بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> عين على لبنان  >>
رحيــل «القـلـم الأخضــر» فـي صحافــة لبــنان: جــوزف سـماحــة
  26/02/2007

 

رحيــل «القـلـم الأخضــر» فـي صحافــة لبــنان: جــوزف سـماحــة

طلال سلمان/جريدة السفير
«بهدوء»، كما تعوّد أن يكتب «القلم الأخضر»، رحل جوزف سماحة..
«بهدوء» وكما عوّد أهله وأصدقاءه، المعجبين بكتاباته والمنزعجين من موقفه المعزز باتساع معرفته، رحل جوزف سماحة، بغير وداع، هو الذي قصد لندن ليكون إلى جانب رفيق عمره و«منافسه» حازم صاغية فيودع معه صديقة عمريهما المبدعة مي غصوب.
«بهدوء» أخلى مكتبه وبيته و«الافتتاحية» التي طالما شكّلت علامة فارقة في الصحافة في لبنان خاصة وفي الصحافة العربية عموماً، وهي التي كان يجد فيها القارئ ما يساعده على أن يفهم كيف يصنع «القرار»، وأين يصنع، وبمن، ليكون من ثم قدرنا إذا ما عجزنا عن مقاومته وإفشاله.
لقد انكسر واحد من الأقلام هي بين الأغنى ثقافة، والأصلب في مقارعة الغلط، والأكثر استنارة، والأقدر على استيلاد الأفكار البكر والمؤهلة لأن تجدد في نمط الإنتاج الصحافي بحيث يغدو أقرب إلى العصر.
«بهدوء» غادر جوزف سماحة المشروع الصحافي الجديد الذي يحمل الكثير من بصماته، الزميلة «الأخبار»، وقد وضع له أسس انطلاقته مع الزميل إبراهيم الأمين ومجموعة من أبناء المهنة وأهل الرأي، ولكننا في «السفير» نستشعر الفقد بقدر ما يعيشونه وأكثر، لأنه في «السفير» نشأ ومعها كبر، وإليها أضاف بعض ما نعتز به فيها.
لقد استحق جوزف سماحة، وبجدارة، أن يحتل موقع الرأي في «السفير»، وأن يكتب افتتاحيتها لسنوات طويلة، ومن حقه اليوم أن يحتل بخبر غيابه المفجع رأس «السفير» التي فيها خطا خطواته الأولى في الصحافة، وفيها تعلم وأخذ من أساتذة كبار في هذه المهنة ـ الرسالة، بينهم من قضى نحبه اغتيالاً أمثال الراحلين إبراهيم عامر وناجي العلي، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً مثل بلال الحسن ومحمد مشموشي وميشال حلوه وغيرهم كثير..
ولقد جاء جوزف سماحة ومعه رفيق عمره حازم صاغية، أعانه الله على مصابيه، إلى «السفير» وهي مشروع ـ جنين. كانا يحملان الحلم بالتغيير، والرغبة بأن يساهما في ولادة «جريدة مختلفة»: صريحة في خطها وشعاراتها، شجاعة في فتح صفحاتها للمختلفين معها، ومؤهلة لأن تعطي أصحاب الأحلام موقعاً أو منبراً يسمح بتخطي المألوف والتبشير بإعلام أكثر حداثة.
ومنذ العدد الثاني كان جوزف سماحة قد احتل ـ بتعليقه اليومي ـ مساحة في صفحة الرأي... وفي حين اكتفى حازم صاغية بأن يحصر اهتمامه بالثقافة والرأي والنقاش المفتوح مع الذات ومع الآخر، فإن جوزف سماحة قرّر أن يكون «صحافياً»، فأفاد من «الكبار» لكي يعرف عن المهنة أكثر، كما أن إطلالته على الصحافة الغربية، والفرنسية تحديداً في البداية، ثم البريطانية والأميركية بعد ذلك، قد ساعدته على أن يقترب أكثر من مكمن السر في الصحافة الحديثة: أن تكون وسيلة للمعرفة، وأن «تصنِّع» الخبر، وأن تضيف إلى «الأخبار» التحقيق بحيث تزوّد القارئ بالوقائع الكاملة، والأرقام الدالة، والمصالح الكامنة خلف الظواهر..
بعد سنوات قليلة ولكنها حافلة بالتجربة، غادر جوزف سماحة «السفير» أول مرة ولفترة قصيرة... ثم عاد إليها وقد قرّر أن الحزبية لا تصنع صحافة.
وبعد الاجتياح الإسرائيلي غادرنا ـ بالاضطرار ـ بعض أركان «السفير»، وأولهم بلال الحسن الذي لم يلبث أن أنشأ مجلة «اليوم السابع» في باريس، فاستعان بجوزف سماحة كمدير للتحرير... وعندما أعجزت الظروف القاهرة بلال الحسن عن الاستمرار في إصدار مجلته، غادر جوزف سماحة إلى لندن ليلتقي ـ مجدداً ـ مع حازم صاغية في جريدة «الحياة».
ومؤكد أن جوزف سماحة كان واحداً من الزملاء الذين أفادوا من «زمن الغربة» ليقرأوا أكثر فيعرفوا أكثر عن «الغرب» والعلاقة الشوهاء بين هذا الغرب الفرنسي ـ البريطاني ثم الأميركي بالمطلق، مع العرب.
كان جوزف يقرأ كثيراً ويكتب قليلاً... ولكن في هذا القليل كل ما قرأ عنه في «الكتب السميكة» وفي التقارير الصادرة عن مراكز الدراسات وليس فقط في المطبوعات السيارة.
... وكنا في «السفير» نعرف أن جوزف سماحة عائد إلينا، بغير اتفاق، تماماً كما غادرنا بغير وداع... وهكذا فقد جاء إلى مكتبه وكأنه كان في إجازة قصيرة. وحاول أن يجدّد في «السفير» وأن يضيف، في ظروف مختلفة تماماً عن ظروف المؤسسات التي كان يريد ويتمنى ويعمل لأن نقترب من مثالها..
ومرة ثالثة غاب جوزف سماحة عن «السفير»، ومرة ثالثة عاد إليها رئيساً للتحرير... ومن جديد أضاف، بغنى التجربة والإصرار على التجدد، صفحات وأبواباً وزوايا تحمل قدراً من المعاصرة.
.. وحين غادرنا جوزف سماحة إلى تجربته الأخيرة في الزميلة «الأخبار» كان قد ترك خلفه مجموعة من «تلامذته» الذين ما زالوا يجهدون في تقديم الجديد والمختلف، أسلوباً وإخراجاً، في الجريدة التي أعطاها جوزف سماحة أكثر من ربع عمره.
٭ ٭ ٭
«بهدوء» غادرنا جوزف سماحة، الذي كان يكره الوداع..
ولأن جوزف سماحة قد تنكب قلمه الأخضر ومضى في الرحلة التي لا عودة منها، يمكنني الحديث عنه متخففاً من حرج الزمالة التي تضعني في موقع يضعفني أمامه، لأقول إن خسارة الصحافة في لبنان جسيمة.
لقد كان قلماً مضيئاً في زمن العتمة التي تكاد تسد علينا الطريق إلى الحقيقة، بل إلى معرفة الوقائع والتثبت من صحتها. إنه زمن الغلط، وأهل الغلط، في السياسة كما في الاقتصاد، في الثقافة كما في الاجتماع. ولذا ترانا على حافة الحرب الأهلية، ليس في لبنان فحسب، بل على امتداد هذا العالم العربي ـ الإسلامي.
وتفرض عليّ الأمانة بأن أشهد بأن جوزف سماحة كان من أوائل مَن تنبّهوا ونبّهوا إلى خطر الحرب الأهلية هذه، في لبنان وفي فلسطين وفي العراق ومن ثم في سائر الأرض العربية.
وفي لحظات اليأس من الواقع، كاد جوزف سماحة يفترض أن على
القوى القادرة على الإنقاذ، بالأفكار كما بصلابة العقيدة، وأساساً بالتنظيم، أن تحضر نفسها لخوض هذه الحرب التي ستفرض عليها، لكي لا تباغت بها، وأن عليها بالتالي أن تنتصر فيها على دعاة الفتنة ممن يعملون للأجنبي ويخدمون المشروع الإسرائيلي ـ الأميركي الذي لا مكان فيه للعرب ـ كل العرب ـ في مستقبله القريب... بل هو يريدهم طوائف ومذاهب وعناصر وقبائل وعشائر مقتتلة في خدمة الغير، في دويلات ـ مزق، متهالكة ولا تعيش إلا في حضن الأجنبي وبإمرته، ضد أهلها وتاريخها ومستقبلها.
كان جوزف سماحة يرى أن على القوى المؤهلة لصناعة الغد أن تستبق دعاة الحرب الأهلية، فتفجّر الصراع ضد أهل الشر، والخاضعين ـ سلفاً ـ لأمر الأجنبي، المندفعين إلى الصلح مع إسرائيل بشروطها اللاغية لحاضرهم، والمسلِّمين بالهيمنة الأميركية على حساب أمتهم بشعوبها وثرواتها وحقها في الحياة.
... لكن النهاية جاءت أسرع ممّا نقدر، وأقسى مما نتوقع: لقد رحل جوزف سماحة، في الغربة، وهو يسعى لأن يكسر قسوتها على بعض رفاق العمر، فصارت الخسارة أثقل من أن نستطيع احتمالها، سواء في «المهجر» أو في «المقهر» على حد ما كان يقول كبيرنا الذي فقدناه المبدع بهجت عثمان.
«بهدوء» رحل جوزف سماحة، وسكت «القلم الأخضر» الذي طالما نبّهنا إلى ضرورة التصدي للغلط حتى لا يحكمنا أو يتحكّم فينا.
و«السفير» التي تستشعر مع الزميلة «الأخبار»، فداحة الخسارة، لا تجد ما يعوّض عن جوزف سماحة إلا في حماية ما جعله واحداً من مؤسسيها والذين وجدوا فيها منبراً للتبشير بضرورة العمل من أجل الغد الأفضل.
و«بهدوء» علينا تقبّل هذه الخسارة الجديدة في العصر الذي يحتاج الكثير من الأقلام الخضراء، مثل قلم جوزف سماحة، لكي نخترق الليل فيه أو نحدث فيه ثغرة لشمس الغد... أوليست «السفير» صوت من لا صوت لهم.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات