بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قرى الجولان السورية المدمرة  >>  كي لاننسى جولاننا  >>
انا عائدة للبيت، هل تنضمون الي ؟؟؟
  10/04/2016

انا عائدة للبيت، هل تنضمون الي ؟؟؟

موقع الجولان للتنمية / ايمن ابو جبل

عميرة هيس/ صحيفةهأرتس الاسرائيلية

 الينور ميرزا  سورية الاصل، لام يهودية جزائرية، واب سوري، طُرد من قرية المنصورة فب الجولان المحتل في حرب حزيران عام 1967 ، حين اندلعت الحرب كان يتواجد في مدينة القنيطرة، ولم يستطع العودة الى قريته المنصورة التي تبعد عدة كيلومترات عنها، كان شاهد عيان لعملية تهجير وطرد أبناء قريته من المنصورة، البالغ عددهم 1100 مواطن، ومعهم  حوالي 130 الف مواطن سوري سكنوا الجولان في  200 قرية ومزرعة وتجمع  في الجولان .

فاروق ميرزا "والد الينور"  المهجر من قريته ومسقط رأسه، يقيم في فرنسا اليوم، ويحمل ذكريات موجعة واليمة من الماضي، بعد التهجير  سكن دمشق ومنها الى عمان والجزائر وروسيا لاستكمال تعليمه في العلوم الفيزيائية، حيث أسس مع عمه  قبل الحرب مشروع للطاقة الشمسية البديلة، وبنى اول طاحونة هواء لتوليد الطاقة بجانب بيته في قرية المنصورة  في الستينيات من القرن الماضي، قبل  الطرد والتهجير وتدمير القرية من قبل إسرائيل.

 ومع مرور السنوات الطويلة نقل بعضا من اوجاعه وذكرياته الاليمة الى  ابنته "الينور "  الدكتورة في" الأنثروبولوجيا"  علم الانسان، حيث تتركز  اطروحتها على  مجتمع الأقليات والعلاقات الاجتماعية  والحضرية في الدول المتقدمة، ودراسة البناء الاجتماعي والنظم الاجتماعية، ووضع الأقليات في زمن الحروب، كانت تخطط ان تجري البحث على الشركس في  سوريا والأردن، وإسرائيل ،الا ان أحوال الشركس في إسرائيل بحكم الصراع القومي كان يشدها اكثر، واختارت بعد تفكير طويل، وبفعل التجربة الشخصية التي ترعرعت في ظلها كشركسية، وضع الاقلية الشركسية في إسرائيل، رغم تحذيرات اساتذتها في فرنسا بعدم السفر لإسرائيل، لتجنب مشاكل هي بغنى عنها، ان تعمقت في المشاكل السياسية للاقليات في إسرائيل.

 الينور ناشطة في مجال مقاطعة البضائع الإسرائيلية في فرنسا، وداعمة نشطة للقضية الفلسطينية، الا انها أصرت على ذلك، لربما ما شدها هو ماضييها المستتر هناك بين الأنقاض في الجولان. واختارت قريتين شركسيتين في إسرائيل، هما كفركما والريحانية، حيث قررت فحص تأثير الصراع على الأقلية الشركسية ودراسة المجتمع الإسرائيلي، ونظرته وتعامله معهم لفهم المجتمع الإسرائيلي، لكن مع تعمقها في الدراسة اكتشفت انها تتعرف على المجتمع الإسرائيلي من المجتمع الشركسي فيها .

كان وجع والدها فاروق وذكرياته الأليمة عن طردهم من الجولان، يثير فضولها واهتمامها كثيراً، لكنه كان متكتما وغارقا في اسراره، يتجنب الحديث عن ذلك كلما كبرت، وأثرت بأسئلتي مواجعه، بخلاف ما كان في صغري، حيث كان يهتم بتربيتي على تقاليد وعادات الشركس وقيمهم، ويتحدث عن قريته المنصورة، مسقط راسه.

 عملية الطرد من الجولان اعادت الى الذاكرة الجماعية والشخصية مأسي الشركس على مر التاريخ، والابادات الجماعية التي قامت بها الإمبراطورية الروسية ضد شعبهم، وطردهم من وطنهم الام في القوقاز، مسقط راس اجداده، وموطن الشركس الأساسي. المعروفين كمحاربين اشداء وكرماء ومتعاضدون فيما بينهم. وهم مجتمع متماسك وطاهر، لكنهم موزعين وفق تقسيمات اجتماعية، (الأمراء الحكام الفعليون -الاهالي الاحرار ومعظمهم فلاحين - العبيد ومعهم الخدم ايضاً ) كانت الينور ميرزا تندرج ضمن طبقة الامراء كما حدثها ابوها .. فالعائلة في المنصورة اعود الى جذور اصيلة وقديمة في المجتمع الشركسي.

  في ذاكرة كل شركسي ذكريات اليمة عن الإبادة الجماعة التي تعرض لها الشعب الشركسي منذ طردهم من بلادهم في القوقاز، حيث قامت الإمبراطورية الروسية بذبح ما يزيد عن مليون ونصف شركسي، وطرد الباقي وتوزيعهم في انحاء العالم، وكانت الإمبراطورية العثمانية، قد فتحت أبوابها لاستقبالهم في ارجاء الإمبراطورية، لأنهم مشهورين كمحاربين اشداء، فسكنوا بلاد الشام ومنها اسسوا 13 قرية شركسية في الجولان،

عائلة الينور تتبع قبائل الابزاخ الـ 12 التي قاتلت بشراسة قوات الإمبراطورية الروسية، ووقفت ضد اطماعها التوسعية في موطن الشركس في سنوات الستينيات من القرن التاسع عشر.

"محمد  ميرزاموخو "جدها، سكن البلقان والاردن، واستقرا اخيرا في قرية المنصورة في العام 1885، الى جانب 12 قرية اسسوها في الجولان، وبدأت الحياة الجديدة للقبيلة والعائلة، التي اقتطعت وانتهت مرة جديدة بعد احتلال إسرائيل للجولان وطرد الشركس منه من جديد لتبدأ رحلة بناء حياة جديدة في غربة جديدة للشعب الشركسي.

 تاريخ الشعب الشركسي، ومسيرته تشكل جرحا كبيرا في ذاكرة الشركسي، ومنهم والدي تقول "الينور" رغم كونه شيوعي ويساري، الا انه يشعر بحنين للجذور، حين استقر في فرنسا اصبح يتحدث عن موطن الإباء والاجداد كثيراً في القوقاز، والرغبة في العودة الى الوطن الام، والاستقرار هناك والموت هناك، حتى انه سافر الى القوقاز واتصل بأحد الاقرباء الذين تواصل معهم، والتقى معه في احدى المقاهي، كان متأثرا جدا، فلا وجود للشخصية الشركسية الوطنية، لا يوجد جمهورية لهم،  اكثر ما صعقه مشهد رأه هناك حين ركض شاب في الشارع نحو امرأة عجوز، وسرق محفظتها، وهرب، هو نشأ على تقاليد شركسية عريقة، كان يؤمن بشدة بها، فالشركس لا يعرفون الفقر، فهم مجتمع لا يعرف السرقة او العوز، المجتمع الشركسي يتعاون فيما بينه، لتوفير كل شيء للمحتاجين، السرقة غريبة جدا، في الجولان واينما كنا  لم تُقفل أبواب البيوت في القرى الشركسية، لكنني  لم أرى هذا الامر في القرى الشركسية في إسرائيل، انهم يقفلون أبواب منازلهم خوفا من السرقة رغم تفسيراتهم في كفر كما والريحانية، ان معظم السرقات  تجري من قبل اشخاص غرباء من خارج القرية. وبحكم كون والدي شيوعيا، ومعاديا لأميركا وسياستها، اغضبه جدا رؤية لافتات شركة ماكدوناليز الامريكية في شوارع  القوقاز، وكان يقول بعصبية ما لهم هناك في وطننا ، لا يحمل والدي ضغائن ضد السوفييت آنذاك، فهو يضع حدود وفروقات بين الروس الأعداء التاريخين للشعب الشركسي، وبين السوفييت."

بمرور الوقت، كانت الينور الابنة تكبر وتخوض حياتها في الحي التي تسكن فيه عائلتها في باريس، وهو حي شعبي يعيش فيه أقليات من مختلف البلدان عربا وصينين وأفارقه، في هذا البيئة نشأت الينور وتعرفت على شاب فلسطينيي لام فرنسية، وتعرفت من خلاله على تفاصيل القضية الفلسطينية وموقف والدها اليساري من إسرائيل وعدوانها على شعبه والشعب السوري، وانضمت الى منظمات مناهضة للاحتلال الاسرائيل في فرنسا، وحين زارت إسرائيل عارض وانتقد اصدقاؤها بشدة خطوتها تلك.

الينور" سورية الأصل، الفرنسية المنشأ والجنسية، ولدت لام يهودية جزائرية، "شنتال" تعرف عليها فاروق والدها، في احدى نشاطات الحزب الشيوعي، جدتها  اليهودية الفرنسية، كانت تتحدث العربية  الافريقية، كانت محاربة في المقاومة السرية ضد النازيين، واضطرت للاختباء منهم، في الحرب العالمية الثانية، ،حين كان يجتمع اخوالها مع والدها، كان الجدال عنيفا  بينهم .فقسم من اخوالها يؤيدون إسرائيل  لكن ليس الصهيونية، ورغم ان والدتي وجدتي واخوالي لم يدخلوا إسرائيل على الاطلاق، لكن والدي كان يقول لاحد اخوالي حين يحتد ويشتد النقاش:" لماذا دخلتم غزة، ماذا تفعلون هناك...."

لكنها ومنذ صغرها كانت تحتفل مع اخوالها اليهود بالاعياد اليهودية، ومع ابوها واقاربها في الأعياد الإسلامية (عيد الفطر والاضحى) وفي الأعياد الميلادية مع المسيحيين في فرنسا.  وكان رفاق الحزب الشيوعي يعتبرون عائلتنا نموذج ومثالا للحياة والعيش المشترك بين كافة الأديان والشعوب والطوائف.

كانت ذكريات الإبادة والنزوح والتهجير حاضرة في حياة ووجدان الينور، إبادة اليهود من جهة، إبادة الشركس وتهجيرهم من روسيا، وتهجيرهم وطردهم من الجولان، ثلاثة مراحل تاريخية مختلفة، لكن الضحية واحدة، الشركس....

 تجربة الينور في إسرائيل، مثيرة وغريبة، فحين قررت زيارة إسرائيل لأول مره عام 2006 ، للبدء في أطروحتها لشهادة الدكتوراه،  وزيارة القرى الشركسية، وبطبيعة الحال محاولة زيارة الجولان مسقط راس عائلتها، احتجزها رجال  الامن ف مطار بن غوريون، كان كل شيء طبيعيا،  فانا احمل جواز سفر فرنسي، لكن ما اثار حفيظتهم اسم فاروق على جواز السفر، اوقفوني في غرفة بالمطار، لساعات طويلة أسئلة  واجوبة عديدة، وسبب زيارتي لإسرائيل ، ومن هو فاروق ، وكيف اسمه فاروق ؟وانا فرنسية، وهل هو عربي ؟ ام مسلم؟ وسألوني عن والدتي؟ ومن هي؟  وما ديانتها واصلها وفصلها، وكيف تعرفت على والدي، وفي الاستجواب حاولوا التحقيق معي عن معتقداتي وارائي في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كون امي يهودية...

قبل زيارتها حاولت العودة الى ذكريات والدها عن الجولان، لكنه كان يفضل الصمت والاحتفاظ بالمه داخله، كان يدرك ان اسئلتي سيتمخض عنها أشياء كثيرة، حاولت  جمع أسماء ناجين من قريتنا المنصورة، ليتحدثوا عن عملية طردهم وتهجيرهم، وعن المنصورة او أي قرية من قرى الجولان، لكن لم اتلق أجوبة، اعتقد انه بحث أيضا لكنه لم يخبرني بذلك، كان التفتيش عن الماضي بالنسبة اليه مؤلما وقاسيا جدا، ولم يرغب في فتح الجروح التي لم تندمل بعد، وهذا شكل سببا  اخر لديها للانطلاق في مشروعها تحت أي ثمن ... دمار المنصورة وقرى الجولان لم يجذبني بقدر ما جذبتي الاثار والمرارة والحرقة التي خلفتها ، تقول الينور بوجع..

 أطروحة الدكتوراه اوصلتها الى مسقط راس عائلتها في الجولان، قرية المنصورة، اليها عادت ابنة القرية البالغة من العمر( 36 عاما) عادت أخيرا مع أصدقاء لها  عربا ويهوداً إسرائيليون وأجانب، ويرافقهم عشرات الأصدقاء من أبناء الجولان من كان القرى الدرزية.. الذين رحبوا بالعائدة الى الديار...  لهذا قررت البقاء في إسرائيل، لتبقى بالقرب من المنصورة،الى بيتها محطتها الأخيرة... لتبني بيت العائلة من جديد في نفس المكان الذي سكنت فيه عائلتها قبل خمسين عاما....

من منزل والديها الى الشمال يطل الحرمون، "وتلال ابيطال وبنتال غربا" ، الطريق الرئيسي بين القنيطرة وبقعاثا ( الطريق 98 )  يفصل منزل والدها ، عن مدرسة القرية الواقعة الى جانب خزان المياه، هذا المشهد ذاته كان يراه والدها  قبل 50 عاما مع اختلاف التسميات بين الامس واليوم كانت اسماء الجبل والتلال الحرمون وتل ابو الندى وتل القنيطرة او تل المنصورة نسبة الى قريته " المنصورة"...

عدا مدرسة المنصورة وخزان المياه، كانت كل بيوت القرية مهدمة، اكوام باطون كثيرة منتشرة بين الأشواك والاشجار المتبقية، بئر ماء لا زالت قائمة مخفية بين الانقاض، حقول الغام إسرائيلية حول حدود القرية، وقطيع ابقار تسكن القرية...

 الينور مع احلامها ببناء بيتها بين تلك الانقاض، تعيد للمنصورة أزمنتها  القديمة ، التقاء مع  اشخاص، استحضار حياة، اعادة ذكريات، هي واضحة مع نفسها ومع هويتها وتعيش مع ذاتها. 

حين زرت قريتي المنصورة في نهاية كانون ثان هذا العام تتحدث الينور" سمعت أصوات القذائف في مدينة القنيطرة الجديدة التي احتلتها اسرائيل، ودمرتها قبل ان تنسحب منها في عام 1974، هذه الحرب البشعة التي تدور منذ خمسة أعوام وراء الأسلاك، في سوريا، قتلت على إحدى عماتي،، وعائلتي لا تعرف كيف قتلت بعد ولماذا قتلت؟ والعديد من اقاربي تهجروا ثانية من بيوتهم..."

الينور ميرزا تحلم وتخطط للعودة الى قريتها المنصورة في الجولان، بخلاف والدها الذي يحن ويحلم للعودة إلى بلاد القوقاز منشأهم وموطنهم الأصلي ..

 لغاية اليوم يعتبر الشركس ان موطنهم الاصلي هو القوقاز، وتضع مقارنه تاريخية تقارن بين الهجرة اليهودية الى فلسطين، وهجرة الشركس الى القوقاز، وتقول "هناك قرية شركسية في المانيا عادت الى القوقاز، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، عادت الى الوطن، لربما هذا ما يشجع والدها بالحنين الى الديار الاصلية ...

حيين دخلت الينور إسرائيل سافرت بالطبع الى الجولان مسقط راس أهلها، برفقة عائلة شركسية استضافتها في بيتها ، لكنها لم تستطيع تحديد مكان قريتها، وشاهدت الدمار  في مختلف مناطق الجولان ، كان والدها يحدثها عنه كثيرا.  لكنها لم تستوعب حجم الكارثة التي تركها هذا الدمار في نفس والدها. كنت اعلم ان كل سكان الجولان تم تهجيرهم، وبقى السكان الدروز، الدمار هائل جداُ ومشابه في كل الجولان، ولا يوجد اي لافتات لتحديد اين كانت تقع الـ 200 قرية سورية في الجولان قبل العام 1967.

منذ العام 2006 كانت الينور تعود الى إسرائيل لاستكمال بحثها، والبحث عن أشياء عن مسقط رأسها، تعود الى إسرائيل والى أسئلة رجال الامن في المطار، لكن رسالتها الالكترونية الى شخص يدعى ايتان برونشتين " إسرائيلي من تل ابيب، وناشط في جمعية زوخروت " ذاكرات " كان بمثابة انقلاب في حياتها وفي بحثها.

طلبت منه المساعدة في ايجاد قرية والدها المنصورة في الجولان، وتلقت الرد منه فورا، والتقوا وتحدثوا، وانطلقوا الى الجولان، ورات لأول مرة قرية المنصورة، التي تخضع لسيطرة مستوطنة " مروم غولان الإسرائيلية" كان كل شيء مؤثراً تقول ..

مع "ايتان " عثرت على مقبرة القرية، أشجار عالية جدا في وسطها، ومحاطة ببساتين المستوطنة الإسرائيلية الزراعية، هناك بعض شواهد على الاضرحة مكتوب عليها باللغة العربية، هنا يرقد جدها الذي تُسميه" ربّـا " المتوفي في العام 1947 ، حين مات كان عمره اكثر من 100 عام .ويقول ابي انه خرج في احدى الليالي وحده وحمل فأسه وحفر قبراً له ونام فيه، في اليوم التالي اثناء البحث عنه، وجدوه ميتاً داخل القبر، لقد اختار زمان ومكان وطريقة وفاته.." وتضيف: لجدي ربــّا " تاريخ معروف ومشهور، وهو معروف بالشجاعة والمروءة والكرم والصلابة، لعب دورا كبيراً في اصلاح الخلاف والاتفاق بين الشركس والدروز بعد المعارك الت حدثت بينهم في العام 1894، وأدت الى مقتل عددا من الدروز والشركس، حين قتل بعض سكان المنصورة عددا من الدروز من مجدل شمس، فانتقم الدروز لهم بالهجوم على المنصورة، واحتفظ الشركس بالقتلى الدروز، ودفنوهم في قبر جماعي في القرية، كما قال لها والدها فاروق. وساد التوتر لسنوات بين القريتين."

تيسير مرعي  من جمعية الجولان للتنمية، وهو احد أصدقاء الينور وايتان من مجدل شمس لديه وجهة أخرى حول هذا الخلاف  حيث يقول :" لم يكن الخلاف حول الحدود او المراعي، ويفسر وجهة نظره بالقول : انه كان عددا من الفلاحين في قرة بقعاثا ، يطحنون القمح في مطحنة بانياس ، اعترضهم  اللصوص من البدو، وكانوا يلبسون اللباس الشركسي، حيث قتلوا ثلاثة منهم ،وجاء الدروز للانتقام من أهالي المنصورة بالاعتقاد انهم شركس، حرقوا بيوت ومنازل وطردوهم من قريتهم، احتج الشركس لدى الوالي العثماني... الذي ارسل قوات مع الشركس، ودمروا مجدل شمس. وفقط بعد ان قدم زعيم الدروز الاعتذار من الوالي العثماني ومن الشركس، تم السماح لهم بإعادة بناء مجدل شمس التي تبعد عن المنصورة حوالي 12 كلم. 

وتعود الينور لتتحدث عن جدها الأكبر في سنوات الثلاثينيات من القرن الماضي، تعرض الى حادثة اثر سقوطه عن الحصان، في رحلة عودته من فلسطين وأصيب إصابات بالغة ، ووجده رجل من بلدة مجدل شمس، وكان نفسه زعيم الدروز ،  الشيخ كنج أبو صالح، حيث حمله الى بيته ، رغم حالة العداء التي كانت سائدة،  وطيلة ثلاثة أشهر  تلقى الرعاية والاهتمام وتماثل للشفاء، بعد عودته الى القرية المنصورة، تم عقد راية الصلح وتوقيع اتفاق ومعاهدة بعدم الاعتداء بين القريتين،. بعد سبعين عاما على الحادثة، اخبرت ابي عن نيتي بزيارة مجدل شمس، مع ايتان للقاء نشطاء واصدقائي من الجولان،  فقام على الفور بكتابة رسالة باللغة العربية  وهي رسالة شكر موجهة  الى احفاد الشيخ كنج أبو صالح،  حين عدنا حملت الرسالة معي، وتوسط د. تيسير مرعي، لترتيب اللقاء مع احد الاحفاد، وسلمته الرسالة..

بعد سنوات من البحث والعمل، ارتبطت الينور بعلاقة مع ايتان وتزوجا ، وكانت المهمة القادمة امامهما هي العثور على بيت العائلة في قرية المنصورة، لو كان ابي هنا ، لاستطعنا تحديد ذلك بسهولة فقط بإشارة من يده ونكون في المنزل ، لكنه عدا عن رفضه زيارة إسرائيل، لما سببته من ذكريات قاسية، فهو سوري الجنسية يمنع عليه دخول إسرائيل...لكنه من منفاه الفرنسي، رسم لنا خارطة القرية ، والطريق الى مبنى المدرسة الجديدة والقديمة، ومكان خزان المياه: ومكان طاحونة الهواء لتوليد الطاقة التي بناها بالقرب من بيته، ومكان المسجد، وبيت جاره" امين سمكو" ومكان قبر الدروز الجماعي، كان الامر قاسيا عليه، أعاد كل شيء على الورق من ذاكرته المليئة بالوجع... خارطة على الورق لم نستطع فهمها ورؤيتها على ارض الواقع..

وفق نصيحة د. مرعي من مجدل شمس، ذهبنا انا وايتان، ضمن مشروع " De-Colonizer  زار أعضاء الى مركز الخرائط الإسرائيلي وطلبنا شراء خارطة جوية لقرية المنصورة، صورها سلاح الجو الإسرائيلي في 14 شباط 1969 أي بعد سنتين من تهجير وطرد سكان الجولان من قراهم وبيوتهم، وبالفعل حصلنا على خارطة تبين وتوضح كل شيء ..

 كل البيوت والمباني كانت قائمة، لكن في الخارطة الصادرة عام 1971 كانت الصورة مختلفة جداً لم يتبق في القرية سوى ما نراه اليوم، كان التدمير شاملا وكاملاً لم يبق بيت واحد على حاله كلها سويت بالأرض. وبالاعتقاد ان ذلك حصل في أواخر العام 1969.

كانت الصور قاسية جدا بالنسبة الى فاروق في فرنسا.  وضع الخرائط امامه، واخذ يشرح ويحدد كل شيء، على الخارطة واستطاعت الينور مشاهدة بيت العائلة على الورق لأول مرة، ومع الخارطة الأرضية من غوغل تم تحديد مكان القرية بالتفصيل في طريق العودة الى الجولان.

في الثالث من اذار 2016 عاد الزوج برونشتايين الى الجولان كانت فرحتهم كبيرة حين اكتشفوا ان حدود القرية تنتهي مع بداية حقول الألغام. لكن طيلة الوقت كانت أصوات القذائف وصوت المعارك من شرق حط وقف اطلاق النار في سوريا تدوي وتعيد للذاكرة أصوات المعارك التي كانت هنا قبل 50 عام .

وصلوا الى المنصورة وبواسطة كاميرا الفيديو كان فاروق الاب في فرنسا يشاهد بقايا قريته ومسقط رأسه، واكد لهم تفاصيل ما يرى ويشاهد، ويستعيد ذكرياته واوجاعه، كان متأثرا جدا، حاول إخفاء مشاعره  المتأثرة ، وهذا الامر ليس غريب عن الشركسي المعروف عنه كبت مشاعره امام الاخرين،  تقول الينور.

لماذا اختارت الينور اليسارية التقدمية العلمانية (الشركسية اليهودية السورية المسلمة) الجولان وقراه المدمرة، هل هي الأسباب، العودة للجذور؟ ام الاثار الجانبية المترسبة لعملية الاقتلاع والتهجير التي عايشها ومر بها والدها، وعائلتها، التي كبرت وترعرعت في ظلها دون ان تدري؟ ام تحقيق رغبة مدفونة في مكان ما في صدر فاروق؟؟

ليس مهما السبب اليوم، بالنسبة الى الينور، التي وجدت مسقط راس والدها في الجولان، لكنها لا تخفي ميولها الجولانية، في شخصيتها، في هذه البلاد يعملون على محو الذاكرة، وانا جزء من ذاكرة المكان تقول بألم. وتضيف " ان لم استحضر المنصورة قريتي وبلدي، وافعل من اجلها ، فلا جدوي وأهمية من بقائي في إسرائيل. انا لم ادخل إسرائيل كمهاجرة "يهودية" ولم أتقدم بطلب للحصول على الجنسية الإسرائيلية، انا فرنسية متزوجة من إسرائيلي، وادعم القضية الفلسطينية.

قبل أيام في الأول والثاني من نيسان عادت الينور وزوجها ايتان برونشتين الى الجولان وبرفقة نشطاء من الجولان وأصدقاء من إسرائيل وأجانب، وزاروا عدة قرى سورية مدمرة ووصلوا المنصورة واعادت رسم بيت والدها من حجارة المنصورة، وكتبت في الدعوة .. انا عائدة للبيت، هل تنضمون الي ؟؟؟

للمزيد اقرأ:

- يساريون إسرائيليون وأجانب في جولة ميدانية للقرى المدمرة في الجولان المحتل

- قرية المنصورة في الجولان المحتل تسترجع ذكرياتها

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات