بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> عين على لبنان  >>
لمخطوفون الإيرانيون الأربعة ليسوا كلهم ديبلوماسيين وسوريا طلبت
  26/02/2009

فشل تسييس ملفّهم بعد 27 عاماً على اختفائهم ورفض إعطاء طابع قضائي للجنة لبنانية - إيرانية مشتركة
المخطوفون الإيرانيون الأربعة ليسوا كلهم ديبلوماسيين
وســــوريــــا طـــلـــبــت مــن إيـــلــي حـــبــيــقــة تــصفــيــتهم !




 إيلي حبيقة.حسن نصر الله. أبو جهاد. حافظ الأسد (الارشيف)
أعاد الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، خلط الاوراق السياسية والانتخابية في آن، عبر اعادة طرح ملف الايرانيين الاربعة الذين اختطفوا في لبنان في الرابع من تموز 1982. نصر الله، وفي كلمة ألقاها في ذكرى تحرير الأسرى، طالب الحكومة اللبنانية، كما "القوات اللبنانية"، بكشف مصير الايرانيين الاربعة بعد 27 سنة على غيابهم، وأطاح بكل المعلومات الأكيدة والموثقة والثوابت التاريخية التي تؤكد أن الايرانيين الاربعة تمت تصفيتهم بعد ساعات قليلة من اختطافهم، ووصّف هذه القرائن بـ"الرواية الاسرائيلية"، التهمة "الأعز" على قلب السيد وكلمة السر التي تنفي عن أي شيء حقيقته.
الملف الشائك، الذي غلب توقيته على مضمونه، يعرف بملف "الديبلوماسيين الايرانيين الاربعة". والواقع أن الايرانيين المفقودين الاربعة ليسوا ديبلوماسيين جميعاً، بل هناك ديبلوماسي واحد بينهم فقط. وكما تؤكد المعلومات، لم يكن هذا الديبلوماسي هو المقصود المباشر بعملية الخطف، بل شخص آخر من الاربعة، وهو مسؤول عسكري ايراني، ضابط رفيع الشأن في الحرس الثوري الايراني، وقد صادف وجود القائم بالأعمال الايراني في لبنان معه في السيارة نفسها عند تنفيذ العملية. والغريب في الأمر أن تسمية القضية طوال الفترة المنصرمة كانت تطغى عليها "آرمة": الديبلوماسية، فكان الملف يعرف بملف " الديبلوماسيين الايرانيين ". إلا أن الطابع الديبلوماسي الذي شدد عليه السيد نصر الله بقوله: "أتوجه الى الحكومة اللبنانية لأقول ان هؤلاء الديبلوماسيين معتمدون في لبنان وهي تتحمل مسؤولية الكشف عن مصيرهم"، يجافي الواقع! فالأربعة ليسوا كلهم ديبلوماسيين، كما صرحت السفارة الايرانية في المحاضر الرسمية لقوى الأمن الداخلي، ولم تكن العملية موجهة ضد"ديبلوماسي اجنبي في لبنان" كما قال السيد نصر الله، بل ضدّ قائد عسكري ايراني كان موجوداً في لبنان للمفاوضة على ادخال كتيبة من الجنود الإيرانيين الى الاراضي اللبنانية. والرواية التي يرفض السيد نصر الله تصديقها بحجة انها "رواية الاسرائيلي" على حد تعبيره، ليست رواية الاسرائيلي، بل رواية عدد من شهود العيان مدعمة بالوقائع والتواريخّ.
من هذا المنطلق حريّ بنا أن نتساءل بداية: من هم المواطنون الايرانيون المفقودون الاربعة فعلاً؟ ولماذا كانوا في لبنان؟ ماذا كانوا يفعلون؟ وما الذي آل اليه مصيرهم؟
الايرانيون الاربعة المفقودون هم: السيد محسن الموسوي، والحاج أحمد متوسليان، وتقي رستكار، وكاظم اخوان.
السيد محسن الموسوي: الديبلوماسي الوحيد بين الايرانيين الاربعة! وهو كان عند تاريخ اختفائه القائم بالأعمال الايراني في لبنان.
الحاج احمد متسوليان: ضابط عسكري برتبة عالية في "البساداران" او ما يعرف بالحرس الثوري الايراني، قائد "كتيبة القدس".
كاظم اخوان: مرافق ايراني.
تقي رستكار: سائق ايراني.
ظروف اختفائهم ومصيرهم...
بالنسبة الى ظروف اختفائهم، فللاطار الزمني والوقائع التاريخية الثابتة الدور الأكبر في تحديدها.
ففي 6 حزيران 1982 بدأ الغزو الاسرائيلي للبنان، وكان الجيش الايراني قبل ذلك، وتحديداً، استعاد في 24 من أيار 1982 مدينة خورمشهر الايرانية من القوات العراقية، التي احتلت المنطقة لفترة بلغت حوالى 19 شهراً، وذلك خلال الحرب العراقية – الايرانية التي استمرت زهاء ثماني سنوات، إذ كانت بدأت في ايلول 1980. بعد استعادة خورمشهر، كانت الخطة الايرانية تكمن في اكمال الحرب حتى الوصول الى الداخل العراقي وتحديداً الى كربلاء، لكن هذا الرأي لم يكن عليه اجماع ايراني داخلي، وتزامن في تلك الفترة مع انعقاد المؤتمر الدوري للمستضعفين في طهران، حيث طالب اللبنانيون والفلسطينيون الموجودون في المؤتمر بإيقاف الحرب مع العراق وإرسال قوات ايرانية الى لبنان. كان قسم من الايرانيين يؤيد هذا المطلب، وانتهى قرار الخميني الى تشكيل كتيبة مؤلفة من 800 عنصر من "الباسادران"، قائدها الحاج احمد متسوليان، وعرفت بـ"كتيبة القدس".
في 11 حزيران 1982 وصلت "كتيبة القدس" الى سوريا من دون أي انذار مسبق للسوريين. السوريون، الذين استفزهم الوصول المباغت للايرانيين، استنفروا عسكرياً حينها وقاموا بمواكبة الـ800 عنصر الايراني الى مخيم في منطقة الزبداني السورية المحاذية للحدود اللبنانية عند منطقة البقاع، وقد احاط بالايرانيين ألوف من الجنود السوريين المجهزين بالدبابات والصواريخ، وحظر السوريون على الايرانيين الخروج من المعسكر لأي سبب كان.
في 12 حزيران 1982 وافقت سوريا على وقف لاطلاق النار مع الاسرائيليين، وسحب قواتها من جنوب لبنان ومن جبل لبنان. اما القوات السورية الموجودة في بيروت فقد ظلت فيها حتى رفع الحصار عن العاصمة وباتت خاضعة لأوامر منظمة التحرير الفلسطينية.
بعد وقف اطلاق النار مع اسرائيل، لم يعد وارداً ان يوافق السوريون على انتقال الايرانيين الى البقاع. وبالعكس، فقد احكموا الطوق على المعسكر وحظروا أي حركة، عندها بدأت الأمور تتأزم بين قائد "كتيبة القدس" الحاج أحمد متسوليان، والسلطات السورية على أعلى المستويات، اي حينها الرئيس حافظ الأسد وشقيقه رفعت الأسد الذي كان لا يزال يتمتع بنفوذ كبير في سوريا.
عندما شعر الفلسطينيون بالتضييق السوري على الكتيبة الايرانية الموجودة على الاراضي السورية، همّ خليل الوزير – "ابو جهاد" (وهو أحد مؤسسي حركة "فتح" وأحد أبرز القياديين فيها الى جانب ياسر عرفات قبل اغتياله لاحقاً في العام 1988، وكان له الدور الأبرز على الساحة اللبنانية داخل الصف الفلسطيني في تلك الفترة) همّ الى نجدة قائد "كتيبة القدس" الايرانية الحاج احمد متسوليان مؤمناً بأنه اذا استطاع اخراج متسوليان من سوريا والطوق المحكم المفروض عليه هناك وجلبه الى لبنان سيكون في امكان هذا الأخير المفاوضة بهامش أكبر، وقد يستطيع بالتالي ادخال الكتيبة الايرانية الى الاراضي اللبنانية، وهذا ما حصل بالفعل. فقد ارسل "أبو جهاد" عماد مغنية، الذي كان قريباً جداً من حركة "فتح" في تلك الفترة الى سوريا، الذي نجح وبمساعدة ضابط سوري كبير في اخراج قائد الكتيبة الايرانية من الزبداني السورية ونقله الى منطقة البقاع في لبنان.
بعد وصول الحاج احمد متسوليان الى البقاع في لبنان، غادره متجهاً الى طرابلس للاجتماع بالشيخ سعيد شعبان، العضو البارز في "الجماعة الاسلامية" ومؤسس "حركة التوحيد الاسلامية" التي شاركت في الجهاد اثناء الحرب اللبنانية. وكان هدف متسوليان من اجتماعه بشعبان آنذاك تعبئة الطائفة السنية في مقاومة لبنانية ترتكز على القوات الفلسطينية التي كانت تراجعت حينها، وبعد توقيع اتفاق وقف اطلاق النار السوري – الاسرائيلي، من الجنوب الى البقاع.
يذكر ان متسوليان وصل بالفعل الى طرابلس وقابل شعبان حينها، اي انه وفي طريقه من البقاع الى طرابلس لمقابلة شعبان، كان متسوليان قد مر بحاجز البربارة واجتازه مكملاً طريقه سليماً!
بعد انتهاء اجتماعه بالشيخ سعيد شعبان، عاد الحاج احمد متسوليان من طرابلس الى بيروت لكي يطلب موافقة السلطات الايرانية رسمياً على نقل القوة الايرانية المحتجزة في الزبداني في سوريا الى البقاع في لبنان. عندها علم السوريون بمخطط متسوليان وانه يسعى من بيروت الى نقل "كتيبة القدس" المحتجزة في الزبداني الى البقاع، وهذا ما أثار غضب السوريين على متسوليان، وخصوصاً رفعت الأسد الذي كان بدأ التنسيق مع ايلي حبيقة، "أبو علي حبيقة" كما عرفه السوريون حينها؛ في ذلك الوقت كان السوريون في حاجة الى اثباتات حسن نية من حبيقة، الذي كان على علاقة وثيقة باسرائيل في الوقت عينه، واتى الاختبار السوري لحسن نية حبيقة حينها على حساب احمد متسوليان!
وتقول المعلومات انه، وبعدما علم السوريون ان متسوليان قد يتوجه الى طرابلس مرة جديدة لمقابلة مسؤول رفيع المستوى في "فتح" للبحث معه في امكان اخراج "كتيبة القدس" من سوريا، وضع المخطط الآتي: عندما يعاود متسوليان المرور بحاجز البربارة توقفه هناك دورية تابعة لإيلي حبيقة وتختطفه وتصفيه سريعا.
وهكذا كان؛ فعند توجه متسوليان الى طرابلس لمقابلة المسؤول الفلسطيني في "فتح" يوم 4 تموز 1982، كان يرافقه القائم بالاعمال الايراني في لبنان حينها محسن الموسوي، وايرانيان آخران هما المرافق كاظم اخوان والسائق تقي رستكار؛ وعند نقطة البربارة، اوقفتهم قوة خاصة تابعة لإيلي حبيقة، ونفذ حبيقة الطلب السوري كاملا.
ويروي مساعد حبيقة السابق، روبير حاتم، المعروف باسم "كوبرا" في مذكراته كيف اعطيت الاوامر بسرعة لتصفية الايرانيين الاربعة، ويحدد المكان الذي دفنوا فيه؛ وكان حاتم قد اورد في كتابه ان الايرانيين الاربعة قتلوا جميعا بالرصاص بأمر مباشر اعطي من ايلي حبيقة الى نائبه اسعد الشفتري، ودفنوا في منطقة الكرنتينا شرق بيروت، في سراديب مبنى الامن التابع لـ"القوات اللبنانية" بقيادة ايلي حبيقة، وان جثثهم احرقت بالكلس. ثم، في العام 1983، تم نقل ما تبقى من الجثث والقي في منطقة "وادي الجماجم" في الجبال اللبنانية وفي المناطق الوعرة في ضهور عشقوت في كسروان، بأمر من بول عريس، مدير سجن الكرنتينا حينها. موضوع التصفية السريعة للايرانيين الاربعة بطلب من ايلي حبيقة شخصيا الذي يؤكده روبير حاتم الشاهد على الحادثة، اكده ايضا، وعلى ما ورد في مقال للزميل ايلي الحاج في "النهار"، زاهي البستاني، المساعد الابرز آنذاك لبشير الجميل، واكد حبيقة شخصيا للبستاني حينها، ما ورد في المقال، انه تمت تصفيتهم.
ما بعد التصفية... السراب!
المحضر الرسمي لقوى الامن الداخلي، الذي يعتمد على المعلومات المقدمة من السفارة الايرانية في لبنان لجهة تحديد هويات المخطوفين، يذكر انه وفي تاريخ 4 تموز 1982، اقدم "مسلحون حزبيون" على حاجز البربارة، على توقيف "المستشار الاول في سفارة الجمهورية الاسلامية الايرانية في لبنان السيد محسن الموسوي، مع ثلاثة من موظفي السفارة هم، اضافة الى الموسوي، الملحق العسكري احمد متسوليان، والمصور والمراسل الحربي كاظم اخوان، والسائق تقي رستكار"؛ اكتفت السفارة الايرانية بهذا القدر من المعلومات المضللة والخاطئة في الوقت عينه، وبالتالي هذا ما ذكر فقط في المحضر الرسمي لقوى الامن الداخلي، غير ان الحقيقة كانت في مكان آخر كليا!
التضليل لم يقتصر على ما يخص الهوية الحقيقية للايرانيين المخطوفين الاربعة، بل امتد الى ما آل اليه مصيرهم ايضا. ولسخرية القدر، التضليل اتى من ايلي حبيقة نفسه الذي نفذ العملية، وداخل سوريا نفسها التي خططت للعملية كلها! ففي العام 1986، وبعد تمكن سمير جعجع من السيطرة على قيادة "القوات اللبنانية" ما ادى الى انتقال حبيقة الحانق على جعجع الى سوريا التي تعادي سمير جعجع، والتي لجأت فيما بعد الى كل الوسائل لمحوه عن الساحة السياسية ولّف حبيقة، من سوريا، قصة مفادها انه، وعندما غادر مقر قيادته في الكرنتينا مرغما كان الايرانيون الاربعة لا يزالون على قيد الحياة في سجن هناك.
رواية حبيقة الدمشقية بعد 4 سنوات على تنفيذه عملية الايرانيين الاربعة هي الوحيدة التي تخرج عن كل ما يثبته الشهود العيان على تصفيتهم السريعة، والمعلومات الموثقة عن مصيرهم، والوصف الدقيق لروبير حاتم عن مكان دفنهم، كما تأكيد الشهود المستجوبين في محاضر الامن الداخلي الرسمية، والذين كانوا موجودين في سجن الكرنتينا في الحقبة نفسها التي خطف فيها الايرانيون، انه لم يكن هناك معهم اي ايراني في السجن!
اللجنة اللبنانية – الايرانية المشتركة
بعدما اعاد الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله ملف الايرانيين الاربعة، الذين يسميهم بـ"الديبلوماسيين الايرانيين الاربعة"، الى الواجهة بعد 27 سنة على اختفائهم، وجهت انتقادات سياسية الى نصرالله تتهمه بكونه اكثر ملكية من الملك نفسه، وبالتالي اكثر "ايرانية" من الايرانيين انفسهم، عبر مطالبة "الحكومة اللبنانية بأن تتحمل مسؤولياتها في ملف الديبلوماسيين الايرانيين الاربعة"! على الاثر تحرك السفير الايراني في لبنان محمد رضا شيباني وبدأ جولة على عدد من الشخصيات السياسية في لبنان للبحث معهم في ملف القضية؛ ولهذه الغاية زار شيباني، من ضمن من زارهم، وزير العدل اللبناني ابرهيم نجار واقترح عليه تشكيل لجنة مشتركة لبنانية – ايرانية لمتابعة قضية الديبلوماسيين الاربعة. الوزير نجار تجاوب مع الاقتراح بتحفظ، فوافق على ان يكون المسعى وطابع اللجنة المشتركة "انسانيا وسياسيا"، نافيا عنها الطابع القضائي ومحافظا على حصرية السلطة القضائية اللبنانية النظر في هذا الملف، وقال: "اذا اضطر الامر لفتح ملف قضائي، فسيكون بالطبع لكل موضوع عنوانه ولكل ملف من ملفات الحرب الشائنة متابعة لنتلمس الحقيقة كلنا معا".
رفض الطابع القضائي لهكذا لجنة مشتركة وحصر صلاحية النظر في الملف بالقضاء اللبناني امران اجمع عليها القانونيون، وكان موقف النائب غسان مخيبر في هذا الاتجاه ايضا، فقال في حديث صحافي ان التحقيق في اختفاء الديبلوماسيين الاربعة هو "مسؤولية القضاء اللبناني لانه يقع في خانة الاختفاء القسري. وهذه جريمة متمادية لا يقطعها مرور الزمن ولا يسقطها العفو العام". كما نفى مخيبر الحاجة الى لجنة مشتركة لبنانية – ايرانية لمتابعة هذه القضية لانه، وبحسب مخيبر، "الموضوع يقع ضمن مسؤولية القضاء اللبناني" حصرا.
ختاما، الاكيد ان ملف الايرانيين الاربعة كسلاح سياسي سقط امام الثوابت والوقائع التاريخية التي تثبت حقيقة ان الايرانيين الاربعة ليسوا كلهم ديبلوماسيين، ولم تكن الديبلوماسية الايرانية هي المستهدفة من العملية بل الجناح العسكري الايراني، وبأن عملية الخطف والتصفية تمت بطلب من سوريا، وبأنه في حال سيفتح ملف قضائي لهذه الحادثة ستفتح ملفات قضائية لحوادث اخرى مماثلة اكثر خطورة؛ فهل يا ترى لا تزال حسابات بيدر من اعاد فتح هذا الملف تنطبق على حسابات حقله؟!
أنطوان جرمانوس/النهار اللبنانية

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات