوت المحتاجة إلى مساعدة أو اصلاح استعدادا لأيام أكثر قساوة، وكانت هذه المجالس تقام في المضافات، ما إن يبدأ المساء حتى يجتمع الجميع بالقرب من الموقد أو مدفأة الحطب، وكان كبار السن يناقشون أمور الزراعة والفلاحة والمواشي، وأحيانا أمور الصيد عندما كان الرجال يخرجون في الشتاء لصيد الحجل والأرانب البرية، في حين كان بعضهم مشهورا في سرد القصص والحكايات القديمة مثل قصة عنترة بن شداد وقصة أبو زيد الهلالي وغيرها من الأمور التي تتعلق بالتاريخ وما فيه من انتصارات وحروب.‏
وطبعا الشتاءات الجميلة هذه لم تكن تخلو من الطعام الشهي فقد كانت الصبايا والنسوة يقدمن الأكلات الشعبية المحضرة من لوازم البيت وما ينتجونه ويقطفونه من خيرات الأرض.‏
ثم يقدم التمر والزبيب والتين اليابس وإلى جانبه الجوز والقضامة المحضرة منزليا.‏
لم يبق من كل ذلك سوى أحلام وذكريات وبقايا لحقول من القمح واللوز تصارع بقاءها مع تلك الأرض . وذهب كل شيء إلى أقدار لم نكن نحسب حسابها يوما.‏
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات