بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
إدوارد سعيد: الميت الحي
  04/10/2008

إدوارد سعيد: الميت الحي

في الذكرى الخامسة لوفاته يجدر بنا التأكيد على أنّ إدوارد سعيد واحد من كبار مثقفي العالم، وأكاديمي متميّز. ولعل أهم ما يميّزه كثرة كتاباته وتحليلاته المتنوعة، إذ أنّ محطات حياته شواهد صريحة على نزوعه القلق الدائم إلى الانشقاق عن المألوف، كلما تجمّد هذا المألوف وانقلب إلى قواعد دوغمائية مغلقة. فقد كان، في نشاطه الفكري والسياسي، تجسيدا لمفهوم المفكر والمناضل الإيطالي أنطونيو غرامشي لـ " المثقف العضوي " المقاوم بفكره ونشاطه لـ " هيمنة " السلطة الحاكمة، بمختلف أنماطها المادية والسياسية والفكرية.
لقد شكّل إدوارد سعيد الصورة الحضارية الثقافية للشعب الفلسطيني في أفضل رموزها: مثقف عالمي، منحاز للإنسانية وللحق الفلسطيني، لم يقع في فخ العنصرية وتعاون مع اليهود الرافضين للصهيونية، رفض كل الأصوليات العالمية التي تنشر الشك والعنف بين الثقافات، والأهم من ذلك أنه رفض أيضا كل أشكال الفساد والاستبداد وكان من القلة النادرة من المثقفين الفلسطينيين الذين انتقدوا القيادة الفلسطينية.
كما كان ينتمي إلى تلك القلة من المفكرين الذين يسهل تحديد قسماتهم الفكرية الكبرى، ومناهجهم وأنظمتهم المعرفية، ويصعب على الدوام حصرهم في مدرسة تفكير محددة، أو تصنيفهم وفق مذهب بعينه. ذلك لأنه أنموذج دائم للمثقف الذي يعيش عصره على نحو جدلي، ويدرج إشكالية الظواهر كبند محوري على جدول أعمال العقل، ويخضع مَلَكة التفكير لناظم معرفي ومنهجي مركزي هو النقد. ويبدو نقده متحررا من أية مرجعية ثابته، سواء كانت عرقية أو دينية أو ثقافية، فالمرجعية التي يمكن اعتبارها الموجّه لعمله هي الممارسة النقدية الجريئة التي تتعرض لفك التداخل بين الظواهر التي يدرسها.
وفي سياق تعامله مع قضية شعبه لم يرغب في إعادة السرد الفلسطيني على غرار الرواية الصهيونية للشتات والعودة، ولكن تقديم مشروع عميق قائم على رؤية علمانية تسمح بالتعايش بين العرب واليهود في أرض واحدة. وفي سياق هذا المشروع مارس سعيد نقده لإسرائيل، متسائلا في أكثر من مرة عن سبب استثنائها من المعيار العام الذي تتم من خلاله معاملة الدول الأخرى، ورأى أنّ السبب هو عامل " الهولوكوست "، ومع اعترافه بهذا العامل إلا أنه انتقد استغلاله لتبرير اضطهاد وطرد الفلسطينيين. ولكنّ فرادته لا تصدر عن احتضانه هوية واحدة من الهويات المتعددة التي تنطبق عليه، ولا من خلال الجمع بين هذه الهويات على وجه منفصل، واستخدام الواحدة منها أو الأخرى، وإنما من خلال احتضانها جميعها بما أدى إلى إرادة تكرّس هوية متعددة الأبعاد لمثقف كوني، لا يعدم - في الآن نفسه - صلة وثيقة بما هو محلي وشخصي تاريخيا. إذ ثمة في مذكراته، كما في الكثير من مقالاته السياسية، ما يرجح مشايعة الكاتب للوطنية الفلسطينية حل لما ما انفك يتنازعه من حيرة تعدد الهويات المتصارعة، وهو حل انجلى عن إرادة أن يكون فلسطينيا. فلقد كانت هزيمة يونيو/حزيران 1967، وما تلاها من أحداث، بمثابة فرصة سانحة له لكي يحسم أمره ويعلن ولاءه السياسي للهوية الفلسطينية دون أية من الهويات الأخرى، فيما أنه يؤمن بأنّ الهوية بناء ثقافي، ومثلها في ذلك مثل أي بناء ثقافي آخر، هي إعراب عن إرادة قوة ما، فإنه رأى أنّ للمثقف إرادة واعية يمكن الإعراب عنها من خلال الدور الذي يلعبه، وهو كمثقف شاء أن يكون فلسطيني الهوية والولاء.
لقد رفض إدوارد سعيد أن يتقوقع في بيئته الأكاديمية أستاذا مرموقا للأدب الإنكليزي في الجامعات الأمريكية، وفضّل، على رغم ما كلفه ذلك على صعيد المكانة الأكاديمية والسلامة الجسدية، أن يكون مدافعا عن القضية الفلسطينية في قلعة الغرب التي يكثر فيها العداء لحقوق الفلسطينيين، وأن يفكك المفاهيم الزائفة المصطنعة التي بناها الغرب والعرب خلال قرون من الزمن عن نفسيهما وعن الآخر.
لقد نفى إدوارد سعيد أن يكون هناك صراع بين الثقافات، وأكد، اعتمادا على تجربته المعرفية الخاصة، أنّ الثقافات تتلاقح، وتتغذى من بعضها البعض. وتطرق إلى المأساة الفلسطينية، وقال إنه كان ولا يزال يعتقد أنّ التعايش بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي ممكن، وأنّ العمل في سبيل تحقيق ذلك كفيل بأن يجنّب الشعبين ومنطقة الشرق الأوسط المزيد من الفواجع والآلام والدموع. وانتقد العرب والفلسطينيين الذين يعتبرون " الهولوكست " وما تعرض له اليهود خلال الحقبة النازية " خرافة صهيونية "، وقال: إنّ التلذذ بآلام الآخرين لن يفيد الفلسطينيين ولا العرب في شيء، بل هو يشوّه صورتهم أمام العالم.
وهكذا، سيبقى فكر إدوارد سعيد شعلة تنير الدرب الفلسطيني والعربي والعالمي، درب الذين يفكرون ويحاولون بناء عالم لا مكان فيه للإرهاب. ولن يغيب إدوارد سعيد، فالذين يغيبون هم الذين يمثلون الماضي حتى وهم أحياء، أما إدوارد فيمثل المستقبل، لأنه حليف بفكره وإبداعه وأنموذج حياته للمستقبل، ولحب الحياة.
تونس في 28/9/2008 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات