بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> عين على لبنان  >>
ترشيح ميقاتي: حجر واحد يصيب سرب عصافير!
  25/01/2011
e="6">ترشيح ميقاتي: حجر واحد يصيب سرب عصافير!
 

أيا تكن الظروف الداخلية أو الخارجية التي دفعت المعارضة الى ترشيح الرئيس نجيب ميقاتي لرئاسة الحكومة، عشية الاستشارات النيابية الملزمة، فان هذا الخيار كان بمثابة «ضربة معلم» موفقة، خلطت الأوراق في الأوعية الداخلية والخارجية، وأصابت مجموعة من العصافير السياسية بحجر واحد.
وليس صعبا الاستنتاج بان «خيار ميقاتي» أحرج الرئيس سعد الحريري وربما أخرجه من السباق الى السراي قبيل انطلاقته، بعدما «باغته» هذا الترشيح في اللحظة الأخيرة، وهو الذي كان يبني حساباته على أساس احتمالات أخرى.
وبرغم كل المحاولات التي جرت وستجري من قبل قوى 14 آذار بقيادة تيار المستقبل لـ«حرق» اسم ميقاتي باكرا من خلال الترويج لمقولة انه مرشح «حزب الله» و8 آذار، إلا ان ذلك لن يلغي الحقائق الآتية:
- ان ميقاتي هو رئيس حكومة سابق، وقد شكل توليه رئاسة الحكومة في العام 2005، خشبة خلاص في مرحلة انتقالية، بين مرحلتين، كانت سمة الأولى، وجود الجيش السوري في لبنان والثانية، بدء مرحلة جديدة تولى ميقاتي ادارتها، خاصة في التحضير للانتخابات النيابية التي كرست فوز الغالبية برئاسة سعد الحريري، وتطلب ذلك من ميقاتي التضحية بمقعده النيابي لمصلحة البقاء على مسافة واحدة مع الجميع.
- ان ميقاتي هو أحد الممثلين الشرعيين لعاصمة السنة في لبنان، وفقا للتوصيف الذي أطلقه النائب محمد كبارة على مدينة طرابلس، عدا عن انه يتمتع بعمق شمالي ولبناني وعربي ودولي وازن.
- ان ميقاتي والحريري خاضا الانتخابات النيابية السابقة يدا بيد، وكتفا الى كتف، في لائحة مشتركة، وبالتالي فان المؤشرات المبكرة التي بدأت تعكسها بعض أوساط «المستقبل» وحلفائه لـ«التبرؤ» منه وربما «تخوينه» لن تتمتع بالحد الادنى من المصداقية، خاصة وأن ميقاتي كان في حسابات الجمع والطرح بعد انتخابات 2009 جزءا من الغالبية التي كرست سعد الحريري زعيما ومن ثم رئيسا للحكومة المستقيلة.
- ان وجود ميقاتي خارج نطاق الاشتباك المباشر مع المحكمة الدولية سيحمي أي موقف يتخذه بفك ارتباط لبنان بها من «الطابع الديماغوجي»، بما يعبر عن قناعة بان الحفاظ على استقرار البلد يستوجب قطع العلاقة الرسمية بالمحكمة، تماما كما ان صون هذا الاستقرار تطلب في مرحلة سابقة إعطاء فرصة لها.
- ان الرئيس سعد الحريري نفسه وافق على مشروع تسوية كان يقضي بالغاء بروتوكول التعاون مع المحكمة وسحب القضاة اللبنانيين منها ووقف تمويلها، قبل ان يسقط هذا المشروع في اللحظة الاخيرة لاسباب لا علاقة لها ببند المحكمة، وبالتالي فانه لم يعد يحق لأي فريق، بدءا من تيار المستقبل ذاته وصولا الى الآخرين، اتهام ميقاتي بانه انقلب على الحريري أو خان دم الرئيس الشهيد.
من المؤكد ان سعد الحريري كان يفضل ان تخوض المعارضة معركة رئاسة الحكومة متسلحة باسم عمر كرامي، مفترضا ان من شأن ذلك ان يسهل عليه المواجهة، إما للفوز على منافسه في الاستشارات وإما لجعل إقامته في السراي جحيما، باعتبار ان كرامي هو ركن أساسي في المعارضة وحليف تاريخي لسوريا وللمقاومة وخصم تقليدي لتيار المستقبل، إضافة الى كونه لم يوفق في الانتخابات النيابية الأخيرة في طرابلس.
استنادا الى كل هذه المعطيات، كانت قوى 14 آذار تفترض انه سيكون من السهل عليها «تهشيم» صورة كرامي واستكمال المعركة ضده اعلاميا وسياسيا، من حيث توقفت يوم كان رئيسا للحكومة عند اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005. كانت «عدة المعركة» قد اصبحت جاهزة، كما يتضح من مضمون المؤتمر الصحافي الاخير لقائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع الذي خصص حيزا واسعا منه لشن حملة عنيفة على كرامي، موحيا بانه سيصبح «اسماعيل هنية» آخر على رأس حكومة ستعيد استنساخ تجربة غزة في عهد «حماس».
وبدلا من المبارزة بالسلاح الذي كان يفضله الحريري وحلفاؤه، انتزعت المعارضة المبادرة واستدرجت خصومها الى ملعبها، ليكتشف جعجع انه اضاع وقته في إطلاق النار على هدف وهمي، وان ما انتظره من الشرق أتى من الغرب.
ويمكن القول ان ترشيح الرئيس نجيب ميقاتي يحظى بالمزايا الآتية:
- ان ميقاتي هو ابن طرابلس، حيث الخزان الكبير لتيار المستقبل والقوى السلفية، وبالتالي فان وصوله الى رئاسة الحكومة سيتيح كسر «الحلقة المقفلة» التي كانت تدور فيها المدينة تحت وطأة الانقسام الداخلي العميق والتعبئة المتبادلة. وبهذا المعنى، من المتوقع ان يتحول ميقاتي، بصفته رئيس حكومة، الى عنصر استقطاب فاعل للمزيد من الشرائح السنية، سواء في الشمال أم في ساحات أخرى، خاصة وأن كل التقديرات كانت تشير الى تصاعد بياني هادئ وغير مفتعل لحضوره السياسي والشعبي.
- ان ترؤس ميقاتي للحكومة يؤمن فرصة للتخفيف من الاصطفافات الحادة، ويمكن ان يشكل همزة وصل بين القوى السياسية المتصارعة في زمن القطيعة المتمادية، خاصة وأنه بمواقفه وشخصيته وسلوكه يبتعد عن التطرف ويفضل الخيارات الوسطية وغير الاستفزازية.
- ان وجود شخصية معتدلة كميقاتي في سدة المسؤولية ينطوي على رسالة إيجابية من المعارضة للمجتمع الدولي، مفادها انها لا ترغب في الصدام معه. وأغلب الظن، ان حكومة برئاسته، ستصعّب من مهمة مراكز القوى الدولية والاقليمية التي كانت قد بدأت تتهيأ للتحريض على «السلطة الجديدة» واتهامها بالتماهي مع المشروع الايراني.
- إن ميقاتي يمثل نقطة تقاطع على الخطوط الإقليمية - الدولية، وهو الذي يبدو مقبولا من سوريا وقطر وفرنسا، من دون أن يشكل تحديا علنيا لأميركا، وهو قادر في الوقت المناسب ومن خلال برنامجه وسيرته أن يوفر تغطية سعودية لاحقة لحكومته.
- إن «دبلوماسية» ميقاتي وقدرته على تدوير الزوايا قد تتيحان معالجة ملف المحكمة بأقل الأضرار الممكنة، وبطريقة لا تتخذ طابع «التمرد» على الشرعية الدولية.
- ان وجود ميقاتي سيشكل نوعا من الضمانة لمنع اندفاع بعض المعارضة نحو الانتقام من فريق الرئيس الحريري المزروع في كل نواحي السلطة.
- ان وسطية ميقاتي ستلتقي تلقائيا مع وسطية الرئيس ميشال سليمان الذي قد يجد في الرئيس الجديد للحكومة «نصفه السياسي» الآخر على مستوى الحكم، ما يتيح توسيع مساحة الخيار التوافقي وتعزيز قدرته على الاستقطاب، من دون إغفال تلك العلاقة المميزة القائمة بين ميقاتي ورئيس المجلس النيابي نبيه بري والتي يمكن أن توفر نمطا من التعاون النوعي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

عماد مرمل - السفير

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات