بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> عين على فلسطين  >>
جريمته أنه لم يقف باستعداد لأحمد جبريل... فدائي فلسطيني في سجون النظام
  15/12/2012



جريمته أنه لم يقف باستعداد لأحمد جبريل... فدائي فلسطيني في سجون النظام منذ عام 1985

تربى معه أحمد جبريل في نفس المنزل
سأله حراس جبريل لماذا لم تقف للمعلم
تسمر أمام التلفزيون، أسبوعاً عندما تعرف عليه للمرة الأولى
مازال يبحث عن رقم المذيعة التي أحبها...


ترك جنين وعائلته الفقيرة، قاصداً الالتحاق بالفدائيين في لبنان، معتمداً في رحلته على صديق طفولته ؛ أحمد جبريل، دون أن يتوقع بأن عدم وقوفه باستعداد عند دخول صديقه جبريل إلى المكتب سيكون سبباً بالاعتقال لما يزيد عن 27 عاماً.
عدم الوقوف لأحمد جبريل خيانة للوطن
ولد بشار علي صالح في جنين بفلسطين، من عائلة منعه فقرها من إتمام دراسته، وأجبره على العمل منذ أن كان عمره 13 عام، إلا أن حلم تحرير فلسطين ظل يلاحقه، فما إن بلغ العشرين من عمره عام 1985، حتى ترك الأراضي الفلسطيني بهدف الالتحاق بمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان.
ووفق ما حكا بشار صالح للمعتقل السابق ومصدر "زمان الوصل" د.س، أُوقفت رحلته وحياته لحظة وصوله إلى سوريا.. يقول د.س ساخراً: لأن طريق المقاومة يمر من دمشق، نزل صالح في الشام، وبحكم أن والدة بشار، ربت أحمد جبريل عندما كان صغيراً في فلسطين، قصد صالح صديقه القديم جبريل ليلحقه بالمقاومة في لبنان..
يشير د.س إلى أن صالح كان يغض بدموعه وهو يخبر تفاصيل اعتقاله، التي بدأت لحظة وصوله إلى مقر جبهة التحرير الشعبية لرؤية احمد جبريل، فبينما كان صالح ينتظر جبريل، دخل أحمد جبريل بصحبة حراسه الشخصيين، ولأن علاقة قديمة تربط صالح بجبريل، لم يقف صالح باستعداد عند دخول جبريل، ولذلك تابع الأخير سيره إلى المكتب دون أن يسلم عليه، وبدأ الحراس بمسألة صالح عند سبب عدم وقوفه للـ "المعلم".
ويتابع د.س نقلاً عن صالح: اندهش صالح من برودة استقبال جبريل، وأخبر الحرس بأنه وجبريل تربيا في نفس المنزل!!.. إلا أن أحمد جبريل وفق رواية صالح رفض لقاءه، واخضعه لتحقيق من قبل الجبهة الشعبية للقيادة.. وبعد أن فتشوا أشياءه وجدوا بحزته وثيقة سفر إسرائيلية، ومن المعروف أنها كانت ُتفرض على الفلسطينيين ليتمكنوا من السفر، إلا أنهم في القيادة العامة اعتقلوا صالح لمدة ثلاثة أيام، ثم رحلوه إلى الأمن العسكري.
في الأمن العسكري اُتهم بالعمل الجاسوسي لصالح إسرائيل، ولكن صالح رفض الاعتراف رغم التعذيب الشديد الذي تعرض له، وبقي سنة في الأمن العسكري، ومن ثم نُقل إلى سجن تدمر.
فدائي في تدمر عوضاً عن إسرائيل
يحكي المعتقل بشار صالح أنه كاد يفقد حياته في يوم استقباله في سجن تدمر بسبب ما تلقاه من ضربٍ وتعذيبٍ، ألقوا به بعد الاستقبال في منفردة صادف وجود معتقل فلسطيني آخر فيها اسمه وليد بركات-سبق أن تحدثنا عن قصته-.
ومازال بشار مدين بحياته لبركات الذي طببه وداواه قدر الإمكان، بقيا في المنفردة منذ عام 1986 حتى 1995، ليتم تخريجهما منها بالصدفة، بعد أن "نُسيا" وفق تعبير المساعد، الذي أجاب عن تساؤل مدير سجن تدمر عن سبب طول مدة إقامة هذان المعتقلان في المنفردة.
عند خروج بشار إلى المهجع قرر أن يصبح فدائي.. ويعرف د.س الفدائي في تدمر بأنه شاب يتطوع بجلب الطعام من باب المهجع إلى داخله، ذلك لأن هذه العملية التي تُنجز خلال ثلاث دقائق قد يموت خلالها المعتقل، بسبب الضرب الشديد الذي يحاصره به سجانيه الواقفين أمام قدر الطعام، كما أنه بالتأكيد سيحرق يديه كونه يُجبر على سكب الطعام الساخن بيديه، حتى ولو كان حساءاً مغلياً.
ويبيّن د.س أن المعتقلون ينظمون دور لجلب الطعام، والفدائيين يتطوعون عن غيرهم لجلب الطعام خاصة عندما يأتي الدور على أحد كبار السن أو المرضى، أو يتبرع الفدائي بتلقي العذاب عندما يُعاقب شيخ، حيث كان يسقط كثير من الشهداء جراء التعذيب.
كبل الدبابة يسبب له إعاقة عصبية تحولت إلى مرض نفسي
يشير د.س إلى أن إصرار بشار صالح على فداء زملائه المعتقلين، سبب له الكثير من الأمراض، أهمها الإعاقة العصبية التي صار يشكوا منها، بعد أن ضُرب بكبل الدبابة ( وهو كبل كاو تشوك مقصوص من طبنور دبابة، ومدعم بشبك حديد) ضُرب به على رأسه من الخلف.. وبحسب د.س تشتهر بين المساجين، قصة بشار، عندما ضُرب على رأسه حتى أُغمى عليه، فاستدعى السجانين، المسئول الصحي، وسألهوه : فطس ولا لسا؟!.. فأخبرهم بأنه مازال حياً فتركوه..ويتابع د.س موضحاً أنه بعد هذه الحادثة صار بشار يعاني من حالة عصبية تعيقه عن التركيز، وتشتته فكرياً.
المحزن في قصة بشار بحسب د.س، أن هذه حالته العصبية، صارت تتطور مع الأيام، إذ تضاعفت ساعات شروده وهذيانه، كما أنه صار يعاني من صعوبة في الكلام، وعلى الرغم من هذه الإصابة بقي بشار فدائي، فجميع المساجين الذين عاشوا معه في تدمر، لا يستطيعون نسيان شهامته، فهو كان مستعد أن يموت كي يفدي أحدهم... "أولم يخرج من فلسطين ليصبح فدائي" يتساءل د.س..
نُقل مساجين سجن تدمر إلى سجن صيدنايا في العام 2000، وعندما تعرف د.س على بشار، في سجن صيدنايا كان قد مضى على اعتقاله 22 عام، ويحكي د.س أنه على الرغم من كل تلك السنون التي أمضاها صالح صابراً على أوجاع الجسدية والعصبية، فإنه كان يرفض الاستراحة، و يبحث دائماً عن أي عمل يساعد به زملائه، متجاهلاً حالته العصبية التي تأتيه فجأةً لتغتال ابتسامته..
وكان صالح يحكي عن نفسه لـ د.س بقوله: عندما اُعتقلت كان عمري 21 عام، واليوم 48 عام، إلا أن روحي مازالت تحتفظ بحيوية بشار الشاب، وكأن الزمن توقف في لحظة اعتقالي.
جوعه للحب أوقعه في غرام مذيعة لم يلتقيها
يشعر د.س برغبة بالبكاء، كلما تذكر القصة التي يرويها معتقلي صيدنايا عن بشار، عندما دخل إلى سجن صيدنايا، فشاهد حينها التلفزيون للمرة الأولى في حياته، ولذلك اندهش وبقي متسمراً أمام الشاشة حوالي أسبوع، وبدأ يعاني بعدها من حالة نفسية موجعة، فقد صار يحادث مذيعات التلفزيون، وكأنه يشاهدهن في الحقيقة، حتى أنه وقع في عشق إحداهن، وأخبر المساجين أنها زوجته، وكان كلما شاهدها على التلفزيون يقبل الشاشة ويعانقها..و يصعب على د.س، توصيف مشاعر الحزن الني كانت تعتري المساجين، كلما سمعوا بشار، يبوح لحبيبته الافتراضية بهمومه وأشواقه، ويوضح د.س أن بشار يهجم ويضرب كل من يحكي عن حبيبته المذيعة، أو يأخذ الأمر على محمل السخرية، إلا أنه يعود بعد دقائق للضحك مع الجميع حتى من سخر منه.
ربطت بين د.س وبشار علاقة قوية، لأن د.س صار يسهر مع بشار، ويستمع لقصصه المُتخيلة عن زوجته؛ المذيعة.. يقول د.س: لم أكن أقوى على إيقاظه من أحلامه خوفاً على مشاعره.
ويشرح د.س لـ"زمان الوصل" كيف رفض بشار تصديق خبر زواج المذيعة، على الرغم من أنه كان يسمع بأذنه مباركات زملائها لها بالزواج على الهواء، وفي إحدى المرات غابت المذيعة فترة طويلة عن الشاشة فعانى بشار من اكتئاب. ويتابع د.س: بعد مرور عدة أيام، دعى بشار المهجع لشرب الكولا على حسابه، لأن زوجته حامل، وعندما سألته كيف عرف بأمر حملها؟ قال بأنها ظهرت اليوم على التلفزيون في البرنامج الصباحي، فباركت لها زميلتها لأنها حامل.. ومنذ تلك اللحظة سمّى بشار نفسه أبو سعيد!!
يقول د.س، من المحزن أن إنسان بشهامة وطيبة قلب بشار، يتحول إلى مريض نفسي بسبب اعتقاله وتعذيبه وحشي على ذنب لم يرتكبه، و يحز في قلب د.س، أن بشار يتلهف لمساعدة الجميع، في حين لا أحد يستطيع مساعدته.
شبح مذيعة يمكله لا غير
في إحدى المرات حاول د.س توعيته، لأنه لم يعد يحتمل خداعه، فأخبره أنه يحب وهماً، وأن المذيعة ليست زوجته، فأجابه: بل هي ملكي، ألا يكفي من أنني لم اتكلم أو أحب أنثى في حياتي كلها، هل استكثرتم علي أني وجدت الحب الحقيقي؟.
ومن القصص الموجعة أنه عندما خرج د.س من سجن صيدنايا في 2011، و نُقل بشار إلى سجن عدرا، اتصل به ليبارك له بالحرية، وطلب منه رقم تلفون المذيعة.. يقول د.س: ارتبكت ولم اعرف ماذا أجيبه، وفي الحقيقة لم أريد جرح قلبه، فقلت إنشالله خلال يومين اتصل بك وأعطيك الرقم.. فكر د.س أكثر من مرة أن يطلب من إحدى صديقاته التكلم مع بشار على أنها المذيعة التي يهواها، إلا أنه تراجع عن ذلك، خوفاً من أن يسبب له مزيداً من الأذى..
تعكس قصة بشار صالح حسب د.س، الدور المقاوم والممانع، الذي يقوم به النظام السوري، فصالح كان يريد أن يصبح فدائياً في جنوب لبنان، فجعله النظام فدائي في سجن تدمر، وحتى اليوم يلقبه الجميع بالفدائي، وهو مازال إلى الآن بلا محاكمة.
ويشير د.س في حديثه لـ"زمان الوصل" أن بشار تلقى أول زيارة في عام 2005، حيث كانت والدته تأتي من فلسطين لتزوره، وكان يبكي كثيراً كلما رآها، وأنه كان يهوى الأعمال اليدوية الفنية، كالخرز وصناعة المسابح من بذر الزيتون، وغزل الخيطان من أكياس الخبز، لصنع الشبكات، إضافة للعب الشطرنج.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات