بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
نشأة قرطاج بين الأسطورة والتاريخ
  26/10/2008

نشأة قرطاج بين الأسطورة والتاريخ

 عندما تندثر حضارة ولا تترك وثائق تدلنا على تاريخها، تضيع الحقيقة وتكثر التأويلات، وتُنسج الأساطير. وهذا ما وقع لحضارة قرطاج رغم توغلها فى التقدم على كل الواجهات.
فما نكاد نفتح كتابا عن نشأة قرطاج إلاّ وتصدمنا الوثائق المعتمدة عن سرد ذلك التاريخ برائحة العداء، ولهجة التهكم والتحقير، وبلاغة المغالطات المفضوحة، والسقوط فى التناقضات الغبية.
كيف يمكننا أن نفهم أنّ الحضارة التى أتت بالكتابة، ورسّخت استعمال التوثيق ومسك دفاتر المحاسبة، وأرشيف التقارير، هذا كله حسب أقوال أعداء قرطاج، ومع ذلك لم تترك سطرا واحدا يدلنا على ضوابط تاريخها، سوى نقائش المقابر مبعثرة فيها أسماء وتواريخ لا يمكن بأى حال أن تضبط بالدقة التى يوفرها النص المكتوب من قبل المؤرخ.
وعندما نحاول التعرف على مراحل بداية تلك الحضارة، نصطدم بضبابية يصعب الرؤية الثاقبة من خلالها. فإن كان تاريخ ميلاد قرطاج قد أجمع عليه جل المؤرخين، 814 قبل ميلاد المسيح، فإن ضبط هذا التاريخ لم يأت من خلال قراءة وثائق قرطاجية، بل عبر قراءة وثائق مختلفة متأتية من جهات عديدة من آشوريين، الذين احتلوا مدينة صور بعد ذلك التاريخ بقليل.
ومن صوريين "سكان مدينة صيدا" الذين عرّفونا على تواريخ ملوكهم فى تلك الفترة، وإغريق الذين كانوا يترصدون أخبار رحلات الفينيقيين إلى الجهة الغربية من حوض البحر المتوسط.
لقد كانت الأطماع الآشورية فى بداية القرن التاسع قبل ميلاد المسيح تتجه نحو احتلال موقع على ضفاف البحر المتوسط، وكانت المدن الفينيقية: صور وصيدا وبيروت وغيرها معرضة لذلك الاجتياح الذى لم يتأخر كثيرا.
وكان ملك صور، ويدعى متّان، على بينة بتلك الأطماع، ويعرف جيدا ما تعنيه الأطماع الأجنبية، بما أنّ المنطقة عانت الاحتلال المصرى خلال الألفية الثانية قبل الميلاد.
حذر إذن الملك متّان خليفتيه: ابنه بجماليون وابنته علّيسة من مغبة التهاون فى تسيير دفة الحكم، فأوعز إليهما بتقاسم الحكم بعد وفاته، لأنه كان يعلم ما تتحلى به عليسة ابنته من خصال عالية.
فهى حسب الأسطورة كانت تتمتع بجمال فائق وذكاء متقد، وبعد نظر فى الحكم على الأشياء. بينما كان ابنه بجماليون حسب الأسطورة غليظ الطباع، مغاليا فى الاعتداد بنفسه، شديدا فى الحكم.
أما وثائق التاريخ، حسب ما قرأه بعض المؤرخين، فنعثر فى حوليات الملك الآشورى سلمانآزار الثالث أنه يوجد فعلا ملك يدعى متّان حكم صور فى حوالى سنة 825 قبل الميلاد وهذا التاريخ لا يبعد إلا بعشر سنوات عن تأسيس قرطاج.
ولمّا كانت الأسطورة تتفق مع هذا التاريخ وتلك الأسماء فقد أُعتمد بعضها لتحديد نشأة مدينة قرطاج. مع العلم أنّ الحفريات الأثرية فى قرطاج الحالية لم تعثر على أى أثر لتلك الحضارة بما يفوق تاريخ القرن الثامن قبل الميلاد.
ويعرف الجميع أنّ مدينة قرطاج البونية قد وقع حرقها تماما، وبُنيت على أنقاضها بعد قرون مدينة قرطاج الرومانية. وربما نتيجة لهذا الوضع ضاعت الآثار القديمة التى ترجع إلى القرن التاسع قبل الميلاد وهو القرن الذى أُنشئت فيه مدينة قرطاج.
نعود إلى الأسطورة فنقرأ أنّ الملك بجماليون بعد إن اعتلى عرش صور، لم يحترم وصية أبيه، ولم يسمح لأخته عليسة من مشاطرته الحكم، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، فقد قتل زوجها ذاكربعل القائم على الشؤون الدينية فى مملكة صور.
وبالطبع لا توجد وثائق تدعم هذه الأحداث سوى أنّ بجماليون اعتلى سدّة الحكم بعد وفاة أبيه الملك متّان. لكنّ الأسطورة، وهى من نسج خيال المؤرخين الإغريق، تتفق وتصوّرتهم فى نشأة المدن، حيث أنّ المتداول عندهم أن يكون فى البداية الخلاف على الحكم، يعقبه الاغتيال والدسائس، ثم الفرار والتألق خارج حدود الوطن.
وطبقا لهذا التصور، تفرّ عليسة من جحيم الحكم الجائر الذى فرضه أخوها على رعاياه، وتأخذ معها بعض أعيان صور، أيضا الثروة الهائلة التى كان يتمتع بها زوجها بما أنه كان القائم على شؤون المعابد فى بلد كانت تحكمه الشعائر الدينية.
لكن المحللين للتاريخ، والعارفين بطبيعة الهجرات الفينيقية عبر المتوسط يقولون إن الصورة التى أعطاها المؤرخون الإغريق لا تتفق مع واقع نشأة المستوطنات الفينيقية، حيث أنّ تكوين هذه المستوطنات يستجيب إلى حاجة اقتصادية وسياسية فى المقام الأول، وأنّ الطريق التى حددها هؤلاء المؤرخون لا تتفق مع المسالك التى كان البحارة الفينيقيون يتخذونها للوصول إلى الضفة الغربية للمتوسط.
تقول الأسطورة إنّ عليسة وصحبها قد استولوا على باخرة الملك بدعوى أنّها تساعدها على العثور على ثروة زوجها التى أخفاها، والتى كان بجماليون متلهفا عليها، وانطلقت الرحلة نحو جزيرة قبرص، ومنها إلى إفريقيا وجهتها الأصلية.
بينما الطريق التى كانت تسلكها السفن الفينيقية لا تمر بقبرص بل تتجه إلى الشمال متبعة الشواطئ والجزر اليونانية ومنها إلى جزيرة صقلية "حيث الوجود الفينيقى كان كثيفا فى تلك الفترة".
ثم تواصل تلك السفن طريقها إلى جزيرة سردينيا ثم جزر الباليار فبلاد الأندلس، ومنها تتجه إلى شواطئ إفريقيا عائدة إلى الشرق عبر السواحل الليبية والمصرية.
إذن لم تكن البواخر التجارية الفينيقية تتجه مباشرة إلى إفريقيا عبر صقلية بل تعود إليها مرورا بمضيق جبل طارق، وكان يدعى فى تلك الفترة أعمدة هرقل.
والأسطورة الإغريقية تريد إخضاع الواقع التاريخى إلى التصور الثقافى الإغريقى فجاءت بقصة محطة قبرص، وخطف 80 امرأة كن يمارسن البغاء المقدس، وهى عادة شرقية قديمة، لم تعد سارية فى ذلك العصر.
ونرى هنا كيف أنّ المؤرخين الإغريق يحاولون التشهير بالفينيقيين من خلال التأكيد على الطابع المتوحش لعاداتهم وتصرفاتهم. "حول البغاء وخطف النساء". وفى أسطورة أخرى حول سفرة عليسة من صور إلى قرطاج يروى فيرجيل فى الإلياذة قصة وقوع عليسة فى حب أمير إغريقى يدعى إيناز، رافقها إلى قرطاج ثم اختفى وترك عليسة تصطلى بلوعة الشوق التى دفعتها إلى الانتحار، فرمت بنفسها فى النار.
هذه الأسطورة ألهبت خيال الأدباء فى القرون الوسطى وحتى فى القرن التاسع عشر فألفوا المسرحيات والأوبرآت تخليدا لذلك العشق الشرقى الجنوني. لكن التاريخ لا يعترف بهذه الأساطير.
مع أنّ حرق عليسة ظلّ عالقا بالقرطاجيين، بل ذهب المؤرخون المعاصرون، فى بداية القرن العشرين إلى التأكيد على أنّ القرطاجيين كانوا يحرقون الأطفال تقربا من آلهتهم. والغريب أنّ هذا التشنيع بالقرطاجيين ظلّ ساريا حتى بعد اختفائهم من الساحة الدولية بعد أن قضت روما على الوجود القرطاجى فى المتوسط، مستعملة وحشية وصفها المؤرخ اليونانى بوليبيوس، وكان مصاحبا للجيش الروماني، بالمجزرة التاريخية.
ومن قديم الزمان، فإنّ التاريخ الذى يكتبه الغالب لا يكون أمينا، فإن كل ما قيل حول القرطاجيين من فظائع يدخل فى خانة "البربقندة" المغرضة. وهذا ما نلاحظه حتى فى العصور الحديثة، فإنّ المؤرخين المعاصرين شوهوا ماضى تلك الشعوب وبالتحديد فى منتصف القرن التاسع عشر وخلال فترة استعمار شعوب شمال إفريقيا.
وحتى ندرك الواقع التاريخى لا بدّ من الرجوع إلى الأوضاع الجغراسياسية التى كانت سائدة فى تلك الفترة أى حوالى سنة 814 وهو تاريخ نشأة قرطاج.
كانت المدن الفينيقية أثناء القرن التاسع قبل الميلاد تعيش على التجارة التى توفرها لها المستوطنات المترامية الأطراف على ضفاف المتوسط فى كل من صقلية وسردينية والبليار وإسبانيا وإفريقيا.
ومع وصول الآشوريون بدأ كثير من التجار وأغنياء هذه المدن يفكّرون فى مغادرة البلاد واللجوء إلى تلك المستوطنات. وعندما أصبح الاحتلال الآشورى جاثما على تلك المدن، وكانت إفريقيا فى تلك الفترة بعيدة عن كل الصراعات، والأطماع، الإغريقية خاصة، لكن الصدام مع الإغريق سيحصل عندما يعظم شأن قرطاج، فوقفت فى وجه الإغريق فى ليبيا، وصقلية، وإسبانيا، لتحد من تواجدهم.
فى تلك الأثناء قرر بعض التجار الفينيقيين من مدينة صور إنشاء مستوطنة جديدة فى إفريقيا تكون همزة وصل بين شرق وغرب المتوسط، قريبة من صقلية التى كان الفينيقيون يتقاسمون ملكيتها مع الإغريق، وتكون أيضا قريبة من الطريق التقليدية التى تسلكها سفن التجارة الفينيقية.
هكذا صارت قرطاج، قرط حدشت، المدينة الجديدة، مشروعا اقتصاديا وربما حضاريا، يعوّض ما خسره الفينيقيون مع الاحتلال الآشورى والفوضى العامة فى الشرق الأوسط نتيجة التطاحن والحروب التى اجتاحت المنطقة فى تلك الفترة من تاريخها.
قرطاج على بعد 250 كلم من صقلية، قرطاج حوض بحرى مستقر، بحر هادئ ومناخ لطيف، بعيدا عن الصراعات فى الشرق وعن المد اليونانى فى الغرب. وقرطاج قريبة من المستوطنة الفينيقية، أوتيكا، أو عتيقة، أو وتيكة.
تعددت الأسماء والمستوطنة واحدة، مدينة على البحر أسسها الفينيقيون سنة 1101 قبل الميلاد على الشاطئ الإفريقى لا تبعد سوى 15 كم عن قرطاج. هذا ما يمكن أن نستخلصه من قراءة الأحداث التاريخية التى جرت فى تلك الفترة والتى دفعت بإنشاء "قرط حدشت" تلك التى ستصبح أكبر مدن البحر المتوسط، وتعيد مجد الفينيقيين، بل ستضطلع بمهمة إدخال شعوب شمال إفريقيا إلى المدنية.
السؤال الذى ما انفكّ يؤرق المؤرخين هو: لماذا لم تترك هذه الحضارة العظيمة التى علّمت سكان البحر المتوسط فنون التجارة والإدارة ومسك الحسابات، شيئا مكتوبا يدلنا على تجربتها الثرية فى ميادين كثيرة من العمران؟
لم أقرأ إلى حد اليوم جوابا شافيا عن هذا السؤال المحير. هل يعقل أن تكون الحضارة التى ابتدعت النظام الجمهوري، وابتكرت المجالس الاستشارية، وانتخاب المسؤولين عن السلطة التنفيذية، ومحاسبة قادة الجيش بعد نهاية كل حرب، لم تسجل تاريخها، ولا كتبت علومها؟ هل يعقل وهى التى كان لها باع فى صناعة السفن، وسبك المعادن، وعلوم الزراعة، حتى أنّ عدوتها، روما، اضطرت لترجمة كتاب الزراعة للعالم القرطاجى ماغون، ذلك الكتاب على ضخامته ، إلى اللغة اللاتينية؟
الغريب أنّ قراءة تاريخ قرطاج يستشف من خلال تاريخ روما. لم يكتب المؤرخون القدامى تاريخ قرطاج أبدا، بل كتبوه وهم يتحدثون عن صراع روما مع قرطاج. وكتب الإغريق تاريخ قرطاج وهم يتحدثون عن صراعهم معها.
فلماذا تطلب من مؤرخ مأمور مثل بوليبيوس، وهو المؤرخ الوحيد الذى ساير حرب روما الأخيرة على قرطاج، أن يعطيك صورة حقيقية عن الحضارة القرطاجية، بينما روما تسعى بكل الوسائل أن تجعل من شعب قرطاج، "شعبا همجيا، لا دين له ولا ثقافة، أهله متوحشون، شديدو الطمع، أشحاء، لا يتوانون فى نسج الحيل للإيقاع بمن يتعامل معهم.
وليس لهم عهد ولا ميثاق، يتنكرون للمعاهدات، ولا يصادقون أحدا، ولا همّ لهم سوى جمع المال وتكديسه..." هذا ما يقوله المؤرخون الرومان عن القرطاجيين. ومع الأسف أننا لا نعرف ما كانت البربقندا القرطاجية تقول عن الرومان فى ذلك العصر.
لكننا نعرف أنّ لقرطاج معاهدات سلم وحسن جوار مع روما، ولها اتفاقيات لتقاسم النفوذ فى المنطقة. كما نعلم أنّ القرطاجيين هبوا لنجدة روما فى حربها مع الأترسكيين وكذلك مع الإغريق. هذه المعلومات وثّقها الرومان وكذلك الإغريق.
كما نعلم أنّ حنبعل قد قاد تحالفا أوروبيا إفريقيا عند مهاجمته روما فى عقر دارها. ونعلم أشياء أخرى تدل على أنّه كانت بين شعوب البحر المتوسط تبادل، ومصالح، وصراعات، كما هو الشأن بين كل شعوب الدنيا.
وقد أكّد كل المؤرخين، وهم أعداء قرطاج، أنها كانت عظيمة الشأن قوية البنية، تملك ثروات طائلة، وتصدر إلى جل بلدان المتوسط الحبوب والزيت والخمر بكميات هائلة. إنّ شعبا ينتج كل هذه الخيرات لا يمكن أن يكون همجيا، ولا جاهلا. لكن تاريخه لم يصلنا منه إلاّ ما جاد به أعداؤه !
نعود إلى سؤالنا: كيف يمكننا اليوم وقد مضى على آخر الحروب الرومانية البونية أكثر من ألفين ومائة وخمسين سنة أن نكتب تاريخ قرطاج بعيدا عن الأحقاد التى تفننت روما فى زرعها لدى كل الشعوب التى احتلتها وهيمنت عليها حالما أزاحت غريمتها التاريخية قرطاج؟ كيف يمكننا أن نتخلص من أدبيات الاستعمار الحديث الذى أعاد كتابة تاريخ قرطاج بأكثر وقاحة من الرومان أنفسهم، مستعملا البربقندا الاستعمارية لتحقير الحضارات الشرقية من أجل ترسيخ المركزية الأوروبية؟
لقد أمر موسيلينى أثناء حكمه الفاشى قبيل وأثناء الحرب العالمية الثانية، أن يُنتج شريطا عن الحرب الرومانية القرطاجية الأخيرة، وكان الشريط نسخة مشوهة مما كان الرومان يبثونه من دعاية ضد القرطاجيين. كان لموسلينى أطماع استعمارية بدأت باحتلال إثيوبيا وليبيا، ويحلم بالزحف على تونس ليحقق ما حققه شيبيون فى هجومه على مدينة قرطاج.
حتى لا يعيد التاريخ نفسه، علينا أن نعيد قراءة التاريخ، ونتمعّن فى أطواره ومراحله. لأنّ تاريخنا لا يمكن أن تترك كتابته لغيرنا.
*العرب أونلاين ـ الهادى ثابت/ كاتب من تونس
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات