بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
ويا وطناً بالحب نكسو أديمه!
  22/11/2008

ويا وطناً بالحب نكسو أديمه!

بقلم: حنا مينه

ناظم حكمت أوصى ابنه محمد: كن في دنياك كأنك في بيت أبيك، لا كمستأجر عابر للبيت.
هذه الكلمات قد لا تكون، تحديداً، هي نفس كلمات ناظم، إلا أن المعنى هو ذاته، فالشعر حين يصير نثراً، تُلوى رقبته، وإني لمذنب، حين ألوي كلمات هذا الشاعر الكبير، في نثر أردته تعبيراً عن حقيقة كبيرة، هي أن نستشعر دائماً، أننا لسنا، في دنيانا، وخلال عمرنا، بمستأجرين ومن الرُحّل في الناس، وإنما ان نعيش عمرنا كأننا في بيت أبينا، وأن نعمر هذا البيت، نجعله أجمل وأفضل، صامداً في وجه نائبات الحياة! ‏
هذه ثقافة من الثقافة، ولطالما تلقينا، بامتنان، فُتات مائدتها العامرة من هذا الشاعر أو غيره، غير أن التلقي، هنا، لم يكن مباشراً، لم يكن فجاً، لم يكن وعظاً، كان أمثولة كبيرة، في ألفاظ قليلة، مؤداها ألاّ نمر في دنيانا مرور الكرام، بل أن نعيشها بعمق، لمجرد أنها دنيانا، بيت أبينا، وما يتطلبه بيت الأب من إقامة، وعمل، ونزوع نحو الأفضل، لنتركه لأولادنا من بعدنا، عامراً كما تركه لنا آباؤنا، ونضيف إليه إعماراً ما وسعنا ذلك. ‏
هكذا يكون التثقيف، نصيحة شعرية، يكون قولاً مأثوراً، يكون مثلاً طيباً، ويكون، في المحصلة، نافذاً ومفيداً، كالشجرة المباركة، التي تزهر، وتورق، وتعطي ثمراً لذيداً، نتذوقه بشهية، ورغبة في المزيد، عاملين على غرس أشجار مماثلة، لنا ولغيرنا. ‏
لقد قلت، أكثر من مرة، ان الثقافة تُجتنى من الكتب والناس، وإن اجتناءها من الناس هو الأرسخ في الذهن، والأبرز في التعاطي، والأقوم في التمثل، لأنه ناتج تجربة، وما في التجارب من معاناة، مبهظة أحياناً، مفيدة في كل حين، لا تتأتّى لنا إلا من العيش بين الناس، ومعرفة مشكلاتهم، أوجاعهم، حاجاتهم، وتطلعاتهم إلى الأرقى أبداً! ‏
ساقني إلى هذا الكلام، الذي أرجو أن تكون فيه متعة ومعرفة، انني حين كنت لاجئاً وعاملاً في الصين، تعرفت ذات يوم، برجل من أميركا اللاتينية، أحمق قليلاً، لذلك كان يصطحب معه زوجته، وكتابين واحداً له والآخر لها، ويفرض عليها أن تقرأ مادام هو يقرأ. وقد أقسَمَتْ لي الزوجة المسكينة، أنها تفتح الكتاب فلا تقرأ شيئاً، لانعدام الرغبة في القراءة حين تكون قسرية، وإذا هي قرأت لا تفهم وانها تخفي ذلك عن زوجها كيلا يتشاجرا! ‏
وذات ليلة صيف، وفي الصين يهطل المطر مدراراً صيفاً، صادف أن كانا في مقهى على سطح الطابق السادس، وكانوا يسمونه «الروف» كما اعتادوا بالانكليزية، وكان الزوج والزوجة في مقعدين طولانيين للراحة، يفتحان كتابيهما كالعادة، ليتثقفا بالأساطير الصينية، وإذا بمطر صبيب يهطل، فيتراكض الناس إلى الداخل، وتهم الزوجة بالنهوض، فيطلب منها زوجها أن تبقى، وان تثابر على القراءة، وتهم ثانية فيزجرها ثانية، إلى أن تصيح به: ‏
ـ ألا تحس بالمطر الذي يبللنا؟ ‏
طوى الزوج كتابه بحركة بطيئة وقال لها واعظاً: ‏
ـ البروليتاريا لا تخشى البلل!! ‏
فاحتدت الزوجة وأجابته: ‏
ـ لكنها تخشى قلة الذوق على الأقل! ‏
وقد ضحكتُ عندما روت لي الزوجة هذه الحادثة، وقلت لها مازحاً: ‏
ـ هذا هو ثمن الثقافة.. وبالقوة! ‏
إن هذه الحادثة تصلح لقصة قصيرة، وإذا وُجد الروائي الحاذق فقد يصنع منها رواية، رغم انني، ولعله اعتقاد خاطئ، لا أميل إلى أن تكون الزوجة بطلة رواية، أو الأصح، أن تكون زوجتي بطلة روايتي، أو أن يكون أولادي أبطالاً في إحدى رواياتي، إذا لم تكن الزوجة، وغالباً لا تكون، صالحة لهذه البطولة، أو كان أولادي، غير صالحين ليلعبوا دور الأبطال، وليست سوى الأثَرة، أي الحب العائلي، هو الدافع إلى ذلك، ولا تعجبوا إذا قلت لأفئدتكم الكريمة، إنني ناديت، ومازلت أنادي، بتخليص الأولاد من لعنة الحب العائلي، كما ذكرت في مقالي السابق! ‏
لقد حشر ذلك الزوج البليد، المطر بالبروليتاريا، قل حنّط المطر، وحنّط البروليتاريا، وحنط الفلسفة الماركسية، وهذا ما أدى الى تحنيط النظام الاشتراكي في الاتحاد السوفياتي السابق، وهذا التحنيط، أو الجمود العقائدي، قد كان موجوداً في الصين أيضاً قبل التخلص منه، منذ عقد من الزمن أو أقل، ولشد ما صوّرت بشاعة هذا الجمود في ثلاثيتي عن الصين: «حَدَث في بيتاخو، عروس الموجة السوداء، المغامرة الأخيرة» وانكرته إنكاراً! ‏
إنني لم أكتب عن زوجتي في أي من رواياتي الصادرة حتى الآن، لا لأنها غير ملائمة فحسب، وإنما لأنها لا تثير قوة التخييل في ذاتي، وقد قال خرابتشنكو، في كتابه «الذات الإبداعية» إن «الفكر الفني دون خيال عقيم، بمقدار ما الخيال عقيم دون واقع، وفي انتقاء الأبطال لابد من مراعاة هذا الشرط كي يكون البطل قادراً على بعث الخيال فينا، وإلا كان الواقع فقيراً، بائساً لا عبق فيه ولا نغم! ‏
كثيراً ما يسألني بعض النساء، كما تفعل زوجتي، هذا السؤال: ‏
ـ متى تكتب عني؟ ومتى أكون إحدى بطلات رواياتك؟ وماذا ستقول عني؟ أو إن بعض النساء، لمجرد تعارف طويل أو قصير، يحذرنني من باب الإغراء: ‏
ـ لا تكتب عني.. إياك أن تفعل! ‏
وأنا لا أفعل، فلا الترهيب ولا الترغيب يفيدان في كتابة الرواية، وفي انتقاء بطلاتها أو أبطالها خصوصاً، ومن المستحيل أن أتناول شخصية جاهزة تلبية لطلب أو واجب.. أفضّل، في هذه الحال أن ارسم غجرية على قدّيسة، من أفراد عائلتي، أو من النساء اللواتي هنّ في الواقع من حولي، لكنهن لا يبعثن أيّ خيال في ذاتي، لأنهن عاديات تماماً! ‏
وهذا هو السبب في أنني أكره العادية، اقتلوا العادية، اخترقوا المألوف، انبذوه، فقد أضحت حياتنا ملأى بالأشياء العادية، المكررة، الممجوجة التي يقتل الروح ظلها، ويزهق النفس تصورها، وصار الشعر والمنثور منه خصوصا خربشة على أوراق لا طعم لها ولا نكهة، أو رائحة، وصدق من قال: «وهذا، رعاك الله في الناس شاعر/أيمْلِك في دنيا الكناري ضفدع؟ ‏
إن الحكمة رائعة عندما تكون حكمة لا لغواً، والكتابة التي ليس لها قول يضيف جديداً، ومفيداً، فيه المتعة والنفع، الأفضل ألا تُكتب، لأنها جدار مزعزع «وهل يسند البيت الجدار المزعزع؟. ‏
إن التقدم هو صياغة فكر، والكلمة هي التي تصوغ هذا الفكر، ودونها يكون الاجترار كلاماً تذروه الريح، وكم من كلام، في أيامنا هذه، يذهب بدداً مع أية ريح، تهب من أية جهة، ومن المفروغ منه، أن هذا الكلام هو الرائج، وهو «العملة الرديئة التي تطرد العملة الجيدة» حسب القاعدة الاقتصادية وأرغب أن أكون صادقاً مع الجميع، جريئاً في قيلة الحق، حين الحق يأخذ بنا في الطريق المستقيم إلى غاياتنا في جعل وطننا مزدهراً، وشعبنا مطمئناً، حين تتوافر لهذا الوطن الوسيلة، والفضيلة، في صدق الصادقين مع الناس، والحكام، والنفس... وإلاّ فكان علينا أن نردد: ‏
ويا وطناً بالحب نكسو أديمه ‏
فيحرمنا حتى رضاهُ ويمنعُ ‏
أكّذب نفسي عنك في كل ما أرى ‏
وأسمع اذني منك ما ليس تسمعُ ‏
أقول هذا، رجوة أن تكون أقلام المبدعين في خدمة وطننا وشعبنا، وأن يكونوا حاضرين لا مغيّبين، وأن تقبل كلمتهم الصادقة، وتنبذ الكلمة المنافقة، التي تضلل ولا تهدي، فالنقد البنّاء، حتى لو كان قاسياً بعض القسوة، أفضل من النقد غير البنّاء الذي يهدم حين هو يمكر في هدمه، وقد جاء في منزل التحكيم ûويمكرون، ويمكر الله، والله خير الماكرين‎.
‏ صدق الله العظيم
ما تبقى هو الاعتراف أن في سورية، ليس من رواية لم تنشر، أو قصيدة لم تنشد، أو بحث يُرفض، إذا ما كان الحق رائده، والعلن لا السر، دأبه وغايته!

اخبار الشام

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات