بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
نوال السعداوي: بكيت لسماعي اللغة العربية على أرض دمشق
  09/11/2008

نوال السعداوي: بكيت لسماعي اللغة العربية على أرض دمشق

حطت قدماها أرض دمشق ذرفت دموعها العزيزة لأنها منذ سنتين ونصف لم تسمع كلاما عربيا, سارت بشوارع دمشق بكل محبة وبساطة.
احتفل بها المارة في الشارع يقبلونها ويطالبونها بالحضور إلى الجامعة ليسمعوها. عبرت خلال اللقاء عن سعادتها وعند سؤالهاعن الوطن قالت: وطني اللغة العربية.‏
إنها الطبيبة بامتياز من مستشفى القصر العيني - قسم الأمراض النفسية - الذي هجرته منذ سنين طويلة. لأنها عجزت عن الاقتناع بآراء استاذ القسم آنذاك.‏
ما كان يصدمها في أعماق روحها الصدمات الكهربائية التي تعطى لكثير من المرضى في ذلك المشفى‏.
بعد 18 عاما عادت إلى قسم الأمراض النفسية بكلية عين شمس.‏
ووجوه - الفاطمات - والعائشات كما تقول: اللاتي قابلتهن في عيادتها أو المشفى أو البيت لم تفارقها عيونهن البائسة كأنها تلح عليها أن تفعل شيئا أي شيء.‏
فلم يكن أمامها إلا العلم يقف بوجه الجهل الذي سبب لهن كل هذه المآسي التي أوحت لها بالقيام ببحث لمعرفة حقيقة المرأة روحيا وجسديا. في موضوع المرأة والرجل في مجتمعاتنا العربية وجدت د. نوال أنها تسير على أرض مليئة بالألغام من عادات وتقاليد ليس لها علاقة بالدين.‏
الدين عند د. نوال لا يفرق بين انسان وانسان - رجل وامرأة أبيض وأسود - غني وفقير.‏
تقول: الدين لا يقول للناس اكذبوا - عيشوا بازدواجية - شخصية تمارس الخطأ في الظلام وأخرى تظهر العفة أمام الناس, الدين كما تصفه الحب والعدالة - والحقيقة إيمانها بهذه الحقائق جعلها تطرح أفكارها بكل قوة متحدية كل خوف لأنها عاشت ضمن أسرة بالفطرة لا تعرف الخوف ولم تحتضنه. رضعت من أمها الفلاحة حليب البساطة وتعلمت من جدتها كيف تصبح امرأة حرة ومن والدها حرية الفكر.‏
للحديث عن هذا كان الحوار التالي مع الطبيبة والمفكرة المصرية العربية د. نوال السعداوي.‏
هذه الأسرة البسيطة ما مدى الأثر الذي تركته في عقل وفكر نوال الطفلة?.‏
تقول: والدي تعلم بالأزهر وكان واسع الأفق يعارض عندما يرى شيئا لا يتناسب حتى أنه نفي .‏ والدي منذ كنت طفلة قال: يا نوال لا تخافي من أحد حتى مني لأن الذي يخاف من أبيه يخاف من المدرس ثم يخاف من الوزير ثم يخاف من رئيس الدولة بالتالي يصبح جباناً ومنافقاً قال لي: الذي يخاف يموت مئات المرات كل يوم والشجاع يموت مرة واحدة فقط.‏ قال لي (حاجات كثيرة)‏ جدتي الفلاحة الفقيرة - علمتني (حاجات) كانت ثورجيه, متمردة على العمدة والانكليز.‏
وأنا طفلة تأخذني معها إلى دوار العمدة - تناقشه - يقول لها (ازاي تكلميني كده- أنت جاهلة لا تعرفي القرآن, قالت له (أنا ما قرأت لأني أمية - لكن أعرف ربنا أكثر منك يا عمده لأن ربنا عرفوه بالعقل).‏
كل هذا كان بالنسبة لي أول درس في الإسلام ربنا هو العدل - الحرية - الأمانة - والإخلاص منذ طفولتي تعلمت هذا فلم أكن أهتم لأي أحد - أقول رأيي في كل مكان وزمان.‏
ما تأثير حرية الرأي التي تقودك إلى النقد على حياتك الشخصية?‏
فقدت الفلوس أنا لست امرأة غنية أنا بسيطة جداً.‏ أفقدني مناصب في الدولة كان يمكن أن أكون رئيسة وزراء أو أي منصب لو قلت حاضر, ونعم, لكن بسبب بناء طفولتي على هذه الأسس أصبحت حياتي كد - أعيش بشخصية واحدة - لا أستطيع أن أنافق على حساب الشأن العام.‏ الحياة مع جدتي وأمي وأبي علماني أن أقول رأيي لو وضعوا السيف على رقبتي.‏ الكتابة أصبحت في دمي - مع أني أحب الطب النفسي لأنه (مزاجي أنا) لكن كتابة الرواية بالذات شيء مهم بحياتي.‏
عشت خلف القضبان في عهد الرئيس أنور السادات?‏
لأن معظم كتاباتي ناقدة في عهد السادات كانت كتبي ممنوعة - كنت أنشرها في بيروت فسجنت.‏ السجن مدرسة علمتني أنه يجب أن أدخل السجن لأتعلم - النتيجة أنجزت أهم كتبي واسمه (مذكراتي في السجن).‏ كنت بسجن وقضبان أما الآن - فأنا بسجن بلا قضبان - بعض كتبي مسموحة في عهد الرئيس مبارك وبعضها لا.‏
الابداع والحرية لهما ثمن يجب أن ندفعه لنتحدث-أنا دفعت عمري لاتكلم وأعبر عن رأيي لماذا سأسكت الآن لن أغير نفسي أنا أنتقد جورج بوش بوسط جامعات امريكا أنا لست من الذين يغيرون حسب المكان والمصلحة.‏
ما مدى حاجة الأمة لمفكرين قاده شجعان وليسوا منقادين?‏
الأمة العربية بحاجة لنهضة فكرية خطيرة مفكرين شجعان ليسوا منافقين معظم من يدعون أنهم نخب عربية مثقفة - منافقين - تصفق للحكومات مقابل الحصول على منصب مهم أو جائزة على حساب مصالح الشعب.‏ عندما ينهار المفكرون ينهار الفكر وينهار الوطن.‏
كدت تفقدين الجنسية المصرية?‏
لأني أقول رأيي بكل بساطة فكتبت مؤخرا مسرحية اسمها (الإله يقدم الاستقالة) اعتبرها أدعياء الدين المنافقون أنها نقد (للذات الإلهية) أعتقد أن التدين أصبح فتنة سياسية وتجارة بالدين والدين الحقيقي منهم براء هذه الفئة تعمل ضد المفكرين والأدباء وضدي لأني مفكرة أصدهم بالحجة أقول لهم: أنتم تمسكون السلاح لأنكم عاجزون عن التفكير طبعا هناك جناح يدعم هذه التيارات الخطيرة التي أثارت قضية سحب الجنسية المصرية مني ولأن القضاء المصري بخير وجد قاض في مجلس الدولة عنده ضمير فرفض القضية.‏
وقال: الدكتوره نوال - مفكرة - تكتب بجدية والدستور المصري يحمي هذه الحرية لذلك حكم بالبراءة. استطيع الآن أن أعود إلى مصر بعد ثلاثة أشهر بعد غياب سنتين ونصف عن أرض الوطن.‏
المرأة المكبوته جسدياً حكما ترينها مكبوتة فكرياً الكبت الجسدي بالضرورة هو أيضاً كبت فكري لأن الجسد والعقل والروح لا ينفصلون‏
أنا أتكلم معك بجسدي وروحي وعقلي وأن التقسيم يضعف النفس مثلا فقدان الحب يسبب الأمراض النفسية لأن كبت أي عنصر من عناصر النفس الحقيقية تجعل النفس الإنسانية بحالة تصارع الجزء الحقيقي الذي يريد أن يعبر بصدق مع الجزء الذي يزيف نفسه خوفا من المجتمع.‏
العلاقة الأسرية?‏
معظم هذه العلاقة تقوم على الخوف والطاعة لا تقوم على المناقشة والحرية والحب لأنهم يتصورون أن الشدة والتخويف ضروريان لتربية البنت أو الولد للحصول على الطاعة التي اعتبرها صحة نفسية مزيفة ومريضة.‏
تنتفضين للظلم سواء للرجل أو المرأة بشكل خاص لكن المرأة التي تدافعين عنها تهاجمك أحيانا?‏

أنا أحزن لجهلها وخوفها أنا أحارب من قبل النساء الجاهلات فهن دائما مذعورات من الطلاق من تهمة الالحاد وبعضهن يقلن »أنا معك ولكن لا تقولي لزوجي أو مديري أو مجتمعي).‏
كان وجودها وابتسامتها وبساطتها ووضوحها كنسمات صيف رطبة تخفف خشونة الرسميات والبروتوكولات التي جعلتني أرى تلك الشخصية التي تعيش وتتعامل بكل صدق ونبل وبين شخصيات أخرى بادية الازدواجية والتصنع على كل ما نبديه.‏
قطعت هذه الزائرة العزيزة مسافات تقاس بزمن 20 ساعة طيران ارهقت جسدها الشامخ النقي.‏
أمضت 60 عاما تناضل لترى عالما قد لفظ الظلم والفساد طالبت بالعدل والحرية والانسانية على الأرض أرادت إزاحة الستائر السوداء عن فكر الرجل والمرأة لتطلق العنان لإبداعه من المؤلم أن ثلاث جامعات أمريكية وأوروبية تتعاقد معها لتدريس مادة الابداع والتمرد ولم تتعاقد معها أي جامعة عربية بالرغم من أنها ومن خلال مقابلة تلفزيونية لها أبدت استعدادا للتدريس في أي جامعة عربية مجاناً.‏

زكية علي الطحيني
المصدر: الثورة


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات