بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> قضايا اجتماعية >>
أسعار المازوت تجعل اجتياز الشتاء في الجولان معضلة حقيقية
  05/10/2005

أسعار المازوت تجعل اجتياز الشتاء في الجولان معضلة حقيقية

موقع الجولان /5-10-2005

يعيش مواطنو الجولان هذه الأيام هاجس قدوم الشتاء، وكيفية اجتيازه بسلام، بعد الارتفاع الحاد الذي شهدته أسعار الوقود في الأشهر الأخيرة. التكلفة العالية للتدفئة جعلت الكثيرين يفتشون عن حلول جديدة لهذه المعضلة، فبعضهم وجد حلولا والبعض الآخر ينتظر الظروف علها تأتي بشيء من علم الغيب. مصاريف التدفئة أصبحت عبئاً ينوء تحته المواطن العادي.
يعيش ما تبقى من المواطنين العرب في الجولان، وعددهم يقل قليلاً عن 19 ألف نسمة، في خمس قرى تقع جميعها في أقصى الشمال، على سفوح جبل الشيخ، فيصل ارتفاعها عن سطح البحر في بعض حارات بلدة مجدل شمس إلى 1350م، وهو ما يجعل شتاءها طويلاً وبارداً، فتتساقط الثلوج عليها في أشهر كانون ثاني وشباط وحتى آذار. هذا الشتاء يستمر غالباً ستة أشهر كاملة.
إن هذا الشتاء البارد والطويل جعل أجدادنا يبنون بيوتهم بطريقة تناسب الظروف المناخية لهذه البلاد. فكانت هناك أمور أساسية تجدها في كل بيت. ولو نظرنا إلى بيوت البلدة القديمة لرأينا مثلاً أن الواجهة العريضة ومدخل البيت هي دائماً باتجاه الجنوب، أي مواجهة مباشرة لجهة الشمس في فصل الشتاء. أما البيوت نفسها فكانت مبنية من الحجارة المتواجدة بكثرة في المكان، وبلغت سماكة الجدران حتى سبعين أو ثمانين سنتيمتراً، تغطيها من الداخل طبقة طينية خاصة ممزوجة بالتبن عازلة للحرارة. أما السطح فكان من الخشب تغطيه خلطة خاصة من التراب. فكان البيت محمياً من البرد القارس تحبس فيه حرارة الداخل من الانتشار إلى الخارج، فينعم أهل البيت بشتاء دافئ في انتظار الربيع ليخرجوا من جديد لرعي ماشيتهم وفلاحة حقولهم وزرعها.
في منتصف القرن الماضي تطور نمط البناء في الجولان، وتغيرت المواد المستخدمة في بنائه، فأصبحت البيوت مبنية من الإسمنت المسلح، ولكن أهلنا مع ذلك لم يهملوا خاصية الطقس الجولاني البارد، فأخذوها بعين الاعتبار وبنوا بيوتهم منطلقين من هذه القضية الأساسية. فالناظر إلى البيت الجولاني قبل ثلاثين أو أربعين عاماً يرى أن هذا البيت، بشكل عام، مكون من طابقين: أرضي وعلوي. وقد درجت العادة عند أهلنا أن يستخدموا الطابق الأرضي شتاء والعلوي صيفاً. فالطابق الأرضي يتمتع بعدة مواصفات مهمة تجعل من شتائه دافئاً. ولعل أهما أن مساحته صغيرة مقارنة بالطابق العلوي، والأمر الآخر الذي لا يقل أهمية هو أن سطح البيت مغطى بالطابق العلوي وليس مكشوفاً لبرد الخارج، وهذه قضية مهمة جداً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن البيت يفقد 40% من حرارته شتاء من خلال السطح (إذا كان مكشوفاً). وهكذا نرى أن أهلنا بنوا بيوتهم بطرية يمكن لهم بيسر وسهولة تدفئتها شتاءً، وهو الأمر الذي غاب عن بالنا في العقود الثلاثة الأخيرة.
لقد حصلت تغييرات جذرية على طريقة البناء في الجولان، ويعود ذلك إلى عدة أسباب لعل أهما التأثر بطريقة البناء الإسرائيلية، حيث لم ينتبه المواطنون للفارق المناخي. فإسرائيل تقع في معظمها على ساحل البحر والطقس فيها معتدل شتاءً، وليس فيها أية منطقة مشابهة في مناخها لشمالي الجولان.
المواطنون اليوم يبنون بيوتهم من الإسمنت، ودون الأخذ بالحسبان لأي طبقة عازلة للحرارة يغلفون فيها الجدران من الخارج أو الداخل. ومادة الإسمنت ناقلة للحرارة بشكل كبير. وهذا يؤدي إلى انتشار الحرارة خارج البيت بنسبة عالية، أي أن قسماً كبيراً من التدفئة التي يستخدمها ساكنو البيت تذهب هدراً، وهم بذلك بحاجة إلى طاقة كبيرة للحفاظ على درجة حرارة معقولة في الداخل.
ما يزيد الطين بلة هو نمط التخطيط الداخلي، الذي تأثر به المواطنون أيضاً من الإسرائيليين، وهو البيت المفتوح في داخله. فالبيت الجولاني اليوم يخلو من أي فاصل بين الصالون والمطبخ ومدخل البيت، وهي جميعها مفتوحة على بعض وتشكل مساحة واحدة قد تصل حتى سبعين أو ثمانين متراً مربعاً. إن مساحة كهذه بحاجة إلى طاقة كبيرة لتدفئتها شتاءً.
إن البيت الجولاني اليوم كبير وواسع تصل مساحته في المتوسط إلى 180 م مربع، وهذا بحد ذاته يخلق مشكلة جدية في تدفئته شتاءً. ولكن هذه القضية لم تكن مشكلة تقض مضاجع المواطنين في البداية. فأسعار <<المازوت>> كانت مقبولة إلى حد ما، فلجأ الكثيرون إلى استخدام التدفئة المركزية التي وفرت حرارة لطيفة داخل البيوت، مستغنين عن المدفأة السورية التقليدية (الصوبية)، التي كان من الصعب عليها تدفئة بيت بهذه المساحة وهذا الحجم. التدفئة المركزية تحتاج خلال فصل الشتاء إلى حوالي 6 آلاف لتر من <<المازوت>>، وعندما كان سعر اللتر قبل أربع سنوات يقارب الـ 25 سنتاً، كان معدل ما يصرفه البيت على التدفئة سنوياً يقارب الـ 1500 دولار، وهذا مبلغ كان باستطاعة المواطنين تحمل كلفته. أما اليوم، ومع ارتفاع أسعار الوقود، فقد زاد سعر اللتر عن دولار أمريكي، وهذا ما يعني أن تكلفة تدفئة البيت في المتوسط ستزيد عن 6000 دولار، وهذا مبلغ لا يمكن للغالبية العظمى من مواطني الجولان تحمله. حتى أولئك الذين لا يزالون يستخدمون <<الصوبية>> السورية التقليدية، وهم عادة من ذوي الدخل المحدود، فإنهم بحاجة إلى ما بين 1500 و 2000 لتر، أية تكلفة تزيد عن 1500- 2000 دولار أمريكي وهذا بالنسبة لهم لا يزال مبلغ كبير جداً ويفوق طاقتهم.
على مر السنين اعتبر الجولانيون الشتاء فصل الخير، فانتظروه جالباً معه الأمطار والثلوج، تسد عطش الأرض لتنبت تفاحاً وكرزاً يتفاخرون به. ولكن الشتاء الآن تحول كابوساً لا يعرفون كيف يجتاوزنه بسلام.

في الأسابيع الأخيرة لوحظ نشاط غير عادي لدى معظم السكان في البحث عن طرق جديدة لتدفئة منازلهم، أو في إيجاد حلول مبتكرة للتخفيف من تكاليف التدفئة. وهنا نلاحظ عودة عدد كبير من المواطنين إلى استخدام الطريقة التي استخدمها أجدادنا من قبل، وهي استخدام الأخشاب بدل <<المازوت>>، فانتعشت صناعة مدافئ الخشب من جديد، وعادت كلمة <<وجاق>>- وهي التسمية التي يطلقها مواطنو الجولان على نوع محلي من المدافئ التي تعتمد الخشب وقوداً للتدفئة- عادت تسمع من جديد.
السيد حسين فخر الدين، صاحب ورشة لتصنيع مدافئ الخشب، يقول أن الطلب على هذا النوع من المدافئ قد تضاعف هذا العام، وأن ورشته تعمل بكامل طاقتها لكي تتمكن من تلبية احتياجات الزبائن. ويضيف السيد فخر الدين أن هناك منافسة شديدة في هذه الصناعة، وهو ما يدعوه دائماً إلى تطويرها وإيجاد طرق جديدة تجذب الزبائن، ففي كل عام تقريباً لدينا شيء جديد نضيفه للمدفأة. هذا العام مثلاً عملنا بشكل لافت على استغلال الطاقة الإضافية في المدفأة لتسخين المياه، وهو ما سيوفر مياه ساخنة للاستخدام اليومي، بالإضافة إلى إمكانية ضخه إلى بطاريات تدفئة توضع في غرف أخرى فتدفئها، دون التسبب بزيادة مصروف الخشب.


المهندس فارس القلعاني قال لنا أنه ينصح المواطنين بتغليف بيوتهم بطبقة عازلة للحرارة، وخاصة السطح، لأن البيت يفقد حوالي 40% من حرارته من خلال السطح، بينا تتسبب الجدران الغير عازلة لفقدان 20% منها، وهذا يعني أن الناس تحتاج حالياً إلى أكثر من ضعف الطاقة لتدفئة البيوت، وهذا هدر كبير جداً. ويوضح المهندس بأن تكاليف عملية التغليف على المدى البعيد تبقى أقل بكثير من المبالغ المنفقة حالياً على التدفئة. ويضيف المهندس فارس بأنه على الذين يبنون بيوتاً جديدة التفكير ملياً بنوعية المواد المستخدمة في البناء وطريقة البناء، لأن ذلك مهم جداً للتوفير الجدي مستقبلاً في الطاقة المصروفة على التدفئة الشتوية. وهنا يؤكد السيد قلعاني على ضرورة إيجاد طرق بناء خاصة بمنطقتنا تلائم ظروفنا المناخية.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات