بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> عين على فلسطين  >>
النكبة في الخطاب الإسرائيلي: كرونولوجيا المحو
  15/05/2016

النكبة في الخطاب الإسرائيلي: كرونولوجيا المحو

ايتان برونشطاين أفريسيو


بشكل مفاجئ كان الجيش الإسرائيلي أول من استخدم مصطلح النكبة في عام 1948 أما اليوم فنرى الحكومة تشرع القوانين لتمنع إحياء النكبة. عن التغيرات التي طرأت على استخدام مصطلح “النكبة” في الخطاب الإسرائيلي منذ 48 وحتى يومنا هذا.


يسعى هذا النص إلى وصف التعامل مع النكبة- بالأساس مع المصطلح ولكن أيضاً مع الحدث التاريخي نفسه- في إسرائيل. متى ظهر للمرة الأولى؟ متى تم إقصائه؟ ما الذي أدى إلى التغيرات في تناول المصطلح بإسرائيل؟ هذه محاولة لوصف محطات تاريخية حاسمة، للتحقيب التاريخي، منذ اقامة الدولة وحتى يومنا هذا من أجل استعراض التعامل مع المصطلح في كل حقبة والتغيرات التي طرأت عليه مع مرور الوقت. النص يتطرق للتعامل مع النكبة باللغة العبرية بشكل حصري تقريباً ولا يدعي وصف التعامل مع المصطلح والحدث في اللغة والعالم العربيين.

1948 – 1952: الفظائع كما هي

قد يكون من المفاجئ بأن أول من استخدم مصطلح النكبة، بمعنى كارثة للفلسطينيين، كان الجيش الإسرائيلي. في حزيران 1948، وزعت طائرات الجيش مناشير وجهت للعرب في طيرة حيفا اللذين عارضوا الاحتلال. ونادت هذه المناشير المواطنين للاستسلام بلغة عربية متقنة: “اذا كنتم تريدون الاستعداد للنكبة، الحيال دون وقوع كارثة والنجاة من هلاك لا مفر منه، عليكم الاستسلام (…).”

بعد فترة وجيزة، في آب 1948، نشر المفكر السوري قسطنطين زريق مقالته “معنى النكبة” والتي كتب في معرضها بأن “هزيمة العرب في فلسطين ليست مجرد عثرة بسيطة أو ظلم عابر. هذه نكبة بكل معنى الكلمة.” زريق نادى العرب في الشرق الاوسط لأن يعودوا الى رشدهم ويردوا على الكارثة الكبيرة التي وقعت عليهم. النكبة اذاً، من جهته، كانت كارثة للعالم العربي كله وليست شأن فلسطيني فقط.

مع نهاية العام نفسه، في 19.11.1948، نشر نتان الترمان قصيدته “حول ذلك” في صحيفة “دفار”، التي أمر بن غوريون بتوزيعها على كل الجنود. القصيدة تصف مذبحة بفلسطينيين عزل اقترفت بيد جنود الجيش الإسرائيلي كجزء من جرائم الحرب التي وقعت في اللد. حنان حيفر ويتسحاق لؤور اعتقدا بأن النقد الذي يطرحه الترمان لم يكن حاداً كما يبدو للوهلة الأولى. حتى لو كان هناك بعض الحقيقة في ادعائهم هذا، ليس من المستبعد بأن نفترض بأنه لو تم نشر أحداث كهذه اليوم، لأثارت فضيحة كبيرة وسط الجمهور الإسرائيلي وقيادته لا سيما على ضوء العاصفة الأخيرة التي ثارت حول منظمة “نكسر الصمت” هذا العام (2016).

س. يزهار، من أهم الكتاب الإسرائيليين، كتب في 1948 رواية “الأسير” التي يصف فيها التعامل القاسي للجنود مع للفلسطينيين المهزومين. كتبه الأخرى التي صدرت في السنوات الأولى للدولة تستعرض هي الأخرى الفظائع التي اقترفها جنود الجيش الإسرائيلي خلال النكبة على الملأ. رواية “خربة خزعة” أدخلت فيما بعد للمنهاج التعليمي وآلاف التلاميذ قاموا بقراءتها.

في ظل التوسع الكولونيالي بعيد 1967، اختفت النكبة في إسرائيل تماماً..عمليات الاحتلال والطرد من عام 1948 أقصيت تماماً لتأخذ عمليات الاحتلال الجديدة الصدارة. “الاحتلال” صار يعتبر مسألة بدأت في 1967 فقط، وهو الموقف الذي ما زالت الغالبية الساحقة في اليسار الإسرائيلي تؤمن به حتى اليوم.
الكتاب الأول حول “احتلال يافا” سمي بهذا الاسم بيد كاتبه حاييم لزار في عام 1951. بعد سنوات تم اخفاء كلمة “احتلال” واستبدالها ب”تحرير”. لزار استخدم أيضاً عبارة “تطهير” في سياق ما قام به الصهاينة في يافا. في فترة لاحقة، عندما قام ميرون بنبنيشتي ومن بعده ايلان بابي باستخدامه، تم اعتبار الكتاب ككتاب استفزازي.1948 والسنوات الأولى للدولة امتازت بالكثير من السذاجة في الخطاب حول أحداث النكبة. ولو أن المصطلح نفسه لم يذكر إلا أن الأحداث، بما يشمل الفظائع التي اقترفها الجنود الصهاينة بحق الفلسطينيين، عرضت كما هي، كشيء مفهوم ضمناً. هكذا سجلت أحداث النكبة بالعبرية بشكل مباشر ومكشوف.

الفلسطينيون اللذين أصبحوا مواطنين في دولة إسرائيل كانوا ما زالوا تحت وطأة الصدمة والحكم العسكري الذي لم يسمح بأي تعبير احتجاجي. اللاجئون الفلسطينيون انتظروا أن يتم انصافهم بمساعدة الدول العربية وشعوب العالم ولكن لم تكن هناك أية خطوة جدية بهذا الاتجاه.

في عام 1951، صدر قرار محكمة العدل العليا الشهير الذي نص على وجوب السماح لمهجري اقرث وبرعم بالعودة إلى قراهم كما وعدوا عندما تم اخلائهم بطلب من الجيش. كان هناك قراران اضافيان، لم يشتهرا بنفس الدرجة، نصا على وجوب السماح للمهجرين بالعودة لقراهم- قرار من عام 1951 بخصوص مهجري الغابسية (بالقرب من نهاريا)، وقرار من عام 1952 بخصوص مهجري خربة جلمة. في الحالة الأخيرة قام أعضاء كيبوتس “لهفوت حبيبا” اللذين استوطنوا في بيوت القرية بتفجير البيوت ومنعوا بذلك عودة المهجرين. عملياً، في الحالات الأربعة منعت عودة اللاجئين لأن موقف الجيش، الذي عمل على منع العودة، كان فوق القرارات القضائية. منذ ذلك الحين لم تصدر أية قرارات عن المحاكم تقضي بإعادة اللاجئين الفلسطينيين.

1952-1967: اندثار وإغفال

مع الابتعاد التاريخي عن الأحداث والانشغال المكثف في بناء الدولة، استيعاب الهجرة (اليهودية) ومنع عودة اللاجئين اندثر التوجه الساذج الذي يتحدث بانفتاح عن النكبة. وكانت الشهادة الأوضح على هذا التغيير هي تحول اللاجئين اللذين يحاولون العودة ل”متسللين”: في الخطاب الإسرائيلي، لم يعد هؤلاء أصحاب الأرض اللذين طردوا ويحاولون العودة لبيوتهم أو استرداد بعض ما فيها، إنما غرباء “يتسللون” بشكل غير قانوني وغير شرعي. هاوية لغوية سحيقة تفصل ما بين اللاجئ والمتسلل. الأول ضحية مهزومة اقتلعت من مكانها ومرت بصدمة. أما الثاني فليس من هنا، هو غير قانوني، سارق، لديه نوايا سيئة ويتخطى الحدود الجغرافية. وقد نجح ماركو روزيو، من اوائل المستوطنين في بيوت لاجئي راس الأحمر (“كرم بن زمرا”) في التعبير عن هذا التناقض، وهو الذي دافع بالسلاح عن “بلدته” من الفلسطينيين اللذين حاولوا العودة فكتب يقول: “حاولوا العودة لسرقة ما كان لهم فأطلقنا النار عليهم.” فيما بعد تحول الفلسطيني من “متسلل” ل”فدائي” واستكمل بذلك تحولاً كاملاً من لاجئ لمهاجر غير قانوني لإرهابي.

الروايات التي تصف على الملأ ما حدث في 1948، ألزمت المنظومة المؤسساتية على صياغة رواية تبرر الفظائع التي اقترفها “شبابنا”. كان من الصعب على الدولة الناشئة أن تستمر في وصف المظالم التي تسبب بها الإسرائيليون للفلسطينيين دون وساطة رواية تدعم “طرفنا”. هكذا، تحولت النكبة ل”كارثة من وجهة نظرهم” فقط، وأصبحت هناك روايتين، واحدة لنا وواحدة لهم، “كنتاج لآليات الدولة اليهودية التي عملت بشكل منهجي على رسم خط فاصل بين اليهود والعرب واعتماده كواقع موضوعي لا استئناف عليه.”

النكبة دخلت ضمن رواية تسعى إلى تبرير اقامة الدولة اليهودية في أعقاب الهولوكوست (المحرقة). هنا ظهر ال”لا خيار” الاول بتاريخ الدولة: لم يكن لدينا خيار سوا القيام بما قمنا به في 1948. بالتوازي مع ذلك، تم تجنيد ادعاء “طهارة السلاح” والذي بحسبه لم يقم جنودنا باقتراف الفظائع في 1948، وفي الحالات التي تم فيها ذلك، كانت هذه الخارجة عن القاعدة وليست القاعدة. مصطلح “طهارة السلاح” ظهر منذ سنوات الأربعين في سياق المعارك التي وقعت في فترة الانتداب البريطاني، ليعاد استخدامه مع اقامة إسرائيل لتبرير اقامة الدولة اليهودية من خلال سلب غالبية الفلسطينيين.


صورة للكنيسة، كل ما تبقى من قرية اقرث المهجرة

في الحيز الفيزيائي، قرى فلسطينية كثيرة كانت ما تزال في مكانها، مهجورة ولكن ليست مهدومة. الادعاء بأن القرى هدمت في حرب ال-48 ليس صحيحاً. في الحقيقة، المئات منها هدمت بمشروع مخطط ومكثف أخرجته الدولة إلى حيز التنفيذ خلال السنوات 1965-1969، كما كشف أهرون شاي، بشكل مفاجئ، في مقالة له. وتظهر هذه القرى بشكل نادر في سلسة خرائط مدنية أصدرها مركز ترسيم الخرائط الإسرائيلي. هذه خرائط ورثتها إسرائيل من الانتداب البريطاني باللغة الانجليزية، لهذا ظهرت فيها كل القرى التي كانت قائمة حتى عام 1948. للتوضيح بأن القرى خالية من السكان، أضاف المركز الإسرائيلي عبارة “مهدوم” في العبرية باللون الليلكي تحت اسماء القرى التي طرد أهلها منها ولم يسمح لهم بالعودة. هذه كانت الشهادة الأخيرة في الخرائط الإسرائيلية على قرى النكبة. بالإمكان اعتبار مشروع هدم القرى في سنوات الستين، بنظرة إلى الوراء، كخطوة لمحو الفجوة بين ظهور القرى على الخرائط وبين اخلائها عملياً بالحيز الفيزيائي. مع هدم هذه القرى أصبح ظهورها على الخرائط غير ضرورياً. منذ ذلك الوقت صار بعضها يظهر على الخرائط كخرائب ليس أكثر.

1967 – 1985: عمليات الاحتلال الجديدة تغيب النكبة

الضغوطات داخل إسرائيل باتجاه “جولة ثانية” من قبل موشيه ديان وآخرون أثمرت عن حرب 1967 التي حققت أكبر انتشار للصهيونية في أنحاء الشرق الأوسط، أربعة أضعاف مما كان حتى الحرب. تم احتلال الضفة الغربية وغزة، الجولان وشبه جزيرة سيناء. الحكم العسكري فرض على الفلسطينيين في مناطق الضفة وغزة وربع مليون آخر تحولوا للاجئين، بعضهم للمرة الثانية منذ 1948. انشغل هؤلاء بالأساس في تدبر معيشتهم في ظل الاحتلال.

في إسرائيل، إلى جانب الطفرة الاقتصادية، العجرفة ونشوة الانتصار العسكري الكبير على الجيوش العربية خلال ستة أيام، تطور نقاش حول السيطرة والبقاء في المناطق الفلسطينية التي احتلت. بنظرة تاريخية إلى الوراء، بالإمكان الادعاء بأن هذا النقاش لم يكن صريحاً فلم يكن هناك احتمال حقاً بأن يتم الانسحاب من الأراضي، ولكن في تلك الأوقات الشعور كان بأن هناك نقاشاً حقيقياً بين من رؤوا بأن الاستيطان الزامي وبين من عارضوه. النقاش بين المطالبين بالانسحاب من مناطق الضفة وغزة وبين معارضيهم جعل التعاطي مع النكبة عرضياً وفي غير مكانه حتى.

على هذه الخلفية، بالإمكان فهم المعارضة لبث فيلم “خربة خزعة” الذي أنتجه التلفزيون الإسرائيلي بسنوات السبعين. مع اقتراب موعد بثه في عام 1978، شب حوله نقاش كبير كان أوجه أن أصدر وزير التربية تعليماته بمنع البث. في نهاية المطاف، تم بث الفيلم مرة واحدة فقط، بقرار من هيئة سلطة البث، ومن ثم منع لمدة عشرين عام. بث الفيلم الذي يصف طرد سكان قرية فلسطينية بال-1948 على قناة التلفزيون الوحيدة كان شيئاً يصعب على إسرائيل تحمله بتلك السنوات.

في ظل التوسع الكولونيالي، اختفت النكبة في إسرائيل تماماً. التوسع الجغرافي خلق جبهات جيوسياسية جديدة لم يكن فيها مكان للنكبة ولقضية اللاجئين اللذين يتوقعون العودة. عمليات الاحتلال والطرد من عام 1948 أقصيت تماماً لتأخذ عمليات الاحتلال الجديدة الصدارة. “الاحتلال” صار يعتبر مسألة بدأت في 1967 فقط، وهو الموقف الذي ما زالت الغالبية الساحقة في اليسار الإسرائيلي تؤمن به حتى اليوم. اليسار الإسرائيلي يقوم بإحياء 48 سنة من الاحتلال، وقريباً 50 سنة، على الرغم من أن عمره أطول بعشرين سنة تقريباً. التوسع العسكري والاستيطان الإسرائيلي بالضفة الغربية الذي بدأ في سنوات السبعين خلقا صراعات جديدة غيبت النكبة خارج الوعي الإسرائيلي العام.

1985 – 1993: تاريخ جديد

مع نهاية الثمانينات، طرح بيني موريس مصطلح “المؤرخون الجدد”، لوصف نفسه وزملاء له كمن قاموا بمراجعة عميقة للتأريخ الإسرائيلي ل- 1948. كتابه “مولد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين” هو ناتج مهم لعمليات الحفر هذه في الرواية الإسرائيلية. تجدر الإشارة هنا أيضاً إلى أهمية أعمال سمحا فلفان، آفي شلايم، توم سيجف وغيرهم. أبحاث هؤلاء كشفت عن ما تم اقصائه في إسرائيل حول 1948، عن “رواية الآخر”، عن “الفلسطيني”. ويرى موريس بالأساس بأنه لم يكن هناك خيار في 1948 سوا اقامة الدولة اليهودية، وكان الفلسطينيون من دفع ثمن ذلك، ونعم، اقترفت هناك فظائع غير اخلاقية بيد القوات الصهيونية.

الخطاب الذي عرضه المؤرخون الجدد أثار جدلاً محموماً في الأكاديميا الإسرائيلية (وفي العالم طبعاً) و الكثير من الكتابات النقدية عنهم وفي أعقابهم. ولكن خارج الأكاديميا، اقتصر هذا النقاش على صحيفة “هآرتس” ولم يصل إلى النقاش الإسرائيلي العام. في المجتمع المدني والثقافة الإسرائيلية، كان ظهور النكبة قليلاً ولم يكن هناك أي نقاش جدي حولها.

1993 – 2000: عودة اللاجئ الفلسطيني

اتفاقية اوسلو كانت بمثابة نقطة تصدع بالنسبة للاجئين الفلسطينيين. اتفاقية السلام التي وقعت بيد اسحاق رابين وياسر عرفات نصت على اقامة دولتين بحدود الخط الأخضر. أما مناقشة حل قضية اللاجئين فتم تأجيلها لما بعد اقامة الدولتين.

لم يستسغ اللاجئون قبول ذلك فقاموا بالرد بواسطة اقامة منظمات في أنحاء الجاليات الفلسطينية. “بديل” في بيت لحم ولجنة المهجرين في إسرائيل هي أمثله مهمة في هذا المضمار. لجنة المهجرين حولت قضية اللجوء والمهجرين الداخليين لقضية سياسية. قبل ذلك قام المهجرون الداخليون بإحياء النكبة بمجموعات وعائلات بشكل متواضع نسبياً. الزيارات المشتركة للقرى المهجرة، بالأساس في يوم الاستقلال، كانت النشاطات الأساسية لإحياء الذكرى.

في عام 1997 نظمت لجنة المهجرين “مسيرة العودة” الاولى في نفس يوم الاستقلال الإسرائيلي. وقد تحولت المسيرة منذ ذلك الحين إلى تقليد سنوي هو الأهم فيما يتعلق بإحياء النكبة داخل إسرائيل. في يوم الاستقلال من كل عام، يؤكد آلاف الفلسطينيون من مواطني إسرائيل بمسيرة كبيرة، وهم يرفعون أعلام فلسطين، على حقهم بالعودة. في كل مرة يتم تنظيم المسيرة في احدى البلدات التي هدمتها إسرائيل بال-1948. خلال فترة الحكم العسكري، يوم الاستقلال كان اليوم الوحيد الذي سمح به للفلسطينيين بإسرائيل بالتنقل بحرية دون حاجة لتصريح من الحاكم العسكري. وقد قام هؤلاء باستغلال هذه الفرصة لزيارة قراهم المهجرة. هكذا ولد تقليد احياء النكبة بيوم الإستقلال الإسرائيلي. المقولة المشحونة “يوم استقلالهم هو يوم نكبتنا” أضيفت في وقت لاحق.

وقد كبرت المسيرة عام بعد عام حتى أصبح من الصعب على الإعلام الإسرائيلي تجاهلها. إحياء النكبة في يوم الاستقلال ساهم في تعزيز خطاب مجابه حول النكبة. في الخطاب الإسرائيلي السائد، النكبة هي كارثة فلسطينية، رواية فلسطينية، تاريخ فلسطيني. نحن الإسرائيليون لدينا الاستقلال. أيضاً بين اليسار الإسرائيلي تعّرف النكبة حتى اليوم ككارثة بالنسبة لخمس السكان في إسرائيل فقط.

في مجموعة المختارات الأدبية “50 ل-48″ الصادرة عن معهد فان-لير، تحظى النكبة بحضور بشكل وحجم لم يسبق لهما مثيل حتى ذلك الحين في الكتابة النظرية بالعبرية. بالإضافة إلى الكثير من اللحظات المكتومة التي يكشف عنها هذا الكتاب الثخين، يتم عرض النكبة فيه كحدث مركزي، ك”نقطة الصفر” لإقامة دولة إسرائيل.

الفترة نفسها شهدت ازدهار بالمؤتمرات الأكاديمية والسياسية، بالأساس في الخارج ولكن أيضاً في البلاد، حول حق العودة للاجئين الفلسطينيين. في إسرائيل لم يتزعزع الموقف المتنكر لحق العودة ولكن الأصوات القادمة من الخارج سمعت جيداً.

2000 – 2011: النكبة ترفع رأسها

تشرين أول 2000، نشوب الانتفاضة الثانية شكل نقطة تصدع في علاقات اليهود والعرب بإسرائيل. 13 فلسطيني من مواطني إسرائيل قتلوا بيد قوات الأمن خلال مظاهرات تضامنية مع القتلى الفلسطينيين في الحرم الشريف والضفة الغربية. غالبية الإسرائيليون اليهود (بما يشمل اليسار الإسرائيلي) تبنوا قصة الحكم حول الأحداث والتي ادعت بأن اطلاق النار على المتظاهرين كان نتيجة تعرض قوات الأمن للخطر. معظم الإسرائيليون، يشمل الكثير ممن يعيشون في نفس الأحياء مع العرب، شعروا بخيبة أمل كبيرة بسبب المظاهرات التي أغلقت الطرق وشوشت حياتهم. انكار العرب ونتائج لجنة التحقيق الحكومية (“لجنة أور”) التي لم تجد خطورة في أي من الحالات لم تغير شيئاً في الصورة.

مع ذلك، فقد استوعب آلاف الإسرائيليون اليهود في أعقاب هذه الأحداث ماهية الدولة اليهودية: العرب، لمجرد تعريفهم، لا يستطيعون أن يكونوا مواطنين كاملين في هذه الدولة. هؤلاء اليهود انفصلوا، بدرجة أو بأخرى، عن الصهيونية التي غرست فيهم منذ الطفولة كأمر مفروغ منه. منذ ذلك الحين، يصرح عدد غير قليل من اليهود في إسرائيل، بشكل علني ودون خجل، عن كونهم غير صهيونيين أو معادين للصهيونية.

جمعية "ذاكرات" تحيى النكبة في تل أبيب، 5.5.2014

للمرة الأولى في إسرائيل أقيمت منظمة تتحدى الركائز الاساسية للدولة اليهودية، وتهدف إلى نشر الوعي حول النكبة في المجتمع المدني الإسرائيلي باللغة العبرية. منظمة “ذاكرات” تعمل من أجل اعتراف الإسرائيليين بالنكبة ودعم حق العودة للاجئين الفلسطينيين. هذه هي المنظمة الأولى التي تقام بيد إسرائيليين من أصحاب الميزات، أعضاء الكيبوتسات سابقاً، ممن خدموا في الجيش ومروا بانقلاب عميق في هويتهم. في تلك الفترة، في عام 2002، البحث عن كلمة نكبة بالعبرية على محرك البحث “جوجل” لم يظهر إلا بعض النتائج القليلة.

في البداية قوبلت “ذاكرات” بمعاملة مستهينة. على سبيل المثال، عندما توجت المنظمة في 2004 “للكيرن كييمت” وطلبت وضع لافتة في حديقة كندا تذكر أسماء القرى التي احتلت في 1967، حصلت المنظمة على إجابة سريعة جداً. السبب بأنها لم تكن معروفة في حينه ولم يكن هناك أي تقدير لقدرتها على تغيير شيء في الخطاب. بعد أن فازت المنظمة بقرار من محكمة العدل العليا بهذا الشأن، أصبحت المراسلات مع الأطراف المختلفة أصعب حيث بات من الواضح بأن للمنظمة قدرة كامنة على احداث تغيير.

برفقة “ذاكرات”، انضم مئات الإسرائيليون لمسيرة العودة، وفي كل عام خصصت احدى الكلمات لمتحدث باللغة العبرية. المنظمة نجحت في تغيير الخطاب حول النكبة بإسرائيل. طرق عملها الناجعة جعلتها تحصل على اعتبار حتى بين المعارضين لمواقفها. الجولات التي نظمتها “ذاكرات” في البلدات الفلسطينية التي هدمتها إسرائيل بالنكبة أثرت على الطريقة التي يتم فيها ادارك الحيز بحيث لم يعد من الممكن محو تلك البلدات أو تركها كآثار غرائبية في المشهد. في عام 2008 أقامت “ذاكرات” مؤتمرها الأول حول حق العودة في تل أبيب. بروفيسور عدي أوفير، يساري قديم وفيلسوف سياسي بارز، كتب لذاكرات يقول: “من الصعب الاستهانة بالدور الذي قامت به “ذاكرات” في تغيير الخطاب والوعي بمسألة النكبة”.

التعاطي مع النكبة بالعبرية ازداد شيئاً فشيء. بمساعدة “ذاكرات” كتبت روايات تتحدث بانفتاح عن النكبة وعن مسؤولية الإسرائيليين عنها وتصدرت بعضها قائمة الكتب الأكثر مبيعاً (مثل “عزبة دجاني” و”أربعة بيوت وشوق”). بالإضافة، قامت دار النشر “أندلس” بإصدار ترجمة عبرية لرواية الياس خوري “باب الشمس” التي تتحدث عن النكبة. ربما لم تدخل هذه لقائمة الكتب الأكثر مبيعاً ولكنها حصلت على الكثير من الاهتمام.

2011 – 2016: في مركز الخطاب برعاية الحكومة


عندما رأى الحكم بأنه لا يمكن ايقاف المد الحاصل في التعاطي مع النكبة، قرر تشريع قانون للرد على هذا الخطاب الجديد. الصيغة الأولى ل”قانون النكبة” كانت متوحشة لدرجة أن بعض رجالات الحزب الحاكم كبيني بيجين انضموا للأصوات المعارضة له. في آذار 2011، تم تمرير القانون بصيغة معتدلة أكثر ولكن كان من الواضح بأن الهدف من ورائه منع تعليم وإحياء النكبة في إسرائيل. نص القانون يهدد كل منظمة تحصل على دعم مالي من الدولة بأنها ستخسر تمويلها اذا ما قامت بإحياء النكبة بيوم الاستقلال، لكن من الواضح بأن الهدف أوسع من ذلك. ويتجلى ذلك في محاولات الوزراء، وعلى رأسهم ميري ريجيف، لتوسيع تفسير القانون والتهديد بقطع التمويل عن أية مؤسسة تدعم أو تستضيف حدث لإحياء النكبة في إسرائيل.


لافتة كتب عليها “نكبة” بالعبرية بألوان العلم الإسرائيلي احتفالاً بيوم الاستقلال!

في نفس الفترة، بالتوازي مع عملية تشريع قانون النكبة، أطلقت منظمة “ام ترتسو” حملة سعت من خلالها لإحياء الرواية الإسرائيلية التي تنكر النكبة. المنظمة أعدت كراسة عنوانها “النكبة هراء” تستعيد من خلالها كل الادعاءات الإسرائيلية حول “كذبة النكبة”: النكبة لم تحدث بل كانت نتيجة حرب أراد العرب بواسطتها طردنا من البلاد في 48، لهذا كان عليهم أن يدفعوا الثمن. كما ذهب معدي الكراسة إلى دحض التأريخ الجديد الذي كتب. كانت المفارقة بأن نشطاء المنظمة يقومون بغناء النشيد “أوقعنا عليكم النكبة” ويعترفون بذلك بشكل علني بالمسؤولية الإسرائيلية عن الكارثة.

القانون وحملة “ام ترتسو” خلقوا ما يشبه الفيضان بالتعاطي مع النكبة. استخدام الكلمة صار دارجاً بالإعلام العبري، وقد استخدمت هذه بأشكال عديدة وفي أحيان كثيرة بشكل مغلوط. السياسيون وغيرهم يستخدمون “النكبة” لوصف كوارث أو مواجهات مختلفة. من المضحك ربما بأن المصطلح بات يستخدم حتى بمجال الرياضة. مشجع لفريق “هبوعيل تل أبيب” وقف أمام الكاميرات في اليوم الذي هدمت فيه قاعة اوسشكين وقال بأن “هذا اليوم هو يوم نكبة لمشجعي هبوعيل تل أبيب”. خلال برنامج رياضي على الراديو ، وصف أحد المحللين استياء اللاعبين في احد الفرق من مدربهم ك”نكبة في غرفة تبديل الملابس”(!).

آثار النكبة تظهر أيضاً في حراكات اليهود الشرقيين بإسرائيل اللذين سُكن الكثير منهم في بدايات الدولة ببيوت فلسطينية لمنع أصحابها من العودة. بعد عشرات السنوات بدأ أحفاد هؤلاء يعترفون بهذه الحقيقة. يوني يوحنان في لفتا ومنشيه خليف في “جفعات عمال” (التي أقيمت في بيوت جماسين الغربي) ينشطون ضد سلبهم من قبل الدولة وأصحاب المال، ويذكرون الجميع، في إطار نضالهم، لماذا يعيشون في هذه البيوت من الأساس.

كما يظهر الرسم البيان التالي، في عام 2011 كانت هناك قفزة كبيرة في البحث عن كلمة “نكبة” على محرك البحث “جوجل”. نتائج البحث ارتفعت بشكل متواصل بين الأعوام 1999-2010، ولكن في 2011 كانت هناك قفزة بالعدد المطلق وأيضاً بشكل نسبي مقارنةً ب-2010. صحيح بأن نتائج البحث عن كل كلمة تزداد مع السنوات بسبب اتساع استخدام الانترنت ولكن لهذا السبب بالتحديد من المثير المقارنة بين اتساع نتائج البحث عن كلمة النكبة بين 2011 و 2015 مقابل انخفاض البحث عن زوج الكلمات “نكبة ذاكرات”. البحث عن هاتين الكلمتين ارتفع بشكل متواصل من سنة 2000 أما في سنة 2011 فقد قفز الضعف. الانخفاض منذ 2011 وحتى 2015 في البحث عن “نكبة ذاكرات” يؤكد بأن ظهور النكبة بالعبرية ثابت حتى بعدما انخفضت مركزية الوكيل الرئيسي للاعتراف بالنكبة في المجتمع الإسرائيلي (بالإشارة إلى منظمة ذاكرات).

إلى جانب اتساع التعاطي مع النكبة في إسرائيل، لا بد من الإشارة بأن قانون النكبة خلق لدى البعض خوف من التعامل معها، وهناك الكثير من المعلمين، مثلاً، اللذين يخافون من التطرق للموضوع في صفوفهم.

استطلاع رأي أجراه معهد “de-colonizer” (مختبر بحث وفن للتغيير الاجتماعي) وسط 500 إسرائيلي يهودي اتضح بأن غالبيتهم يعرفون بأن النكبة هو مصطلح يتعلق بشيء سيء، بالصراع مع الفلسطينيين. لم يكن بالإمكان تخيل وضع من هذا النوع قبل 15 سنة ولو أن غالبية الإسرائيليين لا يعرفون حتى اليوم ماذا يعنى المصطلح تماماً.

اليوم، يعكس مصطلح النكبة بشكل جيد الاستقطاب الحاصل في الخطاب والمجتمع الإسرائيلي. في اليسار غير الصهيوني هناك ادراك تام لمركزيته في تعريف الصراع وحله. في المقابل، هناك معركة معلنة تقودها القيادة الإسرائيلية من أجل احباط التعاطي مع النكبة قدر المستطاع. بشكل عكسي، محاولات الاسكات هذه تبقي القضية حية، كالجرح المفتوح الذي من الممكن أن يلتهب في أي لحظة.

المهام التي تقف الآن أمام الإسرائيليين اللذين يحثون على التعاطي مع النكبة في إسرائيل، إلى جانب النشاط من أجل الاعتراف بالنكبة، هي التخطيط لعودة اللاجئين الفلسطينيين لكي لا تكون هذه المسألة مسألة فلسطينية فقط، وتعليم الإسرائيليين ماذا حدث في النكبة وما هو معناها من ناحيتهم. في هذين المجالين لم تكن هناك مساعي ملحوظة باستثناء وضع اتجاهات أولية.

مدير شريك في معهد “de-colonizer” ومؤسس منظمة “ذاكرات”.

*شكر خاص لكل من ساهم في كتابة هذا النص وخاصة الينور ميرزا برونشطاين، نورما موسي، يهودا شنهاف واريئيلا ازولاي.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات