بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> عين على فلسطين  >>
وفاة الشاعر الشعبي الفلسطيني عوني سبيت ابن قرية اقرث المهجرة
  23/10/2008

وفاة الشاعر الشعبي عوني سبيت 79 عاما وسيدفن الجمعة في قريته اقرث
ولد عوني سبيت في قرية إقرث الجليلية عام 1929, هجِّر إلى قرية الرامة عندما احتل الجيش الاسرائيلي القرية في أواخر تشرين الأول من عام 1948, جمع المحتل الأهلين في ساحة القرية، ونحّى جانباً 24 شاباً وكان الشاعر من بينهم . وبدا أنهم سيقتلون رمياً بالرصاص. وكانت أمور من هذا النوع قد جرت في قرى كثيرة في الجليل. وصادف أن وُجد في المكان خوري البصة الأب "أندراوس قرداحي " فراح يتوسل إلى الضابط "الإسرائيلي" أن يقتله قبل الشبان ووقف كأنما يحميهم بصدره فرق قلب الضابط الذي خيرهم بين الموت وبين الصعود إلى السيارات التي ستذهب بهم إلى الرامة, وهكذا سكن الشاعر الثائر في الرامة مرغماً,ولم يسمح له بالعودة التي عاش على أملها حتى الآن.
ومما قاله شاعرنا الراحل عن مشاهداته في سنة 1953 : " شارف خالي على الموت بعيداً عن مسقط رأسه فأوصى بان يُدفن في مقبرة العائلة في إقرث. كان الفصل شتاء والمطر ينهمر بغزارة وبعد تنفيذ الوصية، ولم نكد نغادر المقبرة حتى اعترضت سبيلنا قوة من الجنود شاكّي السلاح معتمرين الخوذ الفولاذية. أوقفونا وراحوا يحققون معنا كما لو كنا متهمين بجناية كبرى. شرحنا لهم الأمر باختصار، أعادونا إلى القبر الطري، وهناك أرغمونا على حفر الطين ونبش القبر وإخراج النعش. جعلونا نحمله وأخذونا معه، وكنا نحو خمسين رجل إلى مركز شرطة البصة ، هناك عوملنا كما لو كنا قتلة لا أهل الفقيد، تحقيق وإفادات وحذرونا من التعريج أو العودة إلى مقبرة إقرث تحت طائلة الموت رمياً بالرصاص. ودفنا الفقيد في فسوطة".
عوني سبيت رجل ربعة، طلق المحيا بادي الحيوية ,ظل يرتدي الزي العربي الفلسطيني التقليدي (القنباز، الجاكيت الحطة والعقال) كسائر الشعراء الشعبيين ولكنه يتميز عنهم بأنه لم يعتمد في معيشته على الشعر بل على التكسب من الحداء من الأعراس ، ليس لأنه يحتقر ذلك بل لأنه رأى في الشعر وسيلةً للتعبير عن نقمته إزاء الكارثة التي حلت بشعبه بشكل عام, وبأهل قريته "إقرث" بشكل خاص، وقد أثبت من خلال قصائده بأنه ابن إقرث البار وهذا أكسبه نقمة رجال السلطة الصهاينة والحكام العسكريين.
شعره:
أشعار عوني سبيت مفعمة بروح النضال والتحدي الثوري وتصدر عن تجربة صادقة، وتغتني بمضامين إنسانية وطنية وبصور شعرية، نسج كلماتها وخيوطها من طبيعة بلادنا وأشجارها وجبالها ووديانها وترابها وصخورها وطيورها، وباختصار شديد يمكن القول، إن نتاجه تعبير عن معاناة حقيقية للعذاب والتشرد الفلسطيني والشعور بالمرارة والتمزق والألم، وفي شعره حزن ولوعة وشجن وأسىً ونزعة إنسانية وروح وطنية متمردة وثائرة ويعتمد اللغة الواضحة السهلة المأنوسة التي يفهمها الجميع.
يرفض هذا الشاعر الاستقرار إلا على أرض قريته (إقرث) فهو لا يزال حتى الآن يسكن مع زوجته منزلاً متواضعاً بالأجار منتظرا العودة إلى قريته التي هُجّر , كما هي حال ثلثي أهل (إقرث), وليس من العبث أو الترف الثقافي أن ننقل قوله لزوجته عندما تطلب منه المال لشراء الخبز

((فش معاي مصاري, لما أرجع بعطيكي تشتري خبز)).
بإقرث أي متى احبابي بلاقيها
حتى بيِنشرِح فيها جِناني
ساعتها الموت لو روحي يجيها
ومُتِتْ في الوطن مِشْ حيانِة
إن مُتِتْ في الوطن موتِي مِشْ ندامِه
بِكْفيني مُتِتْ بداخِلْ وطاني

كلّ عرس كان يحضر فيه يتحوّل لمظاهرة..كان أقول العتابا والناس ترُدّ: بدنا حريِّة وسلام وعِزّْ الشعب الحريِّة و على إقرث بدنا نعود و بْدمّنا نفديك يا تراب الجليل:
جور المظالم حوّل العيش الشريف
دموع ومرارة وما بقي بالعيش كيف
جوّ السعادة لبّدو الغيم الكثيف
ومن دون رحمة بِالدِما زايد نزيف
وبدل ما للجوعان يطعملو رغيف
مع ماكِلْ حقوق البشر عامل حليف
الدنيا شريعة غاب من تكوينها
وفيها الْبِعَربِد بوكُل حقوق الضعيف

يقول أبو نبيل: كان الحاكم العسكري وأعوانه يحرضون علينا الناس الذين يدعونني إلى أفراحهم, يقولون إني أشكل خطراً عليهم, ولكن الوطنيين المخلصين لم يكترثوا بهذا القول:
بْحُب الوطن الله عجنّي وخمّرني بخميرة فلسطينيِّة
ما بنسى محبِّة بلادي لإني قطعت العهد بأنظاري أضحّي
بحياتي من أجل أعدل قضيِّة

كحال أي شاعر ثائر حوّل فكره إلى بندقية بالحق صادحة, وقلمه إلى رصاصة ماضية فاتكة, لم يسلم أبو نبيل من ظلام السجن ولا من قسوة السجان.
كان في أحد الأعراس يغني أشعار الثورة عندما هرول إليه أحدهم, طالباً منه أن (يُعَتِّب) لـ(يورام كاتس) فكان رد عوني سبيت رفضاً قاطعاً لأنه لا (يعتِّب) لمن هدم بيته وهجّر أهله وأخذ أرضه, وعندما نصحه بعض حضّار الفرح بالقبول حتى يسلم ويقي نفسه شرّ (السين والجيم), كان ردّه: "لماذا أخاف, سيهدمون بيتي؟ لقد هدموه, سيقومون بترحيلي؟ أنا لاجئ في الوطن ودمي على كفّي, أنا كأي مواطن يريد الحرية والاستقلال أضع الموت أمام عينيّ قبل كل شيء, صمدنا حتى يومنا هذا, وسنبقى واقفين حتى ساعة العودة".
وبعد فترة وجيزة, طلبوا شاعرنا للتحقيق, وأخذوه إلى طبريا, وفي اليوم الثاني له جلب أحد السجانين له الطعام والمفاجأة أنه كان يعرف السجّان, وما كاد يرى هذا السجان حتى قال مخاطباً إياه (بشعر من أشعار الأقدمين):
متى ترى الكلب في أيام دولته
فاجعل لرجليك أطواقاً من الزردِ
واعلم بأنّ عليك العار تلبسه
من عضّة الكلب لا من عضّة الأسد

ولم يكتف سبيت بما حملته الأبيات من تعنيف وإذلال, بل استمر بشتم السجان, وضربه بصحن الطعام وقال له (بديش آكل من أكلك).
وعندما طلبوا منه أن يوقّع تعهداً حتى يخلى سبيله, رفض حتى يعرف من الذي أتى به إلى السجن, فقالوا له إنه (يورام كاتس), فكتب قصيدة منها:
بقول بأربعة أيار من بعد لِغياب
جاني البوليص السلطوي وحامل كتاب
قلّلي: ظابِطنا طالبَكْ عِندو قَوام
في مسألة تَحقيق سؤال وجواب
كان الشاعر الملتزم عوني سبيت أحد رواد الذين غنوا للأرض والوطن، لقرى فلسطين ومعالمها،لتاريخها وحاضرها, وان كان جرحه ثائراً فإن ثورة الجراح تبدو عاصفة تحمل أبعاداً إنسانية، ورؤى يخالطها الوهن حيناً والأمل في العافية أحياناً، وربما الألم يضفي على هذا الجرح بلسماً وأملاً دافقاً بنصر يلوح في الأفق البعيد القريب.

موقع الصنارة

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات

1.  

المرسل :  

سلمان أبوفياض

 

بتاريخ :

24/10/2008 01:25:11

 

النص :

لا تأسـفن على غـدر الـزمان لطالـما رقصت على جثث الأسود كـلاب لا تحسبن برقصها تعلو على أسيادها تبقى الأسود أسوداً والكلاب كلاب رحم الله شاعرنا وألهم محبيه الصبر