بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
رحلة الى سوريا: الأسواق القديمة والقلاع والاشتراكية
  24/12/2008

رحلة الى سوريا: الأسواق القديمة والقلاع والاشتراكية

 راهول جايكوب


تقدّم لنا أفضل الرحلات هدية السفر عبر الزمن. ندخل كبسولة عملاقة وطويلة ونخرج من المطار إلى مكان آخر وزمن آخر. هذا ما تعدنا به تلك الأماكن، لكن قلة منها تفي بالوعد لأن العولمة وفنادق "هوليداي إن" تسبقنا إليها.
سوريا وجهة سياحية رائجة اليوم لأنها تضم قلاعاً تبدو وكأنها مسرح مهيأ لفيلم آخر عن الصليبيين. وتبدو دعوات المؤذّنين المتنافسة للصلاة وكأنها صوت بلال الذي اختاره النبي محمد لصوته المنساب برقّة.
هذا ما بدا لي عندما استيقظت في حلب في منزل موسيقي صوفي مولود في سويسرا يعود للقرن الخامس عشر. فإذ أنهكتني الرحلة الطويلة وغير المريحة من لندن، غرقت في نوم عميق عصراً على سرير نحاسي له أربعة أعمدة وتحيط به سجادات مغبرّة، إلى أن قرع أحدهم بابي بإلحاح. وعندما فتحت الباب، لم أكن أذكر أين أنا. كان صوت المؤذن عالياً جداً إلى درجة أنه خُيِّل إلي أنه يتكلم من فناء المنزل.
وعندما سرت في الأزقّة المرصوفة بالحصى الكبيرة التي قادتني إلى السوق القديم، كنت واثقاً من أنني واقع تحت سحر المكان. واجتزت في المسافة القصيرة التي عبرتها سيراً على الأقدام مصحاً عقلياً أنشئ عام 1354 وغرفه صغيرة جداً إلى درجة أنها تبدو وكأنها بنيت لجنس آخر من المخلوقات. عند أول كشك وقعت عليه، رأيت رجلاً يغسل ما اعتقدت أنه غزل من الصوف، لكن تبين أنها أمعاء حمل. وفي الكشك المجاور، عُلِّقت هيكل جمل. ثم وصلت لحسن الحظ إلى الأجزاء الأجمل في السوق: تملأ أكياس من بتلات الورود وأوراق الخبّازى متجراً بكامله، ويمتلئ المتجر التالي بحبال من البامية المجففة والليمون المجفف. وفي وسط المدينة يتوهّج مسجد كبير مع مآذن بدت وكأنها ينابيع راقصة.
يعود اسم "حلب" إلى أسطورة عن أبرهيم الذي حلب أبقاره هناك في طريقه إلى أرض كنعان. كان أبرهيم يتصدّق بالحليب على الفقراء وهو يصرخ "ابرهيم حلَب" (أي ابرهيم حلب بقرته).
لا يقتصر السفر عبر الزمن في سوريا على الطرقات التي تقود إلى ماضيها القديم والمنتمي إلى القرون الوسطى. فكما في العديد من الأنظمة الاشتراكية على الأرجح، يمنحك هذا السفر فكرة جيدة إلى حد ما عن خمسينات القرن الماضي وستيناته. عرّجت لاحتساء شراب مسائي في البار في فندق "بارون". وقد أرشدني أحد الموظفين إلى الغرفة 202 التي نزل فيها الكاتب الإنكليزي دي إيتش لورنس، والغرفة 201 (كمال أتاتورك) والغرفة 203 (أغاتا كريستي). لكن انتباه المرء يتحول إلى الملصقات المعلقة على الجدار عن إحدى شركات الخطوط الجوية ونقرأ فيها "الخطوط الجوية البريطانية عبر البحار – الرائدة عالمياً في السفر الجوي". الخطوط الجوية البريطانية عبر البحار؟ تعلمون أن اسمها تغير.
لا شك في أن دمشق تحتل في مخيلتنا مكانة أهم بكثير من حلب. في الواقع، من الصعب أن نجد مدينة أخرى في العالم حظيت بهذه الدعاية المسبقة والاستثنائية قبل وقت طويل من إدراجها على لائحة الأماكن التي يجب أن تراها قبل أن تموت. وفي ابتعاد واضح عن تلك النزعة، أحجم النبي محمد في قرار شهير عن دخول المدينة بعدما رآها من مكان مجاور. فقد قال النبي إنه "ليس لأحد أن يدخل الجنّة مرتين في حياته"، كما ورد في النسخة التي أملكها من كتاب Syria: Through Writers’ Eyes (سوريا في عيون الكتّاب) الصادر عن شركة "إلاند" التي تعنى بالمنشورات المتخصصة بعالم السفر.
أردت أنا المسيحي غير الملتزم، أن أكتشف ماضي المدينة المذكور في الإنجيل. كنت أنزل في فندق صغير يدعى "بيت زمان" في الحي المسيحي، قبالة الزقاق المستقيم الشهير حيث قيل لشاول أن يبحث عن التلميد حنانيّا الذي سيعيد إليه بصره. وفي طريقي إلى كنيسة القديس حنانيا، وجدت نفسي أسير في ممرات ضيقة مليئة بالمنازل المبيَّضة بماء الكلس والخالية من أي بقعة، واجتزت طلاب فنون يرسمون صوراً عن دمشق القديمة. رافقتني الكاتبة عن الطعام، أنيسة حلو، كي ترشدني إلى المكان، وخلال نزهتنا الصباحية عبر المتاهة، مررنا بالقرب من خبّاز يصنع برشاناً للكنائس العديدة المجاورة.
إذا كنتم تتخيّلون البرشان بسكويتاً هشاً وجافاً، كما أفعل أنا، فذاك الذي يصنعونه هنا هو من النوع الذي يجعل الوحي يهبط عليكم. فهو منكَّه بزهر البرتقال ونواة الكرز وبزر اليانسون وجوزة الطيب.
وصلنا إلى كنيسة القديس حنانيا ومشيت في القبو حيث حلّت النعمة على شاول. إنه مكان غير خلاّب مع صور على الجدران تعرض مشاهد من حياته. شبكت مجموعة كنسية إسبانية تسافر مع كاهنها، أيديها وصلّت وأنشدت التراتيل. مكثت قليلاً أملاً في أن يجتاح تديّنهم كياني، لكنني لم أتأثّر. في اليوم الذي زرنا فيه الكنيسة، كان عناصر الشرطة منتشرين في المكان استعداداً لزيارة الرئيس الروماني للكنيسة في اليوم التالي، الأمر الذي عرقل قليلاً الحجّاج الراغبين في تخيّل ماضي الكنيسة المقدّس.
وهناك أيضاً روايات متناقضة حول ما إذا كانت الكنيسة بنيت في المكان الذي كان يوجد فيه منزل القديس حنانيا أو إذا كانت مجرد بقايا كنيسة بيزنطية شُيِّدت فوق منزله. في الحالتين، يجب أن تكون للمرء مخيّلة أوسع من مخيلتي ليستحضر ذلك المشهد المؤثّر في الإنجيل. كتب مارك تواين في زيارة له إلى جنوا: "في هذه الكنيسة صندوق رخامي قالوا لنا إنه يضم رماد القديس يوحنا؛ وحوله سلسلة قالوا لنا إنها السلسلة التي كُبِّل بها خلال وجوده في السجن. لم نرغب في عدم تصديق هذه الأقوال، ومع ذلك لم نستطع أن نشعر باليقين بأنها صحيحة، لأنه كان بإمكاننا أن نكسر تلك السلسلة وكان بإمكان القديس يوحنا أن يفعل الشيء نفسه أيضاً، ولأننا رأينا رماد القديس يوحنا من قبل، في كنيسة أخرى. ولم نستطع أن نفكّر في أن للقديس يوحنا مجموعتين من الرماد". ليست المشكلة في صحة المعلومات، بل المشكلة هي أنه حتى في بلد مثل سوريا ذي قدرة على العيش في قرنَين في الوقت نفسه، تطغى الحداثة على طابع القرون الوسطى. ففي حلب وجدت نفسي صباح ذات يوم أحد خارج كنيسة القديس جاورجيوس الأرثوذكسية السورية، وهي كنيسة حديثة وغريبة يلتصق بها مبنى سكني. كانت طقوس الصباح قد انتهت للتو، وكانت سيارة "تويوتا" سوداء لمّاعة تستعد لتقل أحد وجهاء القوم. وكان سائقها ينفض الغبار باستمرار عن طلائها الأسود اللمّاع.
بعد بضع دقائق، ظهر رئيس الأساقفة في ثياب الكهنوتية مع عمامة سوداء على رأسه، وبدا شبيهاً بالرئيس الإيراني المعتدل السابق محمد خاتمي. بدأت أنيسة تتبادل الحديث معه، وسرعان ما رحت أشرح له أن عائلتي لجهة والدي كانت جزءاً من الكنيسة المسيحية السورية في ولاية كيرلا الهندية. فقال رئيس الأساقفة الذي بدا مسروراً جداً "بطريركنا (رئيس الكنيسة في دمشق) موجود هناك الآن". وتابع بلغة تملّكية مخاطباً أنيسة "إنهم جزء من كنيستنا". لكن في اللحظة التي كنت أوشك فيها على إعادة النظر في لاأدريتي، رن هاتفه الخلوي وتوقف فجأة عن التكلم معنا وتوجه إلى سيارته وكأننا لم نلتقِ قط. تساءلت لاحقاً إذا كان الاتصال الذي تلقّاه من السماء، وحذّره من مغبّة تضييع وقته مع شخص لاأدري.
ربما كانت هناك نعمة ما وراء ذلك اللقاء القصير. فقد نجونا بصعوبة من حادث ذلك المساء عندما انفجر إطار السيارة المخلَّعة الأوصال التي كنّا نتوجّه فيها مسرعين إلى دمشق. وكنت محظوظاً بالنجاة من حادث آخر عندما أصر السائق، المتباهي برجولته وقوته، على تغيير الإطار في الخط الثالث من الطريق السريع بدلاً من التوقف على جنبه، وتركني ألوّح بذراعَي بلا جدوى بينما كانت الشاحنات الضخمة تتجه نحونا قبل أن تنحرف وتكمل هديرها تحت جنح الظلام.
بدلاً من استكشاف الدين في دمشق، أشعر بالعار للقول بأنني أُغرِمت بالتسوّق. لا تضاهي أي متاجر كبرى (مول) أسواق دمشق القديمة؛ تخيّلوا شيئاً بحجم حظائر الطائرات يخرج مباشرة من "ألف ليلة وليلة". وبينما كنت أتوانى في متجر العطّار الذي راح يقنعني بأن بإمكان الرجال أن يستعملوا زيته المصنوع من خشب الصندل، سمعت تصفيقاً صادراً من الأكشاك خلفنا. استدرت ووقعت على رؤيا تبيّن أنها حقيقة.
جهاز صنع الأساطير التي تحيط بالديكتاتوريين لا يستكين أبداً إلى درجة أنك لا تتوقّع أن تراهم في لحمهم ودمهم، فكم بالأحرى على بعد بضعة أمتار منك، يسيرون في سوق. فقد كان يسير بجانبي الرجل الذي تنتشر صورته في آلاف قاعات المحاضرات وردهات الفنادق في سوريا – الرئيس بشار الأسد. وبدا الأسد الذي كان يرتدي بنطالاً من قماش التشِينو وقميصاً مفتوحاً عند العنق ولونه أصفر باهت، وترافقه زوجته أسماء التي كانت تعمل في السابق في مصرف "جي بي مورغان"، أكثر ودية من الصورة التي رأيتها على اللوحات الإعلانية في مختلف أنحاء المدينة. وفي الخارج، كان حشد من الشرطيين الشبان بلباس مدني يطوفون الشوارع مع أسلحتهم التي تخرج من قمصانهم السوداء، وكانوا يبدون مضحكين ومخيفين في الوقت نفسه.
لكن عند مستوى الشارع، بدت سوريا في معظمها مسترخية جداً إلى درجة أنه تكوّن لدي اقتناع بأن للبلد شخصيات متعددة. نعم، سوريا متّهمة بتنفيذ اغتيالات سياسية وعمليات إرهابية في لبنان المجاور، وبدعم المتمرّدين في العراق، لكنها أيضاً البلد الشرق الاوسطي الذي سمح بدخول أكبر عدد من اللاجئين من العراق – مسيحيين وسنّة، أثرياء وفقراء. وأخبرني الزوجان اللذان تناولت معهما العشاء في ليلتي الأخيرة في سوريا أن بين هؤلاء اللاجئين عدداً كبيراً من المسيحيين، وأشارت الزوجة بيدها إلى كنائس في الحي المسيحي يرتادها عدد كبير جداً من العراقيين. قد تكون معجزات الزمن الحديث نادرة في سوريا، لكن أن يستوعب بلد نامٍ يبلغ عدد سكانه 19 مليون نسمة فقط، نحو 1.5 مليون لاجئ هو أقرب ما يكون إلى المعجزة في هذه المنطقة المضطربة.
ملحق "الحياة والفنون" في"الفايننشال تايمز"

(ترجمة نسرين ناضر)

النهار


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات