بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> عين على لبنان  >>
زواج كاثوليكي... بين سورية ولبنان
  20/04/2009

زواج كاثوليكي... بين سورية ولبنان

فكرة دعوة باحثين ومفكرين إلى عقد مؤتمر لمناقشة العلاقات السورية ـ اللبنانية، فكرة لا شك في أهميتها وضرورتها، ليس لوضع النقاط على الحروف، لأن التشابك والالتباس الحاصل لهذه العلاقات طيَّر النقاط ولخبط الحروف.
كان المؤتمر ضرورياً كي يجلس الجانبين على الطاولة ويتناقشان جدياً، بعيداً عن صخب الدعايات السياسية. أما أن تدعو إليه في هذا الوقت، قامة ثقافية مثل الدكتورة نجاح العطار نائب رئيس الجمهورية، فلذلك دلالات عدة، أولها جدية القيادة السورية في العمل على تنقية العلاقات مع لبنان وتخليصها مما اعتراها في السنوات الأخيرة، ليس فقط على مستوى المؤسسة السياسية الرسمية، وإنما لإعادة المياه إلى مجاريها على المستويات الأخرى الثقافية والفكرية. بمنأى عن السياسة والتسييس والصخب الإعلامي. هنا تبرز خصوصية قيام الدكتورة العطار بهذه المهمة الذي كان لحضورها الهادئ الرصين مع كل ما تتمتع به من احترام وثقة وأفق ثقافي عروبي، أثر في تحديد خطوط مظلة الحوار، فتم التركيز على القواسم المشتركة، من خلال مقاربات تاريخية وفكرية، مع إعادة قراءة وتقييم لجملة المصالح المشتركة لشعب واحد في بلدين. كما كان لمشاركة رئيس الحكومة اللبناني السابق سليم الحص في الافتتاح وقعاً مؤثراً، لما يمثله كشخصية لبنانية عربية وطنية، صاحبة السجل النظيف، قال كلمته دون مواربة لتكون عنواناً لا يخطئ قارئه في فهم مراميه في إقامة علاقة صحيحة وصحية، من خلال معالجة الخطأ لا إنكاره أو القفز عليه.
فكرة مؤتمر العلاقات السورية ـ اللبنانية ولدت قبل سنة، وكان سيعقد بداية هذا العام، إلا أنه أُجل بسبب العدوان الإسرائيلي على غزة. وكما يقال كل تأخير وفيه خير، فقد جاء عقده في نيسان الجاري، في فترة هدوء سياسي دولي، عقب رحيل إدارة بوش وخلال موسم مصالحات عربية. في فترة حتى لو أنها لم تثمر بعد، إلا أن مناخها كان مناسباً لإطلاق عملية مراجعة "العلاقات" بين البلدين، ميزتها أنها الداء والدواء في الوقت ذاته.
فإذا شئنا وشاء الهوى، هناك أكثر من مائة سبب لتكون هذه العلاقات من أفضل العلاقات التي تربط بينهما، وإذا ملنا ومال الهوى، فهناك أيضا ألف سبب وأكثر لتكون نموذجا لأسوأ علاقات. والدليل على ذلك ما حصل في الجلسة التي تحدث فيها الصحافي والناشر رياض نجيب الريس عن العلاقات بين البلدين من الانتداب إلى الاستقلال، مجيباً عن سؤال: لماذا شعب واحد في بلدين؟ من خلال سرد بعض الأحداث الطريفة مما ورد في صحافة تلك الفترة، إلا أن ضيق الوقت ألزمه باختصار قراءة ورقته، مما خلخل الإطار التي وردت فيه تلك الأحداث، الأمر الذي أستفز باحثة لبنانية مشاركة، فانتقدت بعنف ما أورده رياض الريس واتهمته بامتداح السوريين وذم اللبنانيين، وبدوره رد الريس الصاع صاعين، مطالباً بقراءة ورقته كاملة قبل سوق الاتهامات.
هذه المشادة أو الصدام العابر رغم أنه جاء نتيجة سوء فهم غير مقصود، إلا أنه كشف عن التوتر الكامن في النفوس والذي سكت عنه المؤتمرون، إذ لاشك في أن مقاربته غير مأمونة العواقب، ولعل هذا سبب كاف للسعي أن يكون هذا المؤتمر الأول من نوعه تصالحياً على الأقل في دورته الأولى، حتى لو بدا المأمول منه أعرجاً، فما تعرضت له علاقات البلدين ليس بالأمر الممكن تجاوزه بسهولة، بل أن تجاوزه لا يمنع عدم تكراره. وقد سبق وتكرر عدة مرات خلال تاريخهما المعاصر، وكل مرة كانت الجغرافية والديموغرافية والمصير المشترك في مواجهة العدو الإسرائيلي، تعيد الشقيقين إلى التمترس في خندق واحد، ليعيشا مرغماً أخاك لا بطل علاقة أشبه بزواج كاثوليكي مؤبد، الطلاق فيه شبه مستحيل، ودوام الخصام جحيم لا طاقة لدى أي من الطرفين على احتماله، حين يصبح الاتفاق قدراً لا بد منه.
توضح ذلك في جلسات المؤتمر التي ناقشت على مدى عدة أيام (14ـ 18 نيسان) ستة محاور غلبت عليها الموضوعات التاريخية والجغرافية والاقتصادية، وعلى طريقة المصالحات الزوجية في أول لقاء بعد الحرد، تبدى في إظهار الأشواق الحارة والحب والغرام، قبل أن تعود الحياة الزوجية إلى مجاريها في الأخذ والرد والمناكفات والمصالحات.
حرص المؤتمرون الذين تجاوز عددهم 150 باحثاً ومفكراً على تجنب الخوض في كل ما من شأنه أن يؤدي إلى الاشتباك، ففي منطقة بعيدة عن الملفات العالقة والقضايا الإشكالية، جرت نقاشات أكاديمية هامة تناولت العناوين العريضة، دون الخوض في التفاصيل حيث يختبئ شيطان الخلافات، هناك من رد ذلك إلى أن غالبية المدعوين هم من الأطراف اللبنانية الموالية لسورية، فيما رأى آخرون أن الموضوع بحد ذاته مازال نقاشه محرجاً، وربما هذا يفسر تصريح البعض للإعلام برأي ايجابي جداً عن المؤتمر، لكنهم في الدردشات الخاصة انتقدوا غياب الجرأة، وعدم الخوض في الأخطاء التي ارتكبت بحق هذه العلاقات، وكانت الاقتراحات المتداولة أن يكون هذا المؤتمر خطوة تؤسس لخطوات لاحقة، لأنه وكما يلاحظ لغاية الآن، لا يوجد تصور واضح لمستقبل العلاقات بيت البلدين، بعد الإجراءات الأخيرة التي اُتخذت والمسارات التي راحت تتجه نحوها العلاقات على المستوى الرسمي.
من هنا فإن اقتراح عقد مؤتمرات أو ورشات عمل مغلقة تناقش فيها كافة القضايا الإشكالية من قبل مختصين ومعنيين بصراحة ووضوح أمر مطلوب، كي تستثمر الفرصة التي وفرها المؤتمر الأول من أجل الخروج بتصور لمستقبل هذه العلاقات، ضمن رؤية تحصنها من الاهتزاز، كلما هبت الرياح الدولية.

سعاد جروس

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات