بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> عين على لبنان  >>
لنتذكر عروس الجنوب .. عادت سناء الى الجنوب
  26/07/2008


جثمان الشهيدة محمولاً على أكف رفقائها أمسبعد 23 عاماً من العملية الاستشهادية التي نفّذتها عند معبر باتر ـــ جزين في زمن الاحتلال الإسرائيلي، عادت عروس الجنوب أمس إلى بلدتها عنقون في احتفال مهيب انطلق من بيروت وتوقف في محطات مختلفة قبل أن ينتهي بمهرجان بدا كلّ شيء فيه منظماً لولا إشكال عكّر جوّ الوداع الأخير لسناء... وأوجعها، كما عبّرت والدتها

لنتذكر عروس الجنوب .. عادت سناء الى الجنوب

1968 - 1985
سناء يوسف محيدلي:
ولدت سناء محيدلي في بلدة عنقون قضاء صيدا ، (7 كلم من مدينة صيدا)جنوب لبنان ، في 14/آب/1968 والدها يوسف توفيق محيدلي . توفيت والدتهافاطمة و هي في الثالثة من عمرها ، و عاشت بعد ذلك في كنف والدها الذي كان ملتصقا بها بعد وفاة والدتها وتزوج بعد ذلك ليكون لسناء اخت واحده - عبير و ثلاثة اخوه هيثم و محمد و رامي .
نمت سناء ميحيدلي في بيت و طني حيث كان والدها ممن يرفضون الظلم و القهر و الاحتلال كباقي اترابه ورغم تواضع العيش و الحياة خلال الحرب اللبنانية بقيت عائلة سناء تسكن بيروت و مرار الاحتلال تراود صبية تنظر الى مستقبل امة و ليس مستقبل فتاة .
عملت سناء في اوقات فراغها و بعد الدراسة في محل معد لبيع اشرطة الفيديو في منطقة المصيطبه - غرب بيروت و خلال عملها هناك قامت بتسجيل 36 شريط فيديو للشهيد و جدي الصايغ الذي نفذ عملييته ضد قوات العدو في منطقة قريبة من الموقع الذي نفذت فيه سناء عمليتها الاستشهادية، و بنفس المتجر ايضا قامت بتسجيل و صيتها عبر كاميرا للفيديو من نوع "في اتش اس" ، و وجهت من خلال التسجيل رسائل الى رفاقها و اهلها و اوصت بتسميتها عروس الجنوب.
الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر يوم الثلاثاء الموافق 9 نيسان ابريل 1985 تعبر سيارة بيجو 504 بيضاء اللون ، الحاجز المقام في منطقة باتر - جزين في طريقها نحو الجنوب اللبناني ، و قد سبق للسيارة أن توقفت وراء الحاجز المقام للعبور نحو الجنوب ثم انضمت فيما بعد الى طابور طويل من السيارت ، و بعد عبورها الحاجز الاول لم تكمل السيارة طريقها بل سارت ببطء و دون ان ينتبه احد من جنود الاحتلال الصهيوني او العملاء لما يتقدم عليه الشهيدة سناء محيدلي ، التي كانت تقود السيارة و التي كانت تتجه بكل عزم و اصرار نحو قافلة عسكرية اسرائلية تتجرك في المنطقة ضمن اجراءات القيادة العسكريةالاسرائيلية لأخلاء معدات من مةاقعها في القطاع الشرقي من لبنان استعدادا لتنفيذ المرحلة الثانية من الانسحاب .
و قد لاحظ احد جنود العدو الصهيوني أن السيارة لم تكمل طريقها وفق ما اشار لها احد حراس نقطة التفتيش ، فاقترب منها محاولا التدقيق بهوية الفتاة التى كانت تقود السيارة و لكن كانت سناء محيدلي اكثر اصرارا و تصميما و سرعة ، فانطلقت بسيارتها باتجاه القافلة و اجتازت حاجزا حديديا موضوعا بشكل افقى امام مركز التجمع و امامه عوائق صغيره متعدده ، فاطلق حامية الحاجز الصهيوني رشقات من الرصاص باتجاه السيارة ولكن اصرار و عزيمة المقاومة الشهيدة كانت اسرع بالوصول الى تجمع القافلة و فجرّّت السيارة .
- البيان العسكري الاسرائيلي
الناطق العسكري الاسرائيلي اعترف بالعملية اثناء النشرة الاخبارية التى يذيعها رايو اسرائيل عند الساعة العاشرة ة النصف ليلا و قال المذيع أن خبرا طارئا قد وصله نقلا عن الناطق العسكري الاسرائيلي يقول : " ان ضابطين من الجيش الاسرائيلي قتلا وان جنديين آخرين اصيبا بجروح من جراء انفجار سيارة مفخخة في نقطة عبور باتر- الشوف في لبنان وان السيارة المفخخة وصلت من الشمال (بيروت) و انفجرت عندما اقترب جنود من حاجز اسرائيلي لتفتيشها" .
وكالات الانباء و مصادر حزبية في بيروتاجمعت على أن خسائر العدو كانت اكبر و ان عشرين جنديا قد قتلوا خلال العملية و دمر عدد من الاليات التى كانت تمر على شكل قافلة من مركز التجمع.
بيان جبهة المقاومة الوطنية
الساعة الحادية عشر صباحا من يوم الثلاثاء 9/4/1985 قامت احدى مناضلاتنا الرفيقة الشهيدة سناء محيدلي بعملية استشهادية استهدفت تجمعا لقوات العدو على طريق باتر - جزين حيث كانت تتجمع اعداد كبيرة من الشاحنات و الدبابات و الاليات المجنزرة و العديد من المشاة المنسحبين من تلال الباروك و نيحا وذلك باقتحامها القوة العسكرية للعدو الصهيوني بسيارة بيجو 504 مجهزة ب200 كلغ من مادة ت.ن.ت الشديدة الانفجار .
و قد اوقعت العملية خسائر كبيرة في جنود العدو يقدر عددهم بحوالى 50 بين قتيل و جريح ، بالاضافة الى اعطاب و احراق عدد من الآليات.
و تعاهد جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية عروسة الجنوب الشهيده سناء محيدلي بانها ستلاحق العدو بالمزيد من العمليات الفدائية و الاستشهادية حتى يتحرر جنوبنا المحتل و شعبه الصامد من رجس الاغتصاب اليهودي ، هذا العدو الذي لن ندعه يرتاح حتى تحرير كامل ترابنا القومي .


عروس الجنوب تلتحف تراب عنقون
عنقون ــ خالد الغربي/ الاخبار
لم تهنأ سناء محيدلي بعرس شهادتها، مع أنها كانت عروساً بحق في نعشها، كما لم تهنأ ابنة بلدتها «شيرين حاموش»التي ارتدت فستان العرس وواكبت النعش، إذ عكّر «الفرح» إشكال داخل حسينية بلدة عنقون، بينما كانت سناء تسمع مرثيات فيها وعنها، على خلفية وضع الرايات والأعلام بين عناصر القومي وآخرين من عنقون قيل إنّهم مقربون من «حركة أمل».
إشكال تطوّر إلى إطلاق رشقات نارية في الهواء واستخدام العصي والسكاكين، ما أدى إلى إصابة عدد من الحاضرين، ولا سيما بين جمهور «القومي». قد يكون ما حصل أكثر إيلاماً لسناء من لحظة تناثر جسدها عندما فجّرت نفسها في قافلة للعدو. هذا ما شعرت به والدتها حين اعتلت المنبر مناشدة: «أنا أمها لسناء محيدلي، ما توجّعوها، كلّكم أخوة، أوقفوا هذا الصخب». لكن نداءها ضاع وسط تطاير الكراسي التي كان للوزير علي قانصو نصيب من واحد منها.
وكانت «عروس الجنوب» قد زفّت أمس في عرس تأخر عن موعده 23 عاماً، لتلتحف تراب بلدتها عنقون. وفي عرسها كما في شهادتها وانتمائها القومي السوري، كانت العروس عابرة للطوائف والمذاهب.
فقد استقبلت بحفاوة عند مدخل عاصمة الجنوب، فيما أصرّ أبناء مغدوشة، جارة عنقون، على أن تقام للشهيدة مراسم خاصة، فاستقبلت بالدبكة والسيف والترس وماء الزهر. كلوديت حملت صليبها وراحت تتلفت باتجاه سيدة المنطرة وتقول: «يا ستنا مريم اجعليها بمطافك وحميها، هيدي زهرة من بلادي وبنت الجنوب». وكان في استقبالها رئيس البلدية غازي أيوب وممثل التيار الوطني الحر العميد فوزي فرحات وممثل الحزب السوري جورج يونان وسط أعلام قومية، بينما ارتدى الفتية والصبايا قمصاناً عليها صور سناء وصور الشهداء خالد علوان وبسام مسلماني وجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية.
في عنقون بانت الزوبعة، وبدت البلدة أمام زحف «قومي» أتى من كل قرى لبنان، شمالاً وجبلاً، ودخلت العروس البلدة على وقع زفة «خبطة قدمكم ع الأرض هدارة» و«الله معك يا بيت صامد بالجنوب» ونشيد جبهة المقاومة «للتراب وللسما»، فيما قدّمت ثلة من القوميين بلباسهم العسكري التحية مواكبة النعش داخل سيارة الإسعاف. نعش سار خلفه الآلاف قبل أن تبدأ الإشكالات: فهنا شبان من البلدة يحاولون إنزال النعش وحمله على الأكف، يمنعون في البداية ثم يكون لهم ما أرادوا. يحمل النعش ويشق طريقه باتجاه الحسينية وسط بحر من المشاركين.
تبدأ الكلمات مع سمير القنطار الذي استقبل بعاصفة من التصفيق لحظة اعتلائه المنبر ليقول: «نجتمع حول ثقافة الحياة التي كانت سناء فاتحتها وفاتحة عصر الاستشهاديات»، مضيفاً: «لا يتوهمن أحد أنه باستعادة الأسرى وإقفال الملف مع هذا العدو ينتهي الصراع»، متوعداً بساعة الحساب مع عوكر «حيث سيكون يوم الوثبة الكبرى».
تتوالى الكلمات، الأولى لحركة أمل يلقيها قبلان قبلان، ثم لحزب الله، يلقيها عمار الموسوي، والثالثة لرئيس الحزب القومي، أسعد حردان التي تتوقف بعد حصول تدافع وتبادل شتائم وتحطيم كراسيّ على الرؤوس... والشرارة كانت على خلفية إبعاد علم عن المنبر. يكبر الإشكال، ويجري إخراج القيادة القومية، من الرئيس حردان إلى قانصو إلى النائب مروان فارس من المكان. وبعد مرور نصف ساعة واكبتها إجراءات واتصالات على أعلى المستويات، تشرع أبواب الحسينية ويخرج الحاج قبلان قبلان ويتقدم موكب التشييع باتجاه مقبرة البلدة عناصر حماية من حركة أمل، فيما حمل النعش رفقاء سناء في الحزب وحشد من القوميين والقيادات القومية، بينها عميد التربية صبحي ياغي «وصرخات تحيا سوريا يحيا سعادة»، وقبل الوصول إلى المقبرة يصاب والد سناء بإعياء شديد نتيجة التأثر ونتيجة التدافع.
من بيروت
وكانت عائلة الشهيدة محيدلي قد رافقت جثمانها من بيروت (سناء الخوري)، ورغم أنها انتظرت 23 عاماً ذلك النعش، إلا أن الدقائق الأخيرة كانت الأصعب. أمام مكتب الحزب السوري القومي الاجتماعي في الروشة، وقفت العائلة وقيادة الحزب تنتظر وصول موكب الشهيدة من مستشفى الحايك. حمل عدد من الشبان والشابات أعلام الحزب. لا أحد منهم يجيب عن سؤال من نوع ما شعورك في هذه المناسبة؟ «هناك مناسبات لا مكان فيها للأسئلة والأجوبة»، يقول جهاد فرح منفذ عام الطلبة في بيروت.
عبير، شقيقة سناء، التي كانت في الثانية عشرة من عمرها، لم تجد في هذا اللقاء مع جثمان سناء فرصةً لكلام جديد على الشهيدة، فهي لم تسكت منذ فارقت أختها الكبرى حتّى تتكلّم الآن تقول السيّدة التي تزوجت في ليبيا. ما قامت به سناء، كان لكلّ امرأة عربيّة، وأنا سمّيت ابنتي على اسمها» هنا تغصّ ولا تعود تستطيع إكمال جملتها. ما كان يحسّه أولئك القوميون وأهل الشهيدة كان بادياً على الوجوه المترقّبة.
حوّل صوت سيارة الإسعاف الترقّب إلى انفعال. محمد محيدلي، أخو الشهيدة، الشاب الذي كان قد احتفظ برباطة جأشه حتّى تلك اللحظة أصبحت عيناه حمراوين. كلمات أغنية فيروز «قالولي هيدي هديّة من الناس الناطرين» طغت على أي صوت آخر، وتوقفت السيارة التي تحمل النعش أمام الأهل. اندفعوا جميعاً، فاطمة ويوسف محيدلي، ابنتهما عبير، ابنهما الصغير معتصم، قيادة الحزب والمصورون، إلى باب السيارة. بكوا جميعاً عندما وضعوا أيديهم على الخشبة التي تفصلهم عمّا بقي من جسد سناء. عانقت عبير أمّها بحرارة. أخيراً تحقق حلم كان يراود فاطمة منذ زمن. انطلق الموكب الكبير إلى عنقون وأمّ سناء تقول «زفّوها».


 
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات