بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> عين على لبنان  >>
المـصــوّر عـلــي شـعـبــان شـهـيــداً
  10/04/2012


فريق «قناة الجديد» يتعرّض لإطلاق نار على الحدود السوريّة
المـصــوّر عـلــي شـعـبــان شـهـيــداً
«علي راح...» بكت الأم والشقيقة (مصطفى جمال الدين)



الزميل المصور في قناة «الجديد» علي شعبان شهيداً.. لم تخطئه الرصاصة، وكيف تخطئه وقد أمطره القاتل بعشرات الرصاصات وهو وراء مقود سيارة مؤسسته، يحاول أن يبتعد بها عن مرمى النار. خطفت الرصاصة عريساً على عتبة الثلاثين، ملؤه الحياة، والتفاؤل والطموح، التحق بـ«الجديد»، مساعداً لمصور في العام 2005، ليتدرج إلى مصور بعد خمسة أعوام. حمل كاميرته في حرب تموز 2006، وحرب نهر البارد، وأحداث بيروت 2008، لينقل الخبر، قبل أن يصير خبراً، أمس.
زملاؤه في قناة «الجديد» بكوه بصمت، بينما كان زميله عبد خياط، الذي تمكن من سحب جثمانه من السيارة، يبكيه بحرقة في ممر «مستشفى السلام» في القبيات.. وكان زميله المراسل حسين خريس يعتذر عبر «الجديد» من ذوي علي، إذ لم يستطع أن يقوم بشيء وهو يستشهد أمام عينيه، حين كان رصاص قاتل يخاف من الصورة، يجتاحهم كالمطر.
في بيت الشهيد علي، كانت أمه المفجوعة بالنبأ، تنتظر جثمانه، تتحسر أنها لم تستطع أن تضمه إلى صدرها أكثر قبل أن يغادر في مهمته الصحافية الأخيرة. تنقل الطرف بين شقيقاته وخطيبته، التي عاجلها القدر فخطف منها الحبيب قبل خمسة أيام من الفرحة المنتظرة. في بيته، تلألأت العيون بالدموع، بين مسلّم بالقضاء وغاضب.. وخلف الأم كانت ثياب حفلة الخطبة المنتظرة تحتل حيزاً من المشهد.. مشهد تبدل من فرح بعرس منتظر كان علي يستعد له، إلى أحبة ينتظرون جثمانه الذي تنقل على أخبار الشاشات في أطول يوم.. من وادي خالد، إلى القبيات، ليقضي ساعات في «مستشفى رفيق الحريري الحكومي»، قبل أن يضمه ثرى الجنوب اليوم. وينقل جثمان شعبان عند السابعة والنصف من صباح اليوم، من المستشفى إلى أمام مبنى قناة «الجديد» حيث يتجمع زملاؤه الصحافيون والمصورون من مختلف وسائل الإعلام اللبنانية عند الثامنة، لينطلقوا إلى منزل العائلة في حارة حريك، قبل أن يشيّع بموكب سيار إلى بلدة ميفدون في قضاء النبطية حيث يوارى في الثرى.
كل ما كان يهم شعبان (مواليد العام 1982) وزميليه خريس وخياط هو نقل الصورة ومتابعة التطورات الأمنية التي تشهدها المنطقة الحدودية الشمالية مع سوريا. وهو ما دفع بهم إلى التوجّه إلى منطقة خط البترول وتحديدا عند «معبر شهيرة» (نجلة حمود)، بهدف إعداد الرسالة للخروج على الهواء مباشرة عند نشرة الظهيرة. إلا أن رصاصة واحدة كانت كفيلة بإنهاء حياة شعبان الذي حاول المغادرة بسيارته للنجاة، إلا أنه اصطدم بالحائط جراء إصابته برصاصة اخترقت قلبه، ليتحول بذلك من صانع للحدث الى الحدث عينه.
لم يستوعب الزملاء ما حدث معهم، فهم كانوا قد أمنوا طريقهم، واستعانوا بأحد أبناء المنطقة وهو جمال درغام (شقيق المختار محمد درغام) الذي توجه معهم إلى المعبر. وتحدثوا مع ثلاثة من عناصر الهجانة السورية وشرحوا لهم ماذا يفعلون كما عرّفوا عن أنفسهم. وهم سمحوا بالتصوير، «لكن فجأة، عندما غادر عناصر الهجانة، تعرّضنا لإطلاق نار كثيف جدا من الجانب السوري»، كما أفاد خريس.
ويروي خريس بوجه شاحب وحزين، أمام «مستشفى سيدة السلام» في القبيات، بعدما أحيط بزملائه من مختلف وسائل الاعلام المرئي والمكتوب: «كنت خارج السيارة أسجل بعض الملاحظات وعبدو كان يقوم بالتصوير، أما علي فكان قد سبقنا إلى داخل السيارة، ونحن كنا نهمّ بالعودة وفجأة سمعنا صوتا طلب منا المغادرة. وفي تلك اللحظة انهمر علينا الرصاص مثل المطر، حاولت الصعود إلى السيارة لكن النيران كانت تنهال بكثافة على السيارة. وعندها شاهدت علي وقد أصيب أدركت على الفور أنه فارق الحياة لأنني رأيته يلفظ أنفاسه الأخيرة».
يضيف: «أنا لم أستطع فعل شيء وشعرت بأنني ضعيف ومنهار، أما عبدو فكان أكثر تماسكا. وحاول سحب علي لكن دون جدوى، والشاب الذي كان برفقتنا انبطح أيضا على الأرض وبقينا مدة ساعتين ونحن نحاول طلب المساعدة لكن الإرسال كان معدوما، وبعد تكرار المحاولة استطعنا طلب المساعدة من أهالي المنطقة، وفي ذلك الوقت كانت الإدارة قد علمت أننا مفقودون، وأجرت اتصالاتها بفاعليات المنطقة، الذين سارعوا إلى مساعدتنا، تزامنا مع وصول عناصر مخابرات الجيش، الذين عملوا على سحب جثمان علي، بينما نقلنا الأهالي إلى المستشفى».
يضيف خريس: «كنا نريد أن نقف عند التطورات الأمنية التي حدثت منذ يومين في المنطقة والأسباب التي أدت إلى إطلاق نار كثيف ليل الأحد، كنا ببساطة نقوم بعملنا ونؤدي الرسالة التي نمثلها»، نافيا أن «نكون قد اجتزنا الأراضي اللبنانية بل كنا نقف قبل مجرى النهر، وهم كانوا يعلمون ماذا نفعل وليس من المفروض أن يكونوا قد اشتبهوا فينا». وأكد أن «إطلاق النار استمر زهاء ساعتين، وأن أكثر من 50 رصاصة اخترقت السيارة، كما أنهم لم يتوانوا عن إطلاق النار علينا عندما كان الأهالي يسعفوننا».
وأكد المواطن عبد الرزاق خالد الذي نقل الشبان أن «السيارة كانت تقف ضمن الأراضي اللبنانية، ولا يمكنها أصلا أن تقطع المعبر بسبب وعورة المنطقة، ومجرى النهر، كما أنهم كانوا بعيدين مسافة 500 متر عن الطريق».
وفور شيوع الخبر غص «مستشفى السلام» بالمتضامنين والمستنكرين. وحضر عناصر قوى الأمن الداخلي وآمر فصيلة درك القبيات الرائد فيكتور فاخوري، الذي أخذ إفادات الشبان، وحضرت الأدلة الجنائية والطبيبان الشرعيان موسى حداد وحسن عدوية، اللذان أجريا الكشف على الجثة. وحضر في وقت لاحق المحامي العام الاستئنافي في الشمال طارق بيطار، الذي أجرى كشفا على الجثمان بعد معاينة السيارة في منطقة وادي خالد. وعمدت القوى الأمنية الى سحب السيارة ونقلها إلى خراب الحياة في بلدة مشتى حسن، تمهيداً لنقلها إلى فصيلة درك القبيات للكشف عليها. خمس ساعات أمضاها الإعلاميون داخل «مستشفى السلام»، بانتظار الانتهاء من الإجراءات الأمنية والادارية، قبل أن تنقل سيارة تابعة لـ«الصليب الأحمر اللبناني»، الجثمان إلى «مستشفى رفيق الحريري» في بيروت.
من جهة أخرى، أعلن مصدر إعلامي سوري («سانا») «أن «فريق قناة الجديد، الذي أصيب بإطلاق نار اليوم (امس) في وادي خالد على الحدود السورية اللبنانية، كان في منطقة حدودية تشهد محاولات تسلل متكررة يومياً من قبل المسلحين. وكذلك عمليات إطلاق نار من المجموعات الإرهابية المسلحة على نقاط حرس الحدود داخل الأراضي السورية».
في «الجديد»
استقبل الزملاء في قناة «الجديد» نبأ استشهاد زميلهم المصور علي شعبان في أجواء مأساوية. وبعدما بات الخبر «الأولي»، الذي نقلته مديرة الأخبار والبرامج السياسية الزميلة مريم البسام إلى زملائها خبراً نهائياً، تحولت الصدمة لديهم إلى ردة فعل تجمع بين الحزن على فقدان زميل عزيز، والغضب العارم تجاه الجهة التي أطلقت النار على الأخ «الوحيد» لشقيقاته الثلاث، لترديه قتيلا. ولم يمض وقت طويل، حتى حُسم أمر الجهة الفاعلة في القناة، فراح الزملاء يحمّلون مسؤولية خسارة شعبان الجسيمة إلى الجيش السوري.
بعد ذلك، وصل بعض العاملين في القناة إلى مبنى التلفزيون، بثيابهم المتشحة بالسواد، يبكون زميلا كان بالأمس بينهم يوزع عليهم ابتساماته المشرقة، فصاحب «الوجه الأكثر ابتساماً» في المحطة كما يقول أحد الزملاء، شكل أمس علامة الحزن على وجوه زملائه. وفيما بدأت برقيات التعزية والاستنكار والاتصالات الشاجبة تصل إلى إدارة المحطة، كان منسوب الألم يرتفع في نفوس العاملين في القناة، في أجواء بقيت تسيطر عليها الدهشة، وكأن خبر استشهاد شعبان، الذي كان زملاؤه يتحضرون لتهنئته في زفافه المقرر قريباً، عصي على التصديق. فكيف تتحول التهنئة إلى عزاء.. وبعد ساعات على وفاته، بدأ الزملاء يفتقدون علي وحديثه ومواقفه التي تدل على إنسانيته وطيبته. حتى أن الكاميرا ستفتقد صاحبها الذي كان يلازمها معظم وقته.
وبين الروايات التي أثيرت حول الحادثة، بقي الثابت الوحيد أن شعبان لن يكون ليشارك في أي مهمة صحافية بعد اليوم. هو الذي اختبر تغطية أحداث «عدوان تموز» العام 2006 بشجاعة فائقة، وبتفاصيل لافتة حضرت على ألسنة زملائه أمس في استرجاعٍ لأيامٍ خلت. وفي اتصال، أبدى مدير العلاقات العامة في «الجديد» إبراهيم الحلبي شعوراً بالمرارة «لخسارتنا شاباً كفوءاً ومهنياً». وأشار الحلبي مساء أمس، وهو في طريقه لإيصال جثة شعبان التي استلمها من «مستشفى السلام» في القبيات، إلى المستشفى الحكومي في بيروت: «ماذا أقول، قبل الظهر كان علي معنا، وبعد الظهر نستلم جثته.. لقد رأينا كيف أن الرصاصة اخترقت صدره.. لا أعرف ما الذي يمكن قوله؟».
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات