بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
السفينة الفينيقية
  08/10/2008

السفينة الفينيقية

كثير من المعنيين بالشأن الثقافي أصبحوا يعلمون بأن هناك مشروعا رائداً قد تبنته الأمانة العامة لاحتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية بالتعاون مع (الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية) لبناء سفينة في جزيرة أرواد السورية,
بذات المواصفات التي كانت للسفن الفينيقية قبل ثلاثة آلاف سنة, ومن المواد نفسها التي كانت تستخدم من قبل الفينيقيين في ذلك الزمان الغابر, وأن تقوم هذه السفينة بعد إتمامها بالاقلاع من ميناء آرادوس (أرواد حالياً) الى مرافىء البحر الأبيض المتوسط واحداً تلو الآخر, لكي تنهي رحلتها في موانىء جزر القصدير (أي بريطانيا الحالية).‏
والغاية من الرحلة هي( إعادة التذكير بالحضارة العربية) وبأن العرب كانوا رسل حضارة متقدمة مسالمة منذ حضارة الفينيقيين (1500-500 ق.م) حتى أيامنا هذه.‏
وبقدر ما كانت الكلمتان اللتان تم نشرهما في جريدة (الثورة) بتاريخ 2/6/ 2008 و3/6/2008 دقيقتين ومعبرتين بقدر ما كانت بعض التغطيات الاعلامية الأخرى غير موفقة من حيث الملاءمة بين المعطيات التاريخية والدعاوة الاعلامية.‏
وأخص بالذكر هنا تلك التغطية التي قدمتها إذاعة (مونت كارلو الدولية) يوم الخميس 29/5/2008 لهذا المشروع الثقافي الضخم, حيث استضافت هذه الاذاعة السيد جهاد المقدسي, الناطق الرسمي باسم السفارة السورية في لندن, فقال هذا إن السفينة يجري بناؤها في جزيرة أرواد حالياً (وهذا صحيح), وإن بناءها يتم على يد صناع مهرة يقلدون قدماء الفينيقيين في صناعتها وهذا صحيح أيضاً. وإن رحلتها البحرية ستتم هذا الصيف من أرواد الى لندن (وهذا صحيح كذلك). ولكن غير الصحيح هو قول السيد المقدسي إن الفينيقيين قد عاشوا قبل زمننا هذا بستة آلاف سنة (الصحيح بثلاثة آلاف سنة), وأنها ستبحر في ذات الطريق التي كانت تتبعها السفن الفينيقية أي من أرواد الى محباسا (في كينيا), ومنها الى كيب تاون (في جنوب أفريقيا) لتصل أخيراً في نهاية المطاف الى لندن.‏ وهذا الرأي يخالف المعطيات التاريخية بشكل خطير, فالفينيقيون بحسب رأينا المتواضع لم يضعوا أقدامهم يوماً على الساحل الشرقي لأفريقيا, الذي مخر عبابه شعب عربي آخر هو اليمنيون والعمانيون الذين كانوا يبحرون بشكل منتظم من مسقط الى المُكلا وعدن, ومن هذه الذخيرة الى ممباسا (في كينيا حالياً) وجزر القمر ثم دارالسلام وجزيرة زنجبار (في تنزانيا حالياً). وأما مدينة (كيب تاون) فلم تكن موجودة على خريطة العالم في زمن الفينيقيين.‏
ومن المعروف أن رأس الرجاء الصالح, الذي تقع هذه المدينة قريباً منه, لم يطف به أحد قبل البحارة البرتغاليين (مثل فاسكوده غاما) في نهاية العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة, لذا فالادعاء بأن الفينيقيين قد طافوا حوله شرقاً هو ادعاء في غير محله!‏ والحقيقة هي أن الفينيقيين كانوا يبحرون من آرادوس (أرواد حالياً) أو بيبلوس (جبيل), أو تيروس (صور), أو صيدون (صيدا) جنوباً الى مدينة باليوليميسو (التي كانت على مقربة من مدينة بور سعيد الحالية), ومنها يبحرون غرباً الى مدينة ليبنا (في ليبيا حالياً), ومنها الى مدينة قرطاجة التي أنشأتها ملكتهم إليسار ومنها كانوا يبحرون أيضاً الى مرفأ بونة (عنابة) ثم مرفأ إيكوزيوم (الجزائر العاصمة) حالياً. ومن هذا المرفأ الأخير كانوا يبحرون في واحد من اتجاهين:‏
- الأول نحو الشمال حيث يزورون قرطاجنة (أي قرطاجة الجديدة على الساحل الشرقي لإسبانيا) ومنها الى جزر المتوسط جزر الباليار, صقلية, كورسيكا, سردينيا) ويحطون رحالهم أخيراً في مرفأ ماساليا (مرسيليا حالياً).‏ والثاني نحو الغرب باتجاه مرفأ طنجة, ثم يعبرون أعمدة هرقل (مضيق جبل طارق حالياً), ومنهم ينحدرون باتجاه الجنوب حتى يصلوا الى الأرض التي كانت تسمى (شاطىء الذهب COAST OF GOLD) , وهي أرض دولة غانا حالياً, ولم يعرف عن الفينيقيين أنهم تجاوزوا الى ما هو أبعد من هذه الأرض جنوباً وهم لم يصلوا قطعاً الى رأس الرجاء الصالح. وكانوا أحياناً يتجهون, بعد اجتيازهم مضيق جبل طارق الى مرفأهم شبه الدائم في مدينة (قادش) على الساحل الأطلسي الاسباني, ومنه كانوا يتجهون شمالاً حتى يصلوا الى جزر القصدير (بريطانيا حالياً)!‏
- واستناداً لما أوردناه أعلاه يبدو لنا بوضوح أن الفينيقيين لم يصلوا الى الشاطىء الشرقي لأفريقيا, ولم يدوروا حول رأس الرجاء الصالح, ولم يتعدوا موقع دولة غانا كأقصى محطة وصلوها على الشاطىء الغربي (وليس الشرقي لأفريقيا).‏
ونحن إذا كنا نؤمن بفائدة مشروع السفينة الفينيقية لإثبات مكانتنا في سجل المنجزات الحضارية على مرّ العصور وإذ نحيي الأمانة العامة لاحتفالية دمشق عاصمة للثقافة, لنرجو من لجنة الاشراف على هذا المشروع الرائد, أن تهتم برسم خط السير الملاحي الذي ستتبعه السفينة الفينيقية بكل دقة, وذلك بالاقتصار على المرافىء التي أنشأها الفينيقيون, أو كانوا يمرون بها في رحلاتهم, وهي جميعاً موجودة في البحر الأبيض المتوسط وجزره من جهة, وسواحل الأطلسي بين أرض الذهب (غانا) جنوباً, وجزر القصدير (بريطانيا) من جهة ثانية, وكل ما يخرج من ذلك سيكون من قبيل (العبث السياحي) على حساب (الحقائق التاريخية)!.
الثورة‏

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات