بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> المياه في الجولان >>
دمشق بين سلب مياه الجولان وحجب الفرات
  22/04/2010

دمشق بين سلب مياه الجولان وحجب الفرات

راجي سعد

قال أندريه بارو عالم الآثار الفرنسي والأمين العام السابق لمتحف اللوفر العريق في باريس (The Louvre) ان "على كل إنسان متمدن في العالم أن يقول: أن لي وطنين ... وطني الذي أعيش فيه وسوريا" وذلك لما قدمته سوريا للحضارة الانسانية من ترقي وابداع. من قلب هذا الوطن السوري الممتد من جبال طوروس الى سيناء حكاية أقدم مدينة مأهولة في العالم وأقدم عاصمة في التاريخ. انها دمشق التي كانت بحيرة كبيرة منذ آلاف السنين كما تخبرنا ادوات الانسان القديم التي عثر عليها حولها ومن ثم جف قسم منها فتحولت الى بحيرتي الهيجانة والعتيبة في 6200 ق.م. على ضفاف هذه البحيرات وعلى ضفاق نهر بردى بنى الدمشقيون القدامى القنوات المائية وطوروا الزراعة ومنذ ذلك الحين كانوا شهودا على حضارات انتجت غلالا وفيرا وفكرا بديعا.
هذه الدمشق الخلاقة انطلق منها الآراميون في الالف الثاني قبل الميلاد فعمموا لغتهم وثقافتهم على بابل واشور، ومنها انطلق القديس بولس للتبشير بالديانة المسيحية، ومنها انطلق الاسلام حضاريا في القرن السابع بعد الميلاد فدق حدود الصين شرقا والاطلسي غربا، ومنها ايضا انطلق صلاح الدين فحرر القدس.
هذه الدمشق اليوم وفي زمن التراجع والازمات تغير دورها من دون ان تتغير فما زالت ام هذا المشرق المدافعة عن حقوقه والحاضنة لمآسيه في اي ازمة، فاليها لجأ الفلسطيني في 1948 والجولاني عام 1967 والعراقي بعد غزوة اميركا في 2003 وفيها احتمى اللبناني خلال الحرب الاهلية ومنها تواجه قيادة غزة الحصارعليها، واخيرا وليس آخرا توجه نحوها معظم ال300 الف لاجىء "مائي" فراتي في الصيف الماضي بسبب جف الابار وقطع مياه نهر الفرات عنهم.
هذه الدمشق اليوم تعاني من الازمة ذاتها التي شردت هؤلاء السوريون من ديارهم في الجزيرة والتي قد تمنعها من الاستمرار في دورها التاريخي. انها الازمة ذاتها ايضا التي تعاني منها معظم شقيقات دمشق من البصرة وبغداد والموصل الى حلب وعمان وغزة، والذين واجهوا معها تجويف هذا الهلال الخصيب فردوا الصحراء عنه على مدى العصور. انها ازمة المياه التي تهددنا جميعا والتي قد تُفقد هذا الهلال "خصوبته" بسبب شحها او قطعها.
هذه الدمشق اليوم لم يعد نهر برَدى، الذي اعطاها هويتها، يسير فيها شامخا معتزا وتجذب رائحة الياسمين الشعراء اليه، بل اصبح اليوم مشوها كئيبا وتجذب رائحة النفايات الحشرات اليه. هذا النهر الذي ينبع من سلسلة جبال لبنان الشرقية بعد ان تلتقي مياه عدة ينابيع في سهل الزبداني ويسير في وادي بردى، يزداد جفافه عاما بعد عام عندما يقطع المدينة من الغرب الى الشرق ولم يعد اهم روافده، نبع الفيجة الغزير الذي تشرب منه دمشق، قادرا على تامين احتياجاتها المتنامية مع النمو السكاني. ان معدل المياه المتجددة المتوفرة في حوض بردى-الاعوج لا يزيد عن 900 مليون م3 وهي لا تكفي احتياجات المدينة التي وصلت الى 1350 مليون م3 في العام 1998، موزعة بين 3٪ صناعية (40 م3) و29٪ انسانية (390م3) و68٪ زراعية (920 م3)، حسب تقرير البنك الدولي في 2001.
هذه الدمشق المكتظة اليوم تُعمِق من غطسها لتروي عطشها وتؤمن عجزها الذي وصل الى 450 مليون م3. ان الآبار غير المرخصة التي وصل عددها الى اكثر من 22 الف بئر تسحب المياه الجوفية الغير متجددة لتامين العجز وري حوالي 62 الف هكتار في الغوطة. ممثل المؤسسة اليابانية للتعاون الدولي (JICA) التي تساعد سوريا في معالجة ازمة المياه، كازوهيد ناكازاوي، قال ان "مستوى المياه الجوفية في حوض بردى التي تعوم عليها دمشق تراجع خلال ال20 سنة الماضية من 50 متر الى 200 متر مسببا بذلك نقصا في المياه المتوفرة وصعوبة على استخراجه في اشهر الصيف الجافة". أضاف ناكازاوي " خلال ال20 سنة القادمة سينخض مستوى المياه الى 400 متر تحت الارض وبموازات ذلك سيزداد سكان دمشق من 4-5 مليون الى 10 مليون. عندها ... ستكون الحكومة السورية امام خيارين: اما جر المياه من الفرات او جره من الساحل."
هذه الدمشق الحاضنة لازمات الوطن اصبحت اليوم اسيرة لازماته التي تمنع او تعرقل الحلول المطروحة وغير المطروحة. ان جر المياه من الجولان المحتل غير مطروح رغم قربها من دمشق (50-60كلم)، وذلك لسلب اسرائيل العدوة 500-600 مليون م3 من مياهه، وبذلك يستنتج معظم الخبراء انه لا يوجد خيار الا جر المياه من المناطق البعيدة كالجزيرة والساحل. ان جر المياه مسافة 400 كلم من الفرات، بغض النظر عن تكلفتها الباهظة (2 بليون دولار)، لم يعد منطقيا بعد ان هجر 300 الف من اهل الفرات اراضيهم بسبب شح الامطار وشح مياه النهر الى اقل من النصف بعد بناء تركيا "الصديقة" 16 سدا عليه ضمن مشروع الGAP بدون اي تنسيق مع سوريا او العراق. بالاضافة الى ذلك فقد يؤدي هذا الجر الى صراع مع العراق الذي يعاني الازمة ذاتها التي تعانيها سوريا يسبب المشاريع التركية. الخيار الآخر المتداول هو جر 1,300 مليون م3 سنويا على مرحلتين من الساحل من 14 نبع مياه عذبة غير مستغلة اكتشفت مؤخرا داخل البحر قبالة الشواطئ السورية. قد يكون هذا الخيار افضل الخيارات السيئة فهو يالاضافة الى تكلفته الغالية ايضا (4$ بليون، 0.62$/م3) التي ستزيد من تكلفة الانتاج الزراعي، فهو قد لا يناسب مدينة في حالة شبه حرب ولا تبعد عنها المدافع العدوة اكثر من 50 كلم. ان مد المياه بانابيب بطول 230 كلم من الساحل قد تكون عرضة للتخريب عند اندلاع اي مواجهة مع اسرائيل وسيصعب اعادة بنائها لثمنها الباهظ، وبذلك سيصبح أمن مدينة دمشق المائي أسير هذه الانابيب التي يصعب الدفاع عنها، فيضعف صمودها في اي مواجهة.
هذه الدمشق الشاهدة على التاريخ لم تستمر فيه الا لاعتماها على نفسها ومواردها وهذه الازمة لن تكون مختلفة. قبل التطلع الى الحلول الباهظة الثمن والتي تطرحها شركات اجنبية لغايات مختلفة، لا بد من استنفاذ الحلول الداخلية. في دراسة قيمة للدكتور ايلي الحاج وفريق الابحاث المائية في جامعة لندن البريطانية عام 2004 بعنوان "Household Crisis in Syria’s Greater Damascus Region" تستنتج ان دمشق تسطتيع ان تحل ازمتها المائية بالاعتماد على مواردها حتى العام 2027 عندما يصل عدد سكان المدينة الى 7,5 مليون نسمة. الدراسة تقدم الحل على مرحلتين ففي المرحلة الاولى تطرح اصلاح شبكات توزيع المياه واستعمال تكنولوجيا التنقيط للري وتقليص الاراضي الزراعية مرحليا من 62 الف هكتار الى 46 الف هكتار لسد العجز البالغ 450 مليون م3. في المرحلة الثانية تدعو الدراسة الى زيادة تكرير المياه الانسانية والصناعية (مياه المجارير) الى 75٪ واعادة استعمالها لري 22 الف هكتار اضافية بالتنقيط. بذلك ستصل الاراضي المروية الى 68 الف هكتار وبعدها تتقلص تدريجيا حسب الزيادة السكانية لتصل الى 57 الف هكتار عندما يصبح عدد السكان 7,5 مليون في العام 2027. هذه الدراسة واقعية وغير مكلفة (360$ مليون) مقارنة بالمشاريع الاخرى (2$ بليون للفرات، و4$ بليون للساحل) واذا اضفنا اليها تخطيط مدني لتنمية المدن حسب مواردها الطبيعية وسياسة حكومية تحد من النمو السكاني، فستضمن لدمشق اكتفاء ذاتي الى ما بعد 2027.
هذه الدمشق وشقيقاتها الذين صنعوا وساهموا في حضارات عدة طبعت البشرية بطابعها، عليهم اليوم ان يخطو خطوات كبيرة لانقاذ حضارتهم من التصحر، فالحلول التقنية لا تكفي للمدى اليعيد ولا بد من اقتلاع هذا التهديد للامن القومي من الجذور. ان ازمة دمشق وبَرَداها هي ازمة بغداد ودجلاها والنجف وفراتها والجزيرة وخابورها وعمان واردنها وغزة وآبارها وربما قريبا بيروت وليطانها والقاسم المشترك الداخلي الذي يتحمل مسؤوليته الجميع هو النمو السكاني الذي يستنفذ اقتصادنا ومواردنا، واذا لم يوجد له حل فسيجعل قسم كبير من شعبنا متسولا في بلاده يستجدي المساعدات الدولية. رغم عمق الازمة فلا نرى اي من السلطات المدنية والدينية تجرؤ على معالجتها. في هذا الزمن الرديء تكثر الفتاوى التي تبرر بناء الجدران الفاصلة والمحاصِرة للشعب في غزة وغيرها وتقل او تنضب الفتاوى التي تهدم التقاليد البالية وتبني جسور الامان والامل للاجيال القادمة. ان دمشق وحكومتها بمساعدة مفتيها وبطركها يجب ان تكون بمستوى تراثها فتتخذ القرارات الكبيرة لاستمرار دورها خيرا وجمالا. ان السيطرة على النمو السكاني بالتوعية الأُسرية وربط الانجاب بالاقتصاد وغيرها من البرامج التي نجحت في الصين وايران، ضرورة قومية واقتصادية واجتماعية لا بد منها اذا اردنا حياة العز والكرامة للاجيال القادمة


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات