بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> المياه في الجولان >>
بحيرة مسعدة، لغز حير الإنسان
  07/01/2005


بحيرة مسعدة، لغز حير الإنسان

جريدة الاسبوع الادبي العدد 963 تاريخ 25/6/2005، بقلم عز الدين سطاس

بحيرة مسعدة هي البحيرة الوحيدة، الموجودة داخل الجولان بكاملها، وتقع في شمالي المنطقة، على ارتفاع /940/ م تقريباً فوق سطح البحر، يحيط بها تل العمورية من الجنوب الشر قي، وتل المنفوخة من الشرق، وتل الفضول، وتل الخواريط من الشمال الشرقي، ومرج اليعفوري من الشمال، وبلدة مسعدة من الغرب، وتعرف بأسماء أخرى هي: رام ـ ران ـ فيالا، ونسبت مؤخراً إلى بلدة مسعدة، التي تأسست على يد مجموعة من أبناء مجدل شمس، منذ مائة عام تقريباً.‏

وهي بيضوية الشكل، يبلغ الحد الأقصى لطولها، من الشمال إلى الجنوب، نحو /950/م، والحد الأقصى لعرضها، من الشرق إلى الغرب، نحو /600/م، ويتراوح عمق الماء فيها، ما بين /8 ـ 9/م، وتخزن نحو /3/ ملايين م3 من الماء، وهناك من يعتبرها بركة كبيرة، استناداً إلى هذه المواصفات.‏

أبدى الإنسان اهتماماً كبيراً بهذه البحيرة، منذ أقدم العصور، رغم صغرها، ودورها الثانوي في جغرافية الجولان، وتاريخه، واعتبرها القدماء أحد أسرار الكون، فنسجوا حولها الأساطير، في محاولة منهم، تفسير أصلها، وكيفية تشكلها، ومصادر تغذيتها، ومجاري تصريفها، واختلف الباحثون حولها، واحتفظت هي بسر طبيعتها، كعاشقة ترى في الغموض سبيل جاذبيتها.‏

في الرأي العلمي، هناك فرضيتان، تعيد الأولى أصل البحيرة، إلى نشاط بركاني قديم، ويرى أصحاب هذه الفرضية، في هذه البحيرة، فوهة بركانية، لبركان خامد، تطاير سطحه، خلال النشاط البركاني، بفعل ضغط الأعماق، وامتلأت الفوهة بالمياه، ويؤخذ على هذه الفرضية، عدم ظهور الصخور البركانية، حول كامل محيط البحيرة، وحوافها، فهناك صخور كلسية، في الجزء الجنوبي الشرقي من البحيرة، لا علاقة لها بالبراكين.‏

وتذهب الفرضية الثانية، إلى أن البحيرة، بمثابة حفرة كارستية امتصاصية، تكونت نتيجة تحلل الصخور الكلسية في الأعماق، وتشكل فراغ تحت أرضي على شكل كهوف ومغاور، وانهيار سطح هذا الفراغ في وقت لاحق، واعتبرها أصحاب هذه الفرضية جوبة كبيرة، في مجموعة الجبب المنتشرة في شمالي الجولان، وتحديداً في مضلع جباتا الخشب ـ حضر ـ عين فيت ـ واسط. ويسوق كل فريق أدلة وبراهين، تعزز فرضيته، لكنها لا تحسم الجدل.‏

وتباينت الآراء حول مصادر تغذيتها، ومخارج تصريفها، فقد تحدثت الرواية التاريخية عن علاقة، بين البحيرة، وينابيع حضر، ونبع بانياس، وينابيع عين قنية، وعين فيت، ففي هذه الرواية، ألقيت قشور القمح في البحيرة، فظهرت في نبع بانياس، وفيها أيضاً، وضعت كميات كبيرة من الملح في مياه البحيرة، فلوحظ ارتفاع نسبة الملح، في ينابيع عين قنية، وعين فيت، وكذلك ألقيت كميات كبيرة من الملح في ينابيع حضر، فازدادت ملوحة مياه البحيرة، فما مدى صحة هذه الرواية..؟‍!‏

تتطلب فرضية التغذية الخارجية توفر شرطين، يتمثل الأول في فرق الارتفاع، أي أن تكون مصادر التغذية أعلى من البحيرة، في حين يتمثل الثاني في وجود طبقات كلسية، تمتد من مصادر التغذية حتّى البحيرة، ويلاحظ من استعراض المنطقة المرشحة، لتكون مصدر تغذية البحيرة، أن هذين الشرطين متوفران، فالمنطقة أعلى من البحيرة بحوالي /260/ م، كحد أدنى، وصخورها كلسية، ذات طبيعة كارستية.‏

وكذلك تتطلب فرضية التصريف الخارجي عدة شروط، منها: وجود تشققات، وتصدعات في قاع البحيرة، تسمح بتصريف المياه، ووجود مجار تحت أرضية، يمكن أن تجري فيها المياه المتسربة من البحيرة، وفرق ارتفاع، بين البحيرة، وينابيع التصريف، ويفيد استعراض الواقع، توفر شرط التصدع، فقد أكدت الدراسات الأخيرة وجود تشققات في الجزء الجنوبي الشرقي من البحيرة، وكذلك يفيد هذا الاستعراض توفر شرط فارق الارتفاع، فالبحيرة أعلى من أراضي عين قنية بحوالي /140/م، وأعلى من أراضي عين فيت بحوالي /390/م، وأعلى من نبع بانياس بحوالي /615/م، ويبقى عامل الناقل الجوفي محل أخذ ورد، حتّى الآن، رغم القاعدة الرسوبية للجولان.‏

ووفق الدراسات الأخيرة، تتغذى البحيرة من مياه الأمطار، ومن حوض جوفي في المحيط، يزود ينابيع في قاع البحيرة، ويتسرب جزء من مياه البحيرة، عبر تشققات في الجزء الجنوبي الشرقي، وتجري هذه المياه إلى عين الدفلة، في وادي الشيخ محمد، وتنفي هذه الدراسات وجود أية صلة، بين هذه البحيرة ونبع بانياس، إذ يبلغ صبيب بانياس نحو /180/ مليون م3، وهذا يعني أن بحيرة مسعدة غير قادرة، على تزويد نهر بانياس أكثر من ستة أيام، وتؤكد هذه الدراسات أن مياه البحيرة عذبة، إذ تبلغ نسبة الكلور فيها نحو /17 ـ 25/ ملغ/ل الأمر الذي يوضح بجلاء تجدد مياه البحيرة، وبسرعة.‏

وقد نسج القدماء حكايات جميلة حول هذه البحيرة، تعبيراً عن مدى اهتمامهم بها، وعن محاولاتهم الدؤوبة، لتفسير الظاهرات الجغرافية/ الطبيعية، منها أن جبل حرمون شعر في صيف ما، بمفارقة مزعجة، فرأسه بارد، رغم حرارة الصيف، وأقدامه ساخنة، رغم البرد في رأسه، فكيف يحل هذه المشكلة؟!.. خلق البحيرة، ليضع أقدامه الساخنة، في مياهها الباردة.‏

ومنها، أن الغيرة تحركت في أعماق العجوز تل الشيخة، زوجة العجوز حرمون، وانتابتها مخاوف، من أن يقع زوجها، في حبائل نساء أخريات، فاقتلعت إحدى عينيها، ووضعتها في موقع البحيرة، حتّى تستطيع مراقبته عن كثب، وهكذا تحولت عين تل الشيخة إلى بحيرة زرقاء..‏

أيضاً، في هذه الحكايات، توجه قديس إلى حرمون، غير أن عاصفة هوجاء هبت، حين اقترب من قرية، على طريقه، فأسرع إليها هرباً من الهلاك، وبدأ يطرق أبواب البيوت باباً باباً، لكن لا حياة لمن تنادي لم يرحب به أحد، ولم يستقبله، فماذا يفعل..؟!‏

غادر القديس القرية، وهو يصب جام غضبه على أهلها، ويلعنهم، ويلعنها، وتوقف بعد أن مشى مسافة آمنة، ثمَّ استدار، وتأمل القرية من بعيد، ورفع يديه إلى السماء، ودعا أن تبتلع الأرض هذه القرية، عن بكرة أبيها، فانخسفت في اليوم التالي، لتظهر البحيرة الرائعة في مكانها.‏
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات