بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> عين على لبنان  >>
مانديلا العرب لن يُكمل الـ 542 عاماً
  16/07/2008

مانديلا العرب لن يُكمل الـ 542 عاماً

 
صورة نشرتها جريدة معاريف أمس للحظة اعتقال القنطار في نهاريا (أب ــ بول ميلينغ)

فجر اليوم يُفتح باب القسم الرقم 3 في معتقل هداريم. ومن هناك سيخرج رجل اسمه سمير القنطار. إنه يومه الـ 10678 والأخير في أقبية الموت الصهيونية. أخيراً ستشرق شمس فلسطين على وجه «نبيل». قليلون هم من يعرفون الاسم الحركي لقائد عملية جمال عبد الناصر، لكن العالم يعرف جيداً اسم «أغلى سجين سياسي في العالم». و«مانديلا العرب» العائد بعد ثلاثة عقود إلى رحاب «السجن العربي الكبير»

صباح 23 نيسان 1979 وقع سمير القنطار في الأسر على شاطئ نهاريا داخل فلسطين. كان مصاباً بخمس طلقات بالغة في أنحاء مختلفة من جسده. في تلك اللحظة كان عليه مقاومة آلامه من أجل عدم الإفصاح عن المكان الذي كان مقرّراً أن يعود إليه حاملاً الرهائن. نجح القنطار في الاختبار الأول وفشل ضباط وحدة «سيرت ميتكال» التي خاضت «حرباً حقيقية على شاطئ نهاريا» في معرفة نقطة العودة إلى منطقة البقبوق جنوب مدينة صور. هذا المكان لم يكن يعرفه سوى الملازم أول نبيل قاسم (الاسم الحركي لسمير القنطار) وعدد قليل من القيادة العسكرية للوحدة البحرية في جبهة التحرير الفلسطينية، الذين درّبوا سمير على الغطس وتضليل رادارات السفن وقيادة زورق مطاطي والاقتحام واقتياد الرهائن.
نجح ابن السادسة عشرة ربيعاً في كلّ ذلك، حقق حلمه بأن يرى فلسطين. فور اقترابه من رأس الناقورة رأى أضواء القرى العربية خافتة في العمق. ولحظة وطئت قدماه أرض فلسطين عاش رهبة ومشاعر من لا يصدّق أنه يقف عليها، لدرجة أنه ذهب إلى جانب أحد البيوت في مدينة نهاريا لتفحص لوحة سيارة ويتأكد من لونها الأصفر كما لوحات السيارات في إسرائيل.
لم تكشف إسرائيل عن التفاصيل الكاملة لعملية جمال عبد الناصر التي بدأت في الثانية فجراً واستمرّت حتى ساعات الصباح. لكن الأكيد أن هناك الكثير ليُروى عن كيفية استغلال إسرائيل لمقتل طفلتين ووالدهما في العملية من أجل تصوير عملية نهاريا «هولوكوست مصغر» نفذّها «المخرّبون».
أول من أمس نشرت صحيفة إسرائيلية شهادة القنطار في المحكمة المركزية في «تل أبيب» التي حكمت عليه بتاريخ 28 كانون الثاني من عام 1980 بخمس مؤبدات أضيفت إليها 47 عاماً أي ما يعادل 542 عاماً. كانت الصحيفة قد طلبت الملف القانوني للمحاكمة. وبعدما قيل إنه مفقود من سجلات الشرطة والمحكمة تبين أنه واحد من الملفات القليلة التي وضعتها الدوائر الأمنية تحت الرقابة العسكرية المشدّدة ولم تتمكن الصحيفة من نشر الملف الكامل «لدولة إسرائيل ضد سمير القنطار»، فاكتفت بنشر مقتطفات من شهادته التي يؤكد فيها أنه لم يقم بإعدام الرهائن (كما تروّج وسائل الإعلام الإسرائيلية) وأنّ عالم الذرة الإسرائيلي دان هاران وابنته اينات قتلا برصاص إسرائيلي أثناء تبادل النيران، فيما قتلت ابنته الثانية يائيل خنقاً على يد والدتها سمدار بعدما اختبأت في خزانة داخل منزلها الكائن في البناية التي تحمل الرقم 61 في شارع جابوتنسكي في نهاريا.
حقيقة أخرى ترفض إسرائيل تأكيدها تكمن في نجاح سمير بإطلاق النار على قائد قطاع الساحل والجبهة الداخلية الشمالية في الجيش الإسرائيلي الجنرال يوسف تساحور الذي نجا بأعجوبة من العملية ولم يكشف عن مشاركته فيها إلا بعد عشر سنوات حين قال في مقابلة صحافية إنه: «لن ينسى طيلة حياته وجه سمير القنطار الذي خرج من بين الصخور وعاجله بثلاث رصاصات في صدره وكيف استفاق في المستشفى بعد ثلاثة أيام وإلى جانبه جلس ممثل رئيس الوزراء وزير الدفاع وقائد الأركان ليطمئنوا إلى وضعه الصحي».
يخرج سمير القنطار إلى الحرية بعدما تنقّل في جميع السجون الأمنية الإسرائيلية، وبعدما عُزل انفرادياً لفترات متعاقبة يصل مجموعها إلى ثلاث سنوات ونصف سنة، وخصوصاً في معتقلَيْ الصرفند وعسقلان. كما أنه أمضى ما يزيد على نصف عمره داخل قضبان معتقل نفحة الصحراوي في صحراء النقب، إلى أن استقرّ به الأمر منذ عام 2004 في معتقل هداريم. يوم الجمعة الفائت انتخب الأسرى داخل هذا السجن خلفاً لسمير القنطار بعدما انتُخب ثلاث مرات وبالإجماع ممثلاً وناطقاً باسم الأسرى لدى إدارة السجن، وذلك نتيجة تجربته الطويلة في خوض عشرات الإضرابات عن الطعام وتدرّبه على يد الرعيل الأول للحركة الأسيرة داخل السجون، التي خاضت مواجهات قاسية عبر معارك «البطون الخاوية» من أجل تحسين شروط العيش الإنسانية داخل المعتقلات.
تمرّسه في النضال داخل السجن لم يكن السبب الوحيد لتزكيته لهذا المنصب، فالقنطار يلقب بـ«القاموس العبري المتحرك» نتيجة إتقانه الباهر للغة العبرية ومفرداتها، وهو ليس فقط «خرّيج سجون» إسرائيل بل هو أيضاً خرّيج جامعتها المفتوحة في تل أبيب التي تسجّل فيها عام 1992 ونال الإجازة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، في أيلول عام 1998.
في كل عمليات التبادل السابقة كانت إسرائيل ترفض إطلاق سراح سمير القنطار رفضاً مطلقاً. الاستثناء الوحيد كان اختطاف سفينة «أكيلو لاورو» الإيطالية بتاريخ 7/10/ 1984 التي كان على متنها رعايا أميركيون وإسرائيليون، وطالب الخاطفون بأن يطلق سراح القنطار مع مجموعة من الأسرى. ويروي سمير أنه في ذلك اليوم جرى تجهيزه تمهيداً لإطلاق سراحه ولكن المفاوضات مع الخاطفين فشلت بسبب رفض أي دولة عربية دخول السفينة المختطفة مياهها الإقليمية.
ويعدّ العفو الرئاسي الذي وقّعه شمعون بيرتز بعد مصادقة 22 وزيراً في الحكومة الإسرائيلية على إطلاق سراح سمير القنطار سابقة تاريخية في إسرائيل وإنجازاً نوعياً انتزعه حزب الله، وخصوصاً إذا تذكرنا أنه بتاريخ 24 نيسان 1979، عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن على لجنة الشؤون الخارجية والأمن في الكنيست الإسرائيلي مشروع قرار يقضي بإعدام سمير القنطار، كما طلب إبراهام شارير رئيس الجناح البرلماني الليكودي تطبيق الإعدام، وكذلك أدلى إسحق شامير تصريحاً يؤيد فيه تطبيق الإعدام بحق منفذي عملية نهاريا، لكن المشروع سقط بالتصويت في البرلمان.
فور عودته إلى لبنان سيخضع القنطار لفحص طبي شامل وتشخيص يجريهما كبار الأطباء لتقصي إمكان انتزاع رصاصة مستقرة في رئته اليمنى تسبّب له صعوبات في التنفس، إضافة إلى مرض الربو الذي فتك به منذ صغره على غرار ما فعل بالمناضل الأرجنتيني ارنستو تشي غيفارا.

بسام القنطار

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات