بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
الشيوعي اللبناني كريم مروة يتحدث عن شيخ الشيوعيين المصريين
  21/01/2009

الشيوعي اللبناني كريم مروة يتحدث عن شيخ الشيوعيين المصريين


رحل محمود أمين العالم غصباً عنه. فهو لم يكن يحب مثل هذا الرحيل. إذ كان يحب الحياة، ويحب الإستمرار فيها. كما لو أنه شاب في السابعة والثمانين من العمر. وظل على امتداد حياته في ورشة دائمة. وكان عالمه على الدوام، منذ بدأ حياته الفكرية والأدبية والسياسية، كبيراً وشاسعاً، لا تعرف من أين تدخل إليه، ولا تعرف، حين تتمكن من ذلك، كيف تخرج منه، وإلى أين. هكذا هي حال كبار المفكرين حين يمتد بهم العمر، وحين تتنوع اعمالهم وتتعدد ميادين نشاطهم. محمود أمين العالم هو واحد من هؤلاء في مجالات عطائه على امتداد أكثر من نصف قرن، في الفلسفة والفكر السياسي والنقد الأدبي، وفي العمل السياسي والتنظيمي داخل نوعين من الأحزاب. الحزب الشيوعي في مرحلتين، مرحلة الشباب والمرحلة الأخيرة من العمر، والإتحاد الإشتراكي، ثم التنظيم الطليعي داخل الإتحاد الإشتراكي ذاته، بين هاتين المرحلتين الشيوعيتين. لكنه كان إعلامياً كبيراً، وشاعراً أيضاً إذ أصدر ديواناً كاملاً. لهذه الأسباب جميعها تبرز أمام الباحث في سيرة العالم صعوبة حقيقية. وعلى رغم أنني رافقته على امتداد الفترة التي برز فيها اسمه في عالم الأدب والفكر منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، وأقتني في مكتبتي جميع مؤلفاته، بما فيها ديوانه الشعري الوحيد الذي حرص هو ذاته على أن يهدي اليَّ نسخة منه، فإنني أجد اليوم، بعد رحيله، صعوبة كبيرة في الكتابة عنه، بالحرية التي أبتغيها، وبالإستناد إلى المعرفة الحقيقية عندي بمراحل تطور شخصيته وأفكاره وعطائه في ميادين نشاطه المتعددة. وقد تكون الصداقة الشخصية والفكرية مصدراً من مصادر الصعوبة في الكتابة عنه. فهو المفكر والفيلسوف والأديب والأستاذ الجامعي والمناضل الإشتراكي الكبير، الذي أطلق عليه أصدقاؤه ورفاقه في مصر لقب "شيخ الشيوعيين" الذي لا يهرم ولا يتعب. ويقولون عنه إنه من النوع الذي لا يصيبه ملل في المتابعة، ولا خلل في الذهن والذاكرة، إلا في حالات معينة برزت عنده في العامين الأخيرين من حياته. إذ اضطربت ذاكرته وأخطأت في تحديد بعض المحطات من سيرته، وبعض الحوادث التي كان شريكاً في صنعها أو شاهداً عليها. أكثر من ذلك فإنه لم يعرف قط التقاعس عن الإستمرار في اقتحام ميادين المعرفة، سعياً متواصلاً لامتلاكها في تطورها، ومساهمةً منه في إنتاج أجزاء منها مما يتيحه له تراكم البحث والإجتهاد في الوصول إليها، ومما يتيحه له غنى التجربة التي كان يراكمها في ميدان العمل. وهو، فوق كل ذلك، لم يتخلّ عن دوره في تعميم ما كان ينتجه من هذه المعرفة أو ما كان يحصل عليه منها، التعميم الذكيّ الذي كان يبتغي منه المساهمة في رفع مستوى الوعي لدى شعوبنا وأجيالنا الطالعة، من أجل أن تتسلح به في الدفاع عن حياتها، وفي إحداث التغيير في واقعها نحو الأرقى والأصلح والأكثر حرية وتقدماً وعدالة.
لعل من أهم ميادين نشاطه كان الكتاب الدوري الضخم الذي استمر في إصداره منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي تحت عنوان "قضايا فكرية". كل عدد منه مكرس لقضية كبرى من قضايا بلداننا والعالم المعاصر. وكان يحرص على أن يساهم في الكتابة في هذا الكتاب، وحول هذه القضايا، العديد من كبار الكتاب العرب، كل في مجال اختصاصه. صدر من هذه السلسلة أكثر من عشرين كتاباً. وكان لي شرف المساهمة في كتب عدة منها ابتداء من النصف الثاني من الثمانينات. ولعل مفكرنا الكبير رأى أن عليه، من موقعه في قمة العمر والتجربة والفكر، أن يقدم الى الأجيال الجديدة، أفضل ما أتاحته له تجربته الذاتية واجتهاداته الفكرية المتعددة من غنى.
وإذا كانت تلك المرحلة هي الأخيرة في حياة مفكرنا، فإن بدايات حياته كانت عاصفة بكل المعاني، كما يرويها هو في أكثر من حديث، ويرويها عنه أصدقاؤه الكثر.
ولد محمود أمين العالم في الثامن عشر من شباط 1922 في حارة الكحكيين في حي الدرب الأحمر، أكثر أحياء القاهرة القديمة شعبية وشهرة. التحق بكتـّاب الشيخ السعدني لتلقي مبادئ القراءة والكتابة قبل الإنتقال إلى المدارس الرسمية. ومن كتـّاب السعدني انتقل إلى مدرسة النحاسين الإبتدائية الواقعة على مقربة من جامع الحسين. يذكر العالم أنه عرف في ما بعد أنه كان زميلاً للرئيس جمال عبد الناصر في تلك المدرسة، من دون أن يلتقي به، ربما لأن عبد الناصر كان يسبقه بعامين. بعد حصوله على الشهادة الإبتدائية إلتحق بمدرسة الإسماعيلية الثانوية في ميدان السيدة زينب. وكان ذلك عام 1935 الذي شهد حوادث عاصفة بسبب إلغاء دستور عام 1930 التي شارك فيها العالم بانخراطه في التظاهرات. وكان ذلك أول عمل سياسي له وهو في سني عمره الأولى. ثم أكمل دراسته الثانوية في مدرسة الحلمية الثانوية التي حصل فيها على شهادة البكالوريا، التي أهلته للإنتقال إلى الجامعة. وصادف خلال دراسته الثانوية أن أصاب الوالد عجز مادي اضطره إلى إخراج ابنه محمود من المدرسة فأرسله إلى إحدى المطابع ليتعلم صف الأحرف بدلاً من البقاء في المنزل بلا عمل. نجح الابن في اكتساب تلك المهنة، وقبل أن يبدأ بممارستها كمهنة حياة جاءه قرار من مدير المدرسة بالعودة إلى الدراسة معفى من القسط، بعدما قرر الملك فؤاد الأول منح المجانية للمتفوقين من الطلاب. جاء هذا القرار من الملك في أعقاب شفائه من مرض كان ألمّ به.
يذكر العالم أن شقيقه محمد كان أستاذه الأول فقرأ الكثير من الكتب التي كانت متوافرة في مكتبته ومن بينها كتاب الفيلسوف الألماني نيتشه "هكذا تكلم زرادشت" مترجماً إلى العربية بقلم الأديب اللبناني فيلكس فارس. يذكر العالم أن هذا الكتاب قاده إلى اختيار مادة الفلسفة موضوعاً لدراسته الجامعية. وفي عام 1936 عاد فشارك في التظاهرات التي انفجرت ضد المعاهدة التي كان حزب الوفد قد عقدها مع الإنكليز. ولأن المدرسة كانت من مؤيدي حزب الوفد تعرض مع زملائه الذين شاركوا في التظاهرات إلى غضب الأكثرية الطالبية الوفدية. يومها خرج مع زميل له للإتصال بالأحزاب الأخرى فلم يستقبلهما أحد فقررا مع زملاء آخرين إنشاء حزب مستقل أعطوه اسم "حزب المجد الفرعوني"، وكان مثار تسلية وإرضاء معنوي لمشاعرهم ليس أكثر.
في الجامعة كان محمود العالم طالباً مجتهداً يبحث عن طريقه إلى المستقبل. لكنه كان مثالياً في فلسفته ومتأثراً بنيتشه. وكان وجودياً كذلك ومتصوفاً كما يقول. وكان تصوفه روحانياً وليس دينياً. وكان في تلك الفترة قد وقع على كتاب للمستشرق ماسينيون عن الحلاج فتأثر به. وكتب قصيدة يحاكي فيها قصيدة الحلاج التي يقول فيها:
اقتلوني بأثقالي/ إن في قتلي حياتي
ولأنه كان في حاجة إلى المال عمل موظفاً في وزارة المعارف وهو طالب في الجامعة، ثم موظفاً في الجامعة ذاتها. وقد نشأت بينه وبين أستاذه عبد الرحمن بدوي صداقة منذ ذلك التاريخ وتعلم منه الكثير. كما أنه تعرف إلى لويس عوض الذي كان يدرّسه المادية الماركسية. ويقول العالم إنه في تلك الفترة كان حائراً بين مثاليته ووجوديته وبين الأفكار الدينية التي تشربها من بيئته الدينية. ولأن عائلته كانت عائلة دينية فقد أطلق عليها لقب "العالم" لأن معظم أفرادها كانوا ينتسبون إلى الأزهر. لكن ما إن وقع محمود على كتاب لينين "المادية والنقد التجريبي" حتى اهتزت كل اقتناعاته السابقة. وكان بدأ بالإعداد لأطروحته عن "المصادفة" في الفيزياء المعاصرة. ويقول العالم إن كتاب لينين هذا ساعده في اكتشاف الأساس العلمي والموضوعي لكل شيء في العلم والسياسة والمجتمع والأدب، فقرر الإنضمام إلى الحركة الشيوعية. يقول في هذا الصدد، في الكراس الذي يحمل عنوان "اعترافات شيخ الشيوعيين محمود أمين العالم": "لقد حاولت اكتشاف ما يسمى بالقانون الداخلي في العمل الفني. وساعدتني الماركسية كثيراً في ذلك، رغم أنني كنت أمتلك هذه الخلفية، التي كانت تدفعني إلى اكتشاف ما هو ضروري من المعارف. عرفتني الماركسية على قانون الضرورة في المجتمع، وبالتالي إمكان اكتشاف الضرورة في الإبداع البشري. هل الضرورة كامنة في داخل العمل الفني؟ إن العمل الفني هو كائن حي قائم بذاته، بما له من كيان مستقل. لكن تميزه لا يعني انفصاله عن تاريخيته أو عن واقعه. وأتذكر أن أولى المعارك التي خضتها مبكراً في مجلة "روز اليوسف" كانت مع مصطفى محمود. تكلمت عن حركة النهر، وعن أن كل عمل أدبي ينبغي لي أن أحدد فيه حركة النهر الرئيسية واتجاهها وطبيعتها. وهكذا بدأت رؤيتي النقدية تتشكل في الأصل من الزاوية الفلسفية. وأتذكر أن الكتابات المبكرة التي أدخلتني أكثر في هذه الرؤية كانت المعركة التي بدأت عام 1954 بيننا – أنا والدكتور عبد العظيم أنيس – وبين الدكتور طه حسين. وهي المعركة التي سجلها كتابنا المشترك، أنا وعبد العظيم، "في الثقافة المصرية". يشكل هذا الكتاب النقلة التي تجلى فيها الوضوح الفكري والنظري عندي... كان طه حسين يتحدث عن الأدب باعتباره ألفاظاً ومعاني، ونحن قلنا إن الأدب شكل ومضمون. وربما استخدمنا بشكل مبكر تعبير "البنية"، وإن الشكل في الأدب ليس مجرد إطار خارجي، بل هو بنية تعبر عن حركة داخلية في قلب العمل الفني، وتحول موضوعه إلى مضمون. وبالتالي فهي عملية ديناميكية داخلية... وأذكر أننا حين تطرقنا إلى العقاد ردّ علينا قائلاً: "أنا لا أناقشهما... لكني أضبطهما... إنهما شيوعيان!!". وكتب طه حسين قائلاً في الرد علينا "هذا أدب يوناني لا يقرأ"! وقد فهمت قيادة الثورة مقصدنا في الهجوم على طه حسين وفي جريدة "الوفد" بالذات، فصدر قرار فصلنا من الجامعة في ذلك التاريخ، أنا وعبد العظيم، مع أكثر من سبعة وثلاثين أستاذاًَ آخرين... كنت أنا ولويس عوض في القسم الإنكليزي... وكان عبد العظيم أنيس في كلية العلوم. وكان عدد كبير من الأساتذة من ذوي الميول الوفدية والإخوانية، ممن شملتهم حملة التطهير تلك، التي راح ضحيتها عدد كبير من العاملين في الوظائف الحكومية الأخرى!".
كان لكتاب "في الثقافة المصرية"، الذي ضم عددا من المقالات لكل من محمود العالم وعبد العظيم أنيس، صدى كبير في الأوساط الأدبية في العالم العربي في ذلك الحين. لكنه سرعان ما فقد بريقه في ضوء التحولات التي كانت تحصل في مصر والعالم العربي في ذلك التاريخ، إذ دخلا في الفترة التي أعقبت قيام ثورة يوليو، في منعطف جديد ومعارك داخلية وخارجية غير مسبوقة في تاريخ المنطقة. كما برزت نظريات جديدة في الأدب والفن، مغايرة لما كان سائداً في السابق. وكان العالم بدأ يصبح شخصية مرموقة. ساعده في ذلك وجوده ككاتب في جريدة "المصري" أولاً، ثم في مجلة "روز اليوسف". ومن هذا الموقع بالذات دخل العالم في معترك السياسة من أبوابها الواسعة في المنظمات الشيوعية متفرقة، ثم في الحزب الشيوعي موحداً، ثم في انفراط هذا الحزب من جديد وتوزعه منظمات مختلفة. وقادته معاركه ومواقعه ومواقفه إلى السجن مرات عديدة. وكان يخرج من سجن ليدخل في سجن آخر. وكان آخر خروج له من السجن عام 1964 مع زملائه من التنظيمات الشيوعية، بعدما حلت تلك التنظيمات نفسها، ودخلت وأدخلت أعضاءها في الإتحاد الإشتراكي على أساس "الميثاق القومي" الذي تبنى الإشتراكية كإيديولوجيا لاتحاد قوى الشعب العامل. وفي تلك الفترة بالذات أصبح محمود أمين العالم شخصية مصرية بارزة في قيادة الإتحاد الإشتراكي، ثم في التنظيم الطليعي، ثم في رئاسة تحرير كل من جريدتي "الجمهورية" و"الأخبار" تباعاً. وبدأت مرحلة جديدة في حياته. عيِّن مشرفاً على مؤسسة المسرح، ومسؤولاً عن الهيئة العامة للكتاب، ومسؤولاً عن إصدار مجلة "الكاتب العربي". وبدأت تتراكم المسؤوليات وتتنوع ليصير صاحبها نجماً فكرياً وأدبياً وسياسياً وتنظيمياً.
في تلك الفترة بالذات، أي في عام 1966، سافر العالم إلى بيروت لحضور مسرحية لبرشت أخرجها الكاتب والمخرج المسرحي اللبناني جلال خوري. وكان من الطبيعي أن نلتقي ونتحدث ونتناقش معه في شؤون الساعة. وكان من بين تلك اللقاءات معه لقاء شارك فيه جورج حاوي وغسان الرفاعي وأنا، وقدّم الينا فيه العالم عرضاً بحل الحزب الشيوعي اللبناني والدخول في اتحاد إشتراكي لبناني مع حركة القوميين العرب. وكان مكلفاً بحث الموضوع معنا من موقعه في قيادة الإتحاد الإشتراكي، ومن موقعه تحديداً، في قيادة التنظيم الطليعي. ولم يقنعنا، ولم نقنعه. وكنا في ذلك الحين قد أجرينا، جورج وأنا، مناقشات عاصفة مع محسن ابرهيم ومحمد كشلي، القياديين في حركة القوميين العرب، حول الفكرة ذاتها. واعتبرناها من وجهة نظرنا، عملية متسرعة يتم فيها حرق المراحل في اتجاه وحدة القوى الثورية التي كنا مقتنعين بضرورتها. لكننا كنا نرى ضرورة العمل لإنضاج شروطها. وكنا في الحزب الشيوعي، في ذلك الحين، قد غيّرنا موقفنا السابق من الرئيس جمال عبد الناصر في الإتجاه الإيجابي منه ومن حركته وأهدافه. واستمر ذلك الموقف في تطوره إلى أن شارك الحزب في الإجتماع التحضيري لمؤتمر الأحزاب الشيوعية (1968) في بودابست ثم في المؤتمر ذاته (1969) في موسكو. ومعروف أنه تقرر في ذلك المؤتمر عقد مؤتمر عالمي للقوى المعادية للإمبريالية في القاهرة بقيادة عبد الناصر. وهو المؤتمر الذي تقرر الإستغناء عن عقده بعد وفاة عبد الناصر، لأن التخطيط لانعقاد ذلك المؤتمر كان يقضي بأن يكون على قياس هذا القائد العربي الكبير بالتحديد.
يقول العالم، بعد وفاة عبد الناصر، وبعدما تغيرت الظروف في مصر في عهد الرئيس السادات، إنه شعر هو بالتحديد، وشعر زملاء له آخرون من قادة الحزب الشيوعي المصري، أنهم كانوا على خطأ في التسرع في توحيد القوى الثورية العربية على النحو الذي حصل، قبل أن تنضج الشروط لذلك. إذ أن القفز فوق المراحل التاريخية كان مغامرة، وكان لا بد أن يدفع ثمنها من يقوم بها. إلا أن هذا النقد الذاتي لم يغير من اقتناعات العالم بأن عبد الناصر كان ظاهرة تاريخية نادرة في حياة مصر والعالم العربي، على رغم ما ارتبط بعهده في زمن الثورة من ممارسات اتسمت بالخطأ وبسوء التقدير عند البعض، وبسوء النية عند بعض آخر ممن كانوا داخل الثورة نقيضاً لها ولأهدافها.
إلا أن محمود أمين العالم ظل في نظر الكثيرين من شيوعيين وغير شيوعيين، على رغم كل ما حصل من تغيرات وتبدلات، شيخ الشيوعيين المصريين، الذي لم يتعب من التفكير والإجتهاد في الميادين التي نصّب نفسه للإنخراط فيها بكل طاقاته، أعني الفكر الإشتراكي، والنقد الأدبي، والبحث في التراث، والعمل السياسي الدؤوب تحت راية التغيير في مصر والعالم العربي تحقيقاً لمطامح شعوبنا في الحرية والتقدم والعدالة الإجتماعية. وسيكون من الصعب عليَّ في هذا العرض المكثف لجوانب من شخصية العالم وسيرته أن أتوقف عند جهده الفكري واجتهاده في تحديد بعض التحولات والمفاهيم. فكتاباته الكثيرة والمتنوعة، والتغيرات والتحولات التي شهدتها مسيرته الطويلة المديدة في هذه العوالم كلها، تربك الباحث، وتضعه أمام استحالة الإستشهاد بنص معين. فكتاب "معارك فكرية" على سبيل المثال، الذي هو جمع لمقالات وأبحاث في فترة الستينات من القرن الماضي، يكاد يكون نقيضاً في الأفكار والإجتهادات الفكرية لكتاب "الإنسان موقف" الذي هو أيضاً جمع لمقالات وأبحاث كتبها العالم في فترات لاحقة. ولعله قصد في تحديد مفهومه للهوية في أحد أبحاثه اللاحقة إلى ما أشير إليه هنا من تغيرات وتحولات متناقضة تحصل عند المفكر، تفرضها عليه التغيرات والتحولات في الشروط التاريخية الجديدة. يقول العالم في موضوع الهوية: "لكل مرحلة مجتمعية وتاريخية هويتها المعبّرة عن مكتسباتها ومنجزاتها وممارساتها وأفكارها وعقائدها وقيمها وأعرافها السائدة. لذلك فليست ثمة استمرارية لهوية ثابتة جامدة محددة طوال التاريخ. فهذه رؤية أرسطية شكلية للهوية تغلب عليها الطبيعة لا التاريخ، الذي هو جوهر إنسانية الإنسان. إن لكل مرحلة جديدة هويتها التي هي تطور متجدد للهوية في المرحلة السابقة، أو انحدار وتدهور لها. إنه التماثل واللاتماثل، الإستمرار والإنقطاع، الثابت والمتغير ثقافياً وموضوعياً في جدل التاريخ. ولهذا فكل تثبيت إطلاقي للهوية وجعلها معياراً مرجعياً ناجزاً نهائياً طوال تاريخ مجتمع من المجتمعات هو رؤية تجميدية لا تاريخية وغير موضوعية لهذا المجتمع. على أن للهوية بعداً آخر ليس أقل أهمية. لعلنا نعود به مرة أخرى إلى ابن خلدون في حديثه عن أن لكل شيء طبيعة تخصه. فالخصوصية ليست خصوصية متجددة متطورة تجدداً وتطوراً ذاتياً فحسب، بل هي كذلك عند ابن خلدون خصوصية منفتحة على غيرها من الخصوصيات الأخرى. بل إن حقيقتها لا تكتمل بخصوصيتها الذاتية وحدها، وإنما بعلاقتها بهذه الخصوصيات الأخرى".
ويذهب العالم على قاعدة هذا المنطق ذاته في التعامل مع الظاهرات، في تفسير ظاهرة العولمة مذهباً عقلانياً واقعياً يختلف فيه مع الذين يرفضونها رفضاً اعتباطياً، كما يختلف مع الذين يندمجون فيها إندماجاً كلياً ويتكيفون معها بدون شرط. ويقول في الرد على الذين ينكرون الوجود الموضوعي للعولمة: "وفي مواجهة هذا الواقع العالمي الجديد، الذي لا يزال في دور الإنتقال والتشكل، هناك أكثر من موقف: هناك أولاً من ينكر الوجود الموضوعي للعولمة أو الكونية الحضارية، مكتفياً بإدانتها والسعي إلى القطيعة معها، بل مع العصر عامة. ولهذا يتم التصدي لهذه العولمة ولهذا العصر برؤية حضارية كاملة مناقضة لهذه العولمة وهذه الكونية، تستند إلى الأصولية السلفية الدينية. وهو في الحقيقة موقف يفضي إلى العزلة عن حقائق العصر. ويكاد يكون تعبيراً عن أزمة التخلف والتبعية. لكنه لا يقدم حلاً لها، وإنما يفاقمها. بل هو يساهم في تغييب حقائقها الموضوعية عن الجماهير، وفي حرفها عن التوجه النضالي والمطلبي الصحيح".
ثم إن العالم يعالج موضوع التراث بالطريقة ذاتها أيضاً. فهو يقول في هذا الصدد في محاضرة له عنوانها "التراث، ذلك المجهول": "وعندما نتحدث عن التراكم والإضافة في الزمن، لا نتحدث عن آنات زمنية مفرغة، تتحرك داخلها التراكمات والإضافات التراثية حركة خطية أو خيطية طولية مسطحة، وإنما نتحدث عن تاريخ، أي نتحدث عن كثافة إنسانية – إجتماعية. نتحدث عن أنظمة حكم، وأنسقة علاقات إجتماعية وأنسقة قيم وأفكار ومشاعر. نتحدث عن صراعات ومصادمات مصالح في مستوى الواقع الإجتماعي العملي، وفي مستوى الثقافات النظرية والروحية والإبداعية على السواء. نتحدث عن عوامل داخلية وتأثيرات خارجية، عن دوافع ذاتية وشروط موضوعية، عن قوى فردية وأخرى مجتمعية. نتحدث عن أفعال وردود أفعال وتفاعلات، عن استمرار واتصال وعن تقطع وانفصال. مرةً أخرى نتحدث عن التاريخ. وفي هذا المعنى ففي الحيز الصراعي المتحرك للتاريخ، وفي إطاره، ومن عناصره العينية ومعطياته المشخصة، تتشكل الإضافات التراثية. وتتحدد المواقف من هذه الإضافات التي تصبح بدورها إضافات جديدة، ومن هذه الإضافات المتجددة يتشكل ويتحدد كذلك التاريخ نفسه! نستخلص من هذا كله: أولا: أن الإضافات التراثية المتجددة إنما تختلف دلالاتها باختلاف المراحل واللحظات التاريخية والإجتماعية. كذلك الأمر بالنسبة الى المواقف من هذه الإضافات، فإنها تختلف باختلاف هذه المراحل واللحظات. ولهذا فإن كل إضافة تراثية هي نفسها موقف من إضافة تراثية سابقة عليها، وهي موضوع لموقف تراثي لاحق عليها سيصبح بدوره موضوعا لموقف، أي إضافة تراثية... وهكذا إلى غير حد. ونستخلص من هذا ثانياً أنه لا يوجد شيء واحد أو منجز واحد من منجزات الماضي التاريخي يمكن أن نقصر عليه كلمة تراث. بل هناك إضافات تراثية متعددة، ومختلفة، ومتنوعة. فليس التراث هو التراث الديني وحده – كما يقلصه البعض – وليس هو الثقافة الرسمية السائدة وحدها، كما يقول البعض كذلك. بل هو في تقديري منجزات الماضي كله، بكل عناصرها ومحاورها الدينية والروحية والوجدانية والعلمية والأدبية والفنية والسلطوية والشعبية والنظرية والعملية والإدارية والتنظيمية والعمرانية وإلى غير ذلك".
أردت من هذه الإستشهادات لمحمود أمين العالم أن أشير إلى أن مفكرنا الكبير كان دائم الحركة في تفكيره وقراءاته للحوادث وفي استنتاجاته حولها. وهي شهادة له في هذه المرحلة التي بلغ فيها هذه القمة من العمر والفكر، قبل الرحيل. وفي استطاعتي القول إن إصرار العالم على إصدار كتابه "قضايا فكرية" في هذه الطريقة من الجمع بين الإتجاهات المختلفة لمفكري هذه الحقبة من تاريخنا على ما فيها من تناقضات، وعلى الإستمرار في هذا الجهد الفكري الكبير، هو دليل صحة وتوقد ذهن وعافية فكرية يستحق معها محمود أمين العالم أن يوصف ليس فقط بشيخ الشيوعيين المصريين بل بأحد أقطاب الفكر العربي المعاصر.
وإذ رحل محمود أمين العالم، بعد هذا العمر المديد، الحافل بالعطاء في ميادين المعرفة والنضال، فإنه ترك لنا تراثاً كبيراً ومجيداً سيظل يتحدث عنه، ويذكر به، وسيظل يبقيه حياً دائم الحضور بيننا

ملحق النهار الثقافي

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات