بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قرى الجولان السورية المدمرة  >>  كي لاننسى جولاننا  >>
رحلة اللجوء وذكريات الوطن ... من فلسطين إلى الشتات وأمل العودة منذ الي
  15/05/2010

رحلة اللجوء وذكريات الوطن ... من فلسطين إلى الشتات وأمل العودة منذ اليوم الأول
لاجئون شهدوا النكبة : أخرجتنا جيوش الإنقاذ العربية على أمل العودة خلال أيام
لم تجعله النكبة ينسى شكل أرضه التي كان يفلحها بكفيه المخدودة بتجاعيد الزمان لتحكي كل منها عناء قصة اللجوء من فلسطين إلى سوريا بعد 62 عاماً
في "فلسطينه الصغيرة" في سورية، والمزروعة بحوالي 15 شجرة زيتون وبعض الدجاج، يجلس مصطفى محمود صوان (تسعين عاماً) داخل عرزاله الكئيب ليتابع ما حل بأشجاره ويسقي شتلاته الصغيرة، بعد صعوده يومياً عشرات الدرجات حتى يصل إليها.


بستان ابو ياسر الذي يمثل "فلسطينه الصغير"

مصطفى محمود صوان( أبو ياسر) من مواليد قرية بيريا بقضاء صفد عام 1921، لا يزال راغباً بالعودة إلى قريته الصغيرة التي لم تضم أكثر من "25" شخصاً بحسب ما قال لنا ، واضاف " لو أني قادر على العودة إليها مشياً على أقدامي كما خرجت منها لما قصرّت، ففي كل يوم آكل نفسي ندماً على خروجي من فلسطين، ولولا هذه الأرض والعرزال لمت قهراً".
كان فلاحاً ولا زال
سيريانيوز زارت أبو ياسر في عرزاله العالي المتواضع، واستمعت إلى شهادته على زمن النكبة ، بدايةً بدأ أبو ياسر بالحديث عن جو "بيريا" وطبيعتها، وقال "طرقات البلدة كانت ترابية إلا أن أراضيها وبساتينها خصبة كنا نفلحها بأيدينا، فمهنة أهل القرية جميعهم كانت الفلاحة، ففي كل أرض هناك البقر والدجاج والأشجار المثمرة للعيش منها، وهناك الحمير للتنقل، ولم نكن بحاجة إلى أي شيء".
تنهد أبو ياسر وتابع بعيارة "لاحول ولا قوة إلا بالله ، قريتنا كانت تفتقد المشافي والمساجد والمدارس، فجيلنا لم يعرف أي نوع من العلم" مشيراً إلى أن " القرية تشتهر بمياهها فهناك ينابيع وآبار من "بيريا" تسقي مدينة صفد ومدن اخرى ".
"الحياة مع اليهود كانت كذبة" بحسب أبو ياسر، الذي قال " كنا نفلح الأرض ونعمل مع اليهود سويةً، فحارة اليهود كانت قريبة جداً من قريتنا، إلا أنهم تحولوا فجأةً وأصبحوا يطلقون النار علينا من دون سبب، حتى اكتشفنا أنهم كانوا يجهزون لدولة دون علمنا و يستغلون طيبتنا".
وتابع أبو ياسر" يوم النكبة في 15 أيار 1948 لم يكن إلا تداعيات لأمور قديمة بدأت ربما في الثورة الفلسطينية الكبرى، حيث كان لمدينة صفد ثورة بذلك الوقت قام الأهالي فيها بحرق حارة اليهود، وفي يوم النكبة دارت شكوك حول رغبة اليهود بحرق صفد مباغتةً رداً على ما قمنا به سابقاً".
الذعر من المجازر وأسلحة فاسدة
وأضاف أبو ياسر مطأطئاً رأسه" خفنا من الدعايات التي نشرت عن مجازر عين الزيتون فكنا نسمع أصوات القنابل حينها في صفد كونها قريبة، عدا عن مجزرة سعسع، وما أثير من دعايات عن انتهاك للعرض والشرف والأسر الذي طال خيرة الشباب من القرى".
وتابع" طلبت الجيوش العربية منّا أن نترك القرى لعدة أيام ريثما يتم تحريرها ونعود، فقمنا بإخلاء النساء والأطفال والشيوخ، وبقي الشباب الذين ألزمتهم قيادة الثورة بشراء السلاح، إلا أن الذخيرة التي حصلنا عليها كانت فاسدة فقد قامت الجيوش العربية بتزويدنا بـ5 طلقات لكل أسرة أغلبها محشي بالرز والبرغل وبعضها فاسد".
"الجيوش العربية لم تكن منظمة وقيادتها غير موحدة ناهيك عن ارتباط الجيوش بالاستعمار البريطاني، كقيادة الجيش الأردني، وتبعية الملك فاروق للإنكليز، بالاضافة عن حداثة الجيش السوري الذي كان في بداياته بعد الاستقلال عام 1946".
كانت هذه مبررات أبو ياسر لسقوط مدينة صفد وضواحيها وغيرها من المدن، وأردف " لم نعد نملك الطعام ولا السلاح والجيوش العربية تفشل شيئاً فشيئاً، والخطر الصهيوني اقترب، ولم يكن بحيلتنا إلا الهجرة بأمر من الجيوش العربية الفاسدة على أمل التحرير كوننا عزّل".
وعن الأراضي والبيوت في فلسطين ، قال أبو ياسر" قام أحد الانكليز بإعطائنا حوالي 6 بواريد، ولم نجد في ذلك تفسيراً سوى شفقةً على حالنا، حتى نال الانكليز رضانا في ذلك الوقت، إلا أنه وبعد فترة قام الانكليز بحيلة خبيثة، وأرسوا شخصاً يسمى" التحصيل دار" طالباً أوراق ملكية الأراضي والبيوت، ولأننا كنا قد وقعنا بالحيلة السابقة وصدقناهم، منحناهم الأوراق، وتبين لنا فيما بعد أنها حيلة طليت علينا".
دون رجعة
وحول وجهة التهجير قال أبو ياسر " خرجت وزوجتي وحدنا دون أية أغراض، ولم نخيم بأي مكان كما يشاع، ومن قريتنا "بيريا" إلى منطقة ميرون للصفصاف في فلسطين مشينا على أقدامنا، حتى نمنا عند إحدى الأسر الفلسطينية في قرية الجشّ، الذي كان رب الاسرة مسلحاً ويستعد للالتحاق بالثورة، على خلافي أنا المجرد من أي سلاح".
وتابع " من هذه القرية وجدنا سيارات شحن ذاهبة إلى القنيطرة، فقلّتنا بطريقها، ومن القنيطرة إلى ركن الدين حيث عملنا "بالفعالة" واستأجرنا بيوتاً لدى سكان الجبل، وبعدها اشترينا أرضاً بـ10 ليرات وبنينا عليها بـ 10 أخرى، وكل هذا ونحن نأمل العودة كل يوم".
أبو ياسر يملك مفتاح بيته في فلسطين، كما يملك كلمات عن قريته أكثر من أيام عمره وتجاعيد وجهه، ولكل قصة ,قصة أخرى وتفاصيل تحكى بأسماء القائمين عليها، إلا أن سؤال سيريانيوز لأبو ياسر إن كان هناك أملاً بالعودة، جعل منه يتنهد ويردد عبارته التي لم تفارقه بالحوار"لا حول ولا قوة إلا بالله" ، وهنا قررت سيريانيوز الاكتفاء بعد قوله "لا أنا ولا انتم سترجعون إلى فلسطين في ظل التخاذل الموجود".
قصة أبو حسين 75 عاماً، لم تختلف عن قصة أبو ياسر من ناحية المعاناة، إلا أن أبو حسين كان في الـ13 من عمره حين هاجر فلسطين، وكان حديثه ناجماً عن اعتكافه لقراءة تاريخ فلسطين ومدينته صفد، وتثقفه الذاتي رغم انه لم يصل إلى الصف الخامس في تعليمه
سقوط صفد
سيريانيوز زارت أبو حسين في منزله، وتحدث عن "صفد المبلطة" التي كان يلعب بها مع أبناء الحي، وقال إن " مدينة صفد عبارة عن حصن على قبة جبل كنعان، وسميت صفت ثم صفد، ولها منظر جميل أجمع عليه الرحالة سابقاً، وتتحلى بالطبيعة الخلابة فهي غنية بالأشجار المثمرة ومحاطة بالكروم والبساتين والزيتون، وتطل على أهم مصادر المياه في شمال فلسطين كبحيرة طبريا ونهر الاردن".


صفد
وتابع أبو حسين" في 28 نيسان 1948 سحبت بريطانيا قواتها من صفد، وأطلقت وحدات عسكرية تدعى" البالماخ" في مسيرتها من طبريا لتستولي على كل القرى العربية الواقعة في طريقها وتقوم بتخريبها وتهديمها، ودعيت هذه العملية "بالمكنسة" وبعد ذلك هوجمت صفد بقنابل البراميل ومدافع الهاون، ونسفت المنازل واحداً تلو الآخر، وقامت مخاتير اليهود بالدس لدى سكان صفد والجليل بأن تعزيزات يهودية ضخمة على الطريق".
وأردف" انتشرت الشائعة من قبل جيش الإنقاذ الذي كان يحوي بعض المتآمرين، فقاموا بنصح السكان الذين كانوا على سوية وعي متدنية كونهم فلاحين، بأن يتركوا أراضيهم فترة محدودة ريثما يتم التحرير، وفعلاً وبعد المجازر وأوامر الإخلاء تم تهجير حوالي 50 ألف شخصاً من الجليل وصفد وتحولوا إلى لاجئين".
"الخروج من صفد لم يكن سهلاً" بحسب أبو حسين، " فقد دارت معارك طاحنة بين اليهود وسكان المدينة"، وقال أبو حسين " سأذكر من تلك المعارك إحداها في 1\5\1948 حين انفجرت أول قنبلة راجمة فوق عين الزيتون، وفتحت النيران من حي اليهود على صفد من كل الاتجاهات، لتغطية العمليات الدائرة في عين الزيتون و"بيريا"، وفي اليوم التالي استطاعوا السيطرة واحتلال عين الزيتون".
وأردف أبو حسين " في 10\5\1948 كانت أعنف المعارك على صفد حيث كان هناك تطهير عرقي لمنطقة الفطيمة وتم إنزال الأعلام السورية والعراقية التي رفعت من قبل الجيوش العربية هناك".
شعب منهك
وعن ضعف القتال قال أبو حسين إن " الثورة الفلسطينية لم تنظمها ايديولوجيا معينة للقتال وحكمتها الوجدانيات (حب الأرض فقط من دون استراتيجيات) ، ولم تملك الوعي اللازم والإمكانيات اللازمة، عدا عن كون شعب فلسطين شعب منهك، فمن بعد الاحتلال العثماني جاء البريطاني، وفي ظل الظروف السياسية البالية لم يكن بوسعهم القتال إلا ضمن الإمكانيات ولم يستطيعوا الوقوف بوجه قوتين عظيمتين آنذاك وهي بريطانية والعصابات الصهيونية".
أسباب رحلة اللجوء لم تختلف لدى أبو ياسر وأبو حسين، و انحصرت بالمجازر وداعي الحفاظ على الشرف وأوامر جيوش الإنقاذ بالإخلاء للتحرير وفساد الأسلحة، وتحدث أبو حسين عن رحلة عائلته وهي خارجة من فلسطين قائلاً" قامت أمي بترتيب المنزل وقفل الباب والاحتفاظ بالمفتاح أملاً بالعودة بعد عدّة أيام، وكل ما حملته معها هو "سطل الدبس وكم رغيف خبز شغل يدها" حتى أني اذكر أنها تشاجرت مع إحدى النساء التي قامت برمي الدبس على الأرض"


تجمع فلسطيني في ركن الدين
وأردف" أغلب سكان شمال فلسطين نزحوا مشياً على الأقدام إلى الحدود السورية واللبنانية الفلسطينية، وكانت هناك بعض سيارات الشحن التي قلّتهم إلى لبنان وسورية" مضيفاً" أبي رفض العودة معنا ولحقنا فيما بعد إلى سورية مشياً على الأقدام حتى انه خلع حذائه وعلق بعضاّ من لحم رجله على الحذاء".
وتابع أبو حسين " بعض الأهالي استقروا في لبنان وبعضهم هاجر إلى سورية وكنا ننام بالمساجد وعند وجوه الضيع والقرى ريثما وجدنا مكاناً في ركن الدين الشيخ خالد، حي الاكراد ".

وعن ما سمي بالمخيمات، قال أبو حسين" لم يقم أي مهجّر بالتخييم، وإنما شَكل التجمّع الفلسطيني أضفى عليها صفة المخيم، وقد تم تخصيص القطع العسكرية الفرنسية القديمة والمهجورة في سورية لسكن اللاجئين، وأولى المخيمات السورية كانت في الشمال كحمص، ومخيم اليرموك وفلسطين جديدان و يعودان إلى ما بعد الانفصال بين سورية ومصر".
وأردف " النازحون إلى داخل فلسطين وإلى شرقي وغربي نهر الأردن، قامت وكالة الغوث بتأمين الخيم لهم، وما عدا ذلك لم يسكن الخيام".
وفي يوم الخامس عشر من أيار عام 1948 حدثت النكبة الفلسطينية،إلا أن إسرائيل تدعو هذا اليوم "بعيد الاستقلال".
يذكر أن إسرائيل طردت عام 1948 أهالي 530 مدينة وقرية في فلسطين، بالإضافة إلى أهالي 662 ضيعة وقرية صغيرة،حيث كانت أكبر عملية تنظيف عرقي مخطط لها في التاريخ الحديث، وأهل هذه المدن والقرى هم اللاجئون الفلسطينيون اليوم، ووصل عددهم في أواخر عام 2003 حوالي 6.100.000 نسمة، منهم 4.200.000 لاجئ مسجلين لدى وكالة الغوث والباقون غير مسجلين، ويمثل اللاجئون ثلثي الشعب الفلسطيني البالغ عدده 9 ملايين نسمة، وهذه أكبر نسبة من اللاجئين بين أي شعب في العالم.
حازم عوض- سيريانيوز

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات