بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> عين على فلسطين  >>
استقلالهم ونكبتنا
  08/05/2008

استقلالهم ونكبتنا

رسالة المؤسسة العربية لحقوق الانسان بمناسبة الذكرى الـ-60 للنكبة الفلسطينية


60 عاما انقضى من المأساة والتهجير التي يعيشها ملايين الفلسطينيين منذ عام النكبة الاول في 1948 عندما اغتصبت فلسطين وتحولت لكيان جديد، بدأت تتوالى منذ لحظاته الاولى موجات الاعتراف الدولية بحقه في الوجود غير آبهة بما يواجهه ملايين اللاجئين في المنفى داخل الوطن وخارجه، عدا التصريحات والقرارات الدولية التي لم تصرف في الحقيقة وبقي اللاجئون في الشتات. وفي الوقت نفسه دعم الكيان الجديد بالمال والعتاد والمواقف من المجتمع الدولي ليتحول بعد فترة وجيزة لصاحب "حق" لا يمكن الاعتداء عليه ولا حتى المطالبة بأبسط الحقوق المتعلقة بالعودة للوطن، والتي نصت عليها القرارات الدولية والمواثيق الحقوقية المختلفة.
في نفس الوقت الذي تدوي فيه صفارات الانذار معلنة بدأ الاحتفالات بمرور 60 عاما على قيام دولة اسرائيل، يتواجد في الطرف الآخر ملايين الفلسطينيين في الداخل والشتات، في القرى والمدن والمخيمات في حالة من الاسى والترقب بعد انقضاء عام آخر من اعوام النكبة، من التهجير والتشريد والقمع والذل وغيرها من الممارسات والانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون في اماكن تواجدهم المختلفة.
هنالك وجهان لنفس الحدث، وجه يحمل مظاهر الاحتفال والبهجة، وفي بعض الاحيان تتداخل مظاهر العجرفة والتكبر لما تم تحقيقه وانجازه في تلك الفتره التي عقبت الاستقلال الاول وحتى سنته الاخيرة، هذا يحدث في اسرائيل، حيث ترفرف الاعلام على السيارات وسطوح المنازل وتقام الاحتفالات والمهرجانات وتوزع الجوائز وتعدد الانجازات ويستذكر الذين سقطوا دفاعا عن هذا المشروع، ولا يخلو الامر من التذكير دائما بالمخاطر التي تواجه هذا الكيان من الداخل او الخارج. اما الوجه الآخر فترتسم على محياه علامات الاسى والحزن لطول الانتظار ومرارة المسير، وجه يقتله الشوق والحنين للعودة، التي طال امدها اكثر بكثير من بضعة ايام او اسابيع، هي فترة تنقضي وبعدها تحل القضية ويرجع الغائب الى وطنه وأرضه وبيته، كما أشيع وقتها، وجهه ما زال يبحث عن حقه في درجه القديم الذي حمله معه عندما ترك الوطن، بين مفتاح منزله الذي اقفله بأمل العودة اليه وأوراق الكواشين العثمانية التي تثبت ملكيته للارض التي يملكها، وأثناء بحثه بقي المفتاح، ولكن لم يبق باب ولا منزل، حيث دمرت جميعها او تهالكت او صودرت وسكنها اناس آخرون، وجد الكوشان ولكن صودرت الارض، حيث اقيمت عليها المدن والمستوطنات اليهودية وسلمت "لشعب بلا ارض"، كما يدعون، بعد ان نزعت من اصحابها الذين طردوا لتصبح ارضا بلا شعب! وهكذا تكتمل الحكاية التي كانت كذبة مبتدعة، كذبوها وصدقوها وصدقها العالم واعتمدها دون الاهتمام بجرح النكبة النازف منذ 60 عاما.
ما بين الفرح والابتهاج والالم والاسى يقف شخص عربي فلسطيني يمكن ان تكون النكبة اول ذكرياته من زمن الطفولة، حيث عاش مرارة التشرد والابعاد، او حتى شخص من الجيل الثاني او الثالث للنكبة والتي لم يعشها زمنيا ولكن يشعر بآثارها لأنه يسكن على مرمى حجر من قريته المنكوبة التي لم يتبق منها سوى بعض آثار البيوت المدمرة وشواهد القبور المدنسة التي تستصرخ الضمير الانساني، ينظر بحسرة لصمت مآذن المساجد وأجراس الكنائس التي اسكتت يوم هجرها، لتتحول الى خرائب لأبقار المستوطنين وخمارات ومراكز للدعارة وتعاطي المخدرات. هذا العربي الفلسطيني نفسه يتمتع بالجنسية الاسرائيلية منذ عام النكبة الاول، اذًا، هو مواطن اسرائيلي يعيش في نفس المكان الذي ترفرف فيه الاعلام وتنظم فيه الاحتفالات ابتهاجا بالاستقلال، ولكن مع جرحه القديم الذي يطرح الف علامة استفهام، في اي الفريقين يجب ان اكون، هل نكون مع المحتفلين الذين تركوا بيتوهم للتنزه والاحتفال بذلك اليوم، ام مع الذين يعلو صوتهم على آثار القرى المدمرة، التي وطأتها اقدامهم وكحلوا بها عيونهم في موكب استذكار جماعي للجرح الدامي الذي ما زال ينزف.
بعد قيام دولة اسرائيل حاولت السلطة، وخصوصا اجهزتها الامنية وحتى التعليمية، محو آثار هذا الجرح من الذاكرة الجماعية لفلسطينيي الداخل، حيث فرضت الاحتفالات ومباهج الفرح ورفعت الاعلام في المدارس ومراكز القرى والمدن العربية، وأنشد الطلاب "في عيد استقلال بلادي غرد الطير الشادي .."، كل هذا كان ضمن حملة موجهة تستهدف انتماءنا وهويتنا العربية والفلسطينية، خصوصا انه كانت هنالك قناعة لدى السلطة انه عندما يموت الكبار فلن يبقى للصغار الا النسيان، هذا الوهم سرعان ما تبدد، حيث نقف امام الجيل الثالث للنكبة بعنفوان اكبر وبعزيمة اقوى حتى من تلك التي عبر عنها الجيل الاول، والمتمثلة بالعودة الى البيت والقرية والوطن.
في هذا اليوم علينا ان نتذكر النكبة ونحلم بالعودة، هذه الذكرى ليست فقط من باب الحنين الى الماضي، الى حياة الآباء والاجداد وإنما من اجل المستقبل ايضا، من اجل مستقبلنا ومستقبل اولادنا من بعد، لما تمثله من حقوق يومية في التملك والسكن والعمل وغيرها من الحقوق التي يعاني منها فلسطينيو 48 نتيجة لتقليص الحيز الذي نتج عن مصادرة الاراضي والذي استمر منذ النكبة حتى اليوم. إن مطلب العودة في هذا الوقت ليس ضربا من الجنون او لمسة من الخيال، بل هي واقع يمكن تحقيقه، وخصوصا لمهجري الداخل وبشكل سريع كونهم يعيشون على مرمى حجر من قراهم ومدنهم التي هجرت ودمرت ويسكنون الآن في قرى قريبة تضيق بهم المساحات ويتقلص الحيز بشكل كبير في وقت تحولت فيه معظم القرى الاصلية الى مناطق مفتوحة او متنزهات او مراع لأبقار الكيبوتسات، دون اي حق في العودة لأصحابها الاصليين بعد أن تم اعتبارهم غائبين لا يعترف بحضورهم ابدا الا في سبيل التنازل عن هذه الارض.
في هذا اليوم يستطيع اي شخص ان يحدد هويته وانتماءه وخصوصا اننا كفلسطينيين نعيش ازمة تعريف تنبع من دوائر انتماء متعددة ما بين القومية والمدنية، نحن عرب فلسطينيون قوميا وعرقيا، ونحن بالمقابل مواطنو دولة اسرائيل، نعيش بين عالمين متناقضين وخصوصا في هذا اليوم ربما يسأل البعض نفسه في أي عالم يجب ان اكون، وأي انتماء يجب ان يجمعنا هذا اليوم، نحن نقولها دون تردد ان فلسطينيتنا في هذا اليوم يجب ان تكون البوصلة التي توجه احاسيسنا ومشاعرنا، يجب ألا ننسى النكبة كما ويجب دائما ان نتذكر العودة لوطن الآباء والاجداد ونطالب بهذا الحق الذي اقر بكل الشرائع القانونية والانسانية، يجب ان نتذكر دائما انه ما مات حق وراءه مطالب.
وعليه تؤكد المؤسسة العربية لحقوق الانسان ان حق العودة هو حق مقدس لكل فلسطيني اينما تواجد وقد ضمنه القانون الدولي والانساني وخصوصا قرار الامم المتحدة 194، حيث لا يمكن الوصول الى أي حل عادل وشامل مستقبلا دون حل هذه المعضلة، التي تشكل اساس الصراع العربي الاسرائيلي، الذي لا يمكن ان ينتهي دون العودة والاستقلال. ومن جهة اخرى تدعو المؤسسة العربية لحقوق الانسان كافة الفلسطينيين في الداخل للوصول والمشاركة في المسيرة القطرية التي تنظمها لجنة المهجرين، حيث ستكون هذا العام في قرية صفورية المهجرة.
في استقلالهم نتذكر نكبتنا ولتكن مشاركتنا في مسيرة النكبة مفتاحا للعودة.
8-5-2008

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات