بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> عين على فلسطين  >>
إسرائيل تعيد الاعتبار للأمويين بمشروع فريد من نوعه في العالم
  20/01/2010

إسرائيل تعيد الاعتبار للأمويين بمشروع فريد من نوعه في العالم

القدس: أسامة العيسة


تجوّل في شوارع بني أمية وقصورهم كأنك تعيش معهم

قريباً سيكون بمقدور زوار القدس أن يجولوا في الشوارع الأموية، وان يتفرجوا على القصور والمباني، التي كانت تدار منها شؤون المواطنين في تلك الحقبة، وكأنهم يعيشون فيها. مشروع فريد من نوعه في العالم، وغريب في توقيته، لكن إسرائيل قررت ان تتصالح مع التاريخ العربي للقدس أخيراً، ولكن من دون أن تنسى مصالحها الخاصة. وهي تشرع في إنجاز نموذج تفاعلي ثلاثي الأبعاد للقدس الأموية، مستفيدة من الآثار البديعة المكتشفة في المدينة، ومن آخر مستحدثات التكنولوجيا، لتجعل الزائر يتنفس زمن بني أمية، ويرى في الوقت نفسه، نموذجاً لجبل الهيكل الذي تزعم ان المباني الأموية قامت على انقاضه.
عندما احتلت القدس عسكريا في يونيو (حزيران) 1967، بدأت عملية احتلال أثرية ايضا. وأخذت المعاول تضرب في الأرض حول الحرم القدسي الشريف، في سباق محموم مع الزمن، بغية الكشف عن أنقاض الهيكل الثاني، الذي يعتقد اليهود أن المسجد الأقصى بني عليه، وسارع علماء آثار الدولة المحتلة إلى إعادة فحص، بدت في اغلب الأحيان قصرية، للمكتشفات المهمة لعالمة الآثار البريطانية المرموقة كثلين كينون في القدس، التي سبقت احتلال المدينة، علهم يكشفون عن الهيكل المفترض. ولكن الحفريات التي تمت في معظم الأحيان بقوة الحديد والنار، ولاقت انتقادات دولية، كشفت على غير المتوقع، عن أثار أموية مهمة، لم تكن معروفة من قبل، وبعضها كانت كشفت عنه كينون قبل الاحتلال.
والمثير في الاكتشافات الجديدة أنها لم تذكر في كتابات المؤرخين العرب، ولم تكن معروفة. وأدت الاكتشافات التي عرفت بـ«دار الإمارة الأموية»، إلى تسليط الضوء من جديد على الحقبة الأموية في تاريخ القدس ومدى تقدمها.
وتتعلق المكتشفات بقصور ومكاتب الأمويين في القدس، الذين ارتبطوا بها تاريخيا، حتى منذ فترة سبقت ظهور إمبراطوريتهم. ومن المعروف بان الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، هو من شيد مسجد قبة الصخرة، مستفيدا من الفنون الإسلامية والبيزنطية والفارسية، الذي ينظر إليه الان كأحد اشهر المباني في العالم. وطغت شهرة قبة الصخرة على المسجد الأقصى، وهما يشكلان مع بقية المساجد والاسبلة والمدارس والأروقة والمساطب ما يعرف بالحرم القدسي الشريف. ورغم أن العثور على الآثار الأموية، تواصل في فترات لاحقة، في أماكن مختلفة من المدينة المقدسة، أثار نقاشات عديدة، واتهمت إسرائيل بأنها تحاول التغطية عليها، إلا أن الاثاريين الإسرائيليين الذين نقبوا في تلك المواقع، امتلكوا الشجاعة المهنية، لتعريف الآثار المكتشفة بأنها أموية واسلامية، وهو أمر يمكن معرفة أهميته، حين نعلم انه حدث في فترة مبكرة من اللهاث المحموم للبحث عن الهيكل، حيث تصورت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ان العثور عليه مسألة وقت. إلا أن هذه الاعترافات الأثرية، التي اعتبرت «ثورية»، واستخدمها الفلسطينيون لتأكيد ما يصفونه دائما بأنه عروبة وإسلامية القدس، إلا أن إسرائيل لم تول الآثار الأموية الأهمية اللازمة، وواصلت البحث والتنقيب والتدمير، وما زالت تواصل ذلك، للبحث عن الهيكل المفقود.
وفي غمرة البحث المحموم عن الهيكل، أصابت المكتشفات الأثرية الأموية، تلفا وتدميرا، ودخل موقعها في السجال السياسي الدموي، عندما كان الإسرائيليون يخططون للدخول إلى الحرم القدسي عن طريق الأبواب المغلقة، التي كانت تصل بين دار الإمارة الأموية والحرم القدسي، ويعتقد ان الخلفاء الأمويين كانوا يدلفون منها إلى الحرم. وفي خطوة اعتبرت متأخرة كثيرا، ولا يعرف سببها، قررت إسرائيل التصالح مع الأمويين وإعادة الاعتبار لهم، وهذا ما يتضح من المشروع الذي نفذته سلطة الآثار الإسرائيلية بالتعاون مع شركة تنمية القدس الشرقية، واعلن عنه يوم الثلاثاء 16 أكتوبر (تشرين الاول) الحالي. ويتلخص المشروع بإعداد نموذج ثلاثي الأبعاد عن الآثار الأموية في القدس، تمكن الزوار من السير بين المباني والشوارع وبجوار الحرم الشريف، وكأنهم يعيشون خلال فترة الحكم الأموي للمدينة في القرن الثامن الميلادي. وحسب سلطة الآثار الإسرائيلية، فإن مشاهدة هذا النموذج، وهو الأول من نوعه في العالم، ستكون متاحة للجمهور بشكل دائم، وستمكنهم من إعادة البناء الافتراضي للفترة الأموية في القدس ومنشآتها التي بنيت «بجوار جبل الهيكل»، كما تصر سلطة الآثار الإسرائيلية على تسمية الحرم القدسي الشريف، وربط الحقبة الأموية بالتاريخ التوراتي، من خلال الاعتراف بالمباني الأموية وتعريفها بأنها شيدت في حقبة معينة، وأين؟ بجوار «جبل الهيكل».
والحديث عن ثلاثة نماذج ثلاثية الأبعاد يمكن مشاهدتها في مركز افتتح في أحد المباني الأموية المكتشفة خلف الحرم القدسي الشريف. واعتبر جدعون شامير، المدير العام لشركة تنمية القدس الشرقية، المشروع بأنه يشكل انطلاقة كبرى في المفاهيم التكنولوجية وعلى نطاق عالمي، تتعلق بطريقة عرض وتقديم المواقع الأثرية. وقال شامير ان النموذج يتيح التجوال في الفترة التاريخية الأموية، وكأن الزائر يعيش أجواءها بشكل حقيقي وواقعي. وأشار شامير للطابع التفاعلي للنموذج، الذي يظهر روعة المباني الأموية، وساحة الحرم القدسي الشريف ومساجدها «بعد تجديدها عام 630م اثر خرابها من قبل الرومان»، في إشارة إلى الفتح العربي للمدينة المقدسة على يد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، الذي شيد المسجد الأقصى الأول، في المكان المرتفع الذي كان يطلق عليه جبل موريا. وحسب الروايات المختلفة، فان الجبل كان مهملا ويستخدم لرمي نفايات سكان المدينة، فنظفه الخليفة عمر ورفاقه وشيدوا المسجد، وفي فترات لاحقة، من الحقب الإسلامية المختلفة التي تواصلت، طوال 1400 عام، مع فترات انقطاع لم تؤثر على هوية المدينة بشكل حاسم، بسبب الغزوات الصليبية، شيدت مرافق الحرم القدسي الشريف الأيوبية والفاطمية والمملوكية والعثمانية وغيرها. ويتمسك علماء الكتاب المقدس، بالرواية التي تتحدث عن تدمير الرومان للهيكل عام 75م، الذي بقي مدمرا حتى الفتح العربي، الذي أعطى المدينة طابعها العربي، والمستمر حتى الآن. ويقول القائمون على المشروع ان الزائرين الذين سيتمكنون من معرفة وضع «جبل الهيكل» المهدم، ثم كيف شيدت المساجد عليه، سيتمكنون أيضا من السير الافتراضي في الطريق التجاري الرئيسي للمدينة الأموية، حيث تصطف على جانبي الطريق المتاجر والمباني العامة، وهو الطريق الذي كان بمثابة نقطة الوصل في مدينة مزدهرة، اقتصاديا واجتماعيا.
أما عالم الآثار الإسرائيلي يوفال باروخ، فيقول إنه تم عمل النموذج استنادا الى ما كشفته الحفريات الأثرية الإسرائيلية، التي نفذت جنوب الحرم القدسي الشريف. ووفقا لباروخ، فان تلك الحفريات كشفت عن أربعة مبان كبيرة تعود إلى بداية القرن الثامن الميلادي، بنيت على مساحة 200 دونم. وقال ان المباني المكتشفة هي المباني الرسمية للخلفاء الأمويين، واكد أن هذا النموذج التفاعلي عن الأمويين هو الأول من نوعه في العالم. واعتبر شوكا دورفمان، المدير العام لسلطة الآثار الإسرائيلية، ان النموذج التفاعلي «يعنى بدراسة إحدى أروع الفترات في تاريخ القدس». وقال دورفمان ان النموذج التفاعلي عن الحقبة الأموية سيكون متاحا للزوار، بعد خمس سنوات، على افتتاح نموذج تفاعلي «لجبل الهيكل في زمن الهيكل الثاني»، واعلن أن سلطة الآثار الإسرائيلية هي الان «بصدد نموذج آخر للتعامل مع جبل الهيكل في بداية الإسلام»، مما يعني أن إسرائيل وهي تحاول إعادة الاعتبار للأمويين، ما زالت متمسكة بالفهم التوراتي للتاريخ والآثار.
د. إبراهيم الفني تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن القصور الأموية، التي اكتشفت جنوب الحرم القدسي الشريف، مشيرا إلى أن الحفريات التي تمت بين عامي 1968-1978، كشفت عن أبنية عامة وحمامات، وعثر على كثير من المواد الأثرية الأموية، التي دلت على الحضور الأموي المهم في القدس. ويشير الفني إلى أن الأبنية الأموية، التي عثر عليها خمسة وليست أربعة، ومن الواضح أنها كانت مخصصة لعمل أجهزة الدولة، وبعض هذه الأبنية عبارة عن مخازن. ويروي الفني أن الإسرائيليين غطوا الآثار الأموية بحجارة كبير من عصر هيرودتس، وانه شخصيا عندما سأل عالم الآثار الإسرائيلي، روني رايخ، لماذا يفعلون ذلك؟ أجابه رايخ بان الحجارة التي بنى بها الأمويون أبنيتهم هي حجارة هيرودية.
ومن هذه الابنية قصر أموي، وبالقرب منه بوابة الوليد، وتوجد بناية كبيرة محاذية للقصر تظهر بشكل فردي أمامها ساحة كبيرة، وكانت مكونة من عدة أجنحة ومحاطة بأقواس وأعمدة تقف على دعامات. وعثر على بناية أخرى مكونة من طابقين، وتربط بين البنايات المختلفة بوابات وطرقات توصل إلى الحرم القدسي الشريف. وكشفت الحفريات عن جسر يوصل بين المنشآت الأموية والحرم القدسي الشريف، اعتبره علماء الآثار الجسر الذي كان يستخدمه خلفاء بين أمية للدخول إلى الحرم، واستشف من تصميم الجسر، معلومات عن الترتيبات الأمنية التي كانت تتخذ لحماية الخلفاء. وبالنسبة للفني فان الكشف عن دار الإمارة الأموية أكد أن «العصر الأموي قدم النمط المعماري المستقل والمبدع، الذي لم يظهر في أنماط حضارية أخرى». وهو النمط الذي يبدو أن إسرائيل اعترفت بتفرده أخيرا.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات