بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> عين على لبنان  >>
جورج بوش في بلادنا: سيمشي فوق سجادة من دمائنا!
  09/01/2008

 

جورج بوش في بلادنا: سيمشي فوق سجادة من دمائنا!

طلال سلمان / السفير
يستحق الرئيس الأميركي جورج و. بوش الذي يهل على منطقتنا العربية، اليوم، في جولته ذات العنوان الإسرائيلي، أن يحظى باستقبال استثنائي غير مسبوق، فهو «ضيف شرف» من طراز فريد، لم يستقبل أهل النظام العربي مثله من قبل، ومن المستبعد أن يستقبلوا مثله في المقبل من الأيام!
إنه الرئيس الذي يمكن تحميله المسؤولية، ومن ثم محاسبته على تدمير دولة عربية كبرى، وعلى هدر حياة أكثر من مليون إنسان عربي في العراق وحده... وعلى هذا فلسوف تكون السجادات الحمراء التي ستمد أمامه فريدة في بابها: ستكون من دماء مضيفيه!
إنه ضيف من طراز مختلف عمّن عرفنا: لقد أمر بتدمير بلد عربي عظيم هو بين مؤسسي الحضارة الإنسانية... ولم يرف له جفن وهو يتلقى قوائم ضحايا قصف طائراته وصواريخه وقذائف مدفعية جيشه أو «المرتزقة» من جيوش الوكالات الأمنية! كذلك فهو لم يهتم لمعرفة أعداد الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة فضلاً عن الشباب.. بين الضحايا.. ولا هو رغب بأن يعرف كم أعداد أهل البادية وكم أهل الحضر، قبل أن نصل إلى الأعراق والقوميات والعناصر ثم الأديان والطوائف والمذاهب. هو في القتل «إنساني» لا يفرّق ولا يميّز ولا تأخذه شبهة التعصب!
.. مع ذلك لن ينتبه أحد من مستقبليه العرب إلى الدماء على يديه. ربما سيعتبرونها بعضاً من «الحنة» التي يضمخ بها القادة شعر الرأس وشوارب الرجولة التي لا تهزمها السنون ولا يسأم أصحابها من الجلوس في السدة... فوق الفوق!
لن يسأله أي منهم عن العراق، لا في حاضره، ولا في مستقبله.. وبالطبع فإن أحداً لن يسأله: لماذا شن الحرب على مجموعهم في العراق وعبره.
ربما سوف يسأله البعض عما استبقى للفلسطينيين من فلسطينهم، من دون أن يخطر بباله أن يبلغه أن مؤتمر أنابوليس قد كلّفهم ما تبقى من أرض القدس العربية التي التهمتها المستعمرات التي استمر العمل في توسيعها قائماً بلا توقف خلال فترة المؤتمر وتسارع بعدها.
وبالتأكيد فإن أحداً لن يبلغه أن ذلك المؤتمر «التاريخي» قد كلّف أكثر من مئتي قتيل وأربعمئة جريح ومئة أسير إضافي، ليس في «غزة» التمرد وحدها بل في ضفة السلطة المستكينة للاتفاق الذي لا ينفذ..
وبالتأكيد فلن يذكِّره أحد عند وصوله إلى رام الله وسط غابة من الحراس بأن زعيم الثورة الفلسطينية وقائد هذا الشعب العظيم قد انتهى أسيراً ثم شهيداً بالاغتيال الإسرائيلي المعلن، في مبنى «المقاطعة» الذي تحوّل إلى قبر للسلطة... وأن غزة التي كان لها مطار هبطت فيه طائرة سلفه الرئيس الأميركي بيل كلينتون هي الآن ـ بالمليون ونصف المليون من أهلها ـ في مثل الوضع الذي انتهى إليه وبه ياسر عرفات: تحت حصار التجويع والإظلام والعطش والإفقار، معزولة عن الدنيا، مطارها مهدّم، ومرفأها مقفل، ومحطة توليد الكهرباء فيها معطلة بالقصف والمستشفيات تعجز عن استقبال ضحايا الغارات الإسرائيلية اليومية والتدمير المنهجي لأسباب الحياة جميعاً.
أما لبنان فلن يغفر جورج بوش لمن تسبّب في حرمانه من زيارة هذه الجمهورية التي لخصها بقلة من سياسييها الذين التقاهم محرضاً، ومن الاستمتاع بالفرجة على ثورة الأرز والحكومة المنتخبة ديموقراطياً ونواب الأكثرية الذين حرّضهم على انتخاب رئيس جديد للجمهورية بالحرب الأهلية تحت عنوان «النصف زائداً واحداً»!
وقد يجد بوش، وهو في هذه الحسرة لعدم قدرته على زيارة لبنان، الفرصة مناسبة ليتذكّر كيف أنه قبل نحو عام ونصف العام، كان بمثابة «الناطق الرسمي» باسم الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان، والمعرقل الأول لأي تحرك من مجلس الأمن الدولي لوقفها، والمدافع الأول عن استمرارها، على الرغم من سقوط آلاف الشهداء والجرحى طوال 33 يوماً. ولسوف يحدثه مستشاروه الأمنيون عن منافع القنابل الذكية والعنقودية، الأميركية الصنع، التي أمدّ الإسرائيليين بها تعبيراً عن «حبه» الذي لا يوصف للبنان واللبنانيين.
لم يأت رئيس أميركي إلى منطقتنا إلا بعد هزيمة عربية، سياسية بالأساس ومن ثم عسكرية، وعنوانها على الأغلب الأعم: تنازل خطير عن بعض فلسطين.
وهكذا بات ممكناً رصد التنازلات ـ الهزائم من خلال زيارات الرؤساء الأميركيين لمنطقتنا، وتجوّلهم بين الأرض الفلسطينية (التي تكاد تصير خالصة لإسرائيل) وجوارها القريب في «الضفة الشرقية لنهر الأردن» التي صارت «دولة قرار»!!، ومصر التي خلف الصحراء المدوّلة بالنصر الذي اغتيل فور ولادته، وبأيدي مَن كان يفترض أن يكون «بطله».
منذ قدوم ريتشارد نيكسون في العام ,1974 وحتى اليوم تكرّرت المشاهد ذاتها والنتائج ذاتها... حتى ليمكن قراءة التراجعات العربية المؤثرة من خلال زيارات الرؤساء الأميركيين إلى المنطقة.
خلال 34 سنة جاء أربعة رؤساء أميركيين في مواعيد ارتبطت بالحروب التي كانت عربية ـ إسرائيلية ثم انتهت لأن تكون إسرائيلية ضد الفلسطينيين وحدهم!
لن يتسبّب أحد في إفساد «جو الوفاء العربي» لهذا الرئيس الأميركي الخطير في رحلته السياحية التي يريد جورج بوش توظيفها لمصلحة حزبه المعرّض للهزيمة الآن في الانتخابات الرئاسية، إذ سيعود ليقول للأميركيين: لقد جئتكم بمليارات العرب! لقد هزمت قويهم بلا حرب فجاء ضعيفهم بكل ما يملك مستجيراً بي مني، فهل ثمة مَن حقق نجاحاً أعظم؟!
لسوف يحلّق جورج بوش فوق بقايا فلسطين... ولسوف يدلّه مضيفه الإسرائيلي على «الهنود الحمر» في أرض الميعاد، الذين يدأب على استئصالهم (وبمعونة بعضهم، وبتغاضي أهلهم)، تماماً كما جرى في «العالم الجديد».
لسوف يستمتع بمنظر الجدار وهو يشق قلب تلك الأرض المقدسة، فيقسمها بين «دولة اليهود» وبين أولئك البدو المتناثرين في أرجائها، في انتظار أن يتم استقدام المزيد من أهل الحضارة لطردهم.
ولسوف يشق طريقه وسط آلاف الحراس، وتحت تغطية جوية كثيفة، ليزور كنيسة المهد في بيت لحم، وتُلتقط له الصور التاريخية إلى جانب مذود السيد المسيح... وربما يهمس له، وهو في كنيسته: وأنا أيضاً أحادث الله ويحادثني، ولست وحدك من كلّمه وهو في المهد صبياً.
جورج بوش في ديارنا: نتمنى ألا تكلّفنا الزيارة أكثر ممّا نحتمل في يومنا، وفي غدنا على وجه الخصوص.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات