بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
متحف العقاد للتراث والآثار بقطاع غزة: مقاومة الاحتلال بأسلوب مختلف
  02/03/2009

متحف العقاد للتراث والآثار بقطاع غزة: مقاومة الاحتلال بأسلوب مختلف

غزة – من محمد الأسطل - في فلسطين حيث الاحتلال الإسرائيلي "جاثم" على أنفاس الفلسطينيين يقتل ويدمر ويسرق الأرض والتاريخ، يقاوم فلسطينيون الاحتلال كل على طريقته. فهذا مقاوم "عنيد" يحمل بندقيته، وذاك مفاوض يصل الليل بالنهار بحثاً عن الحصول على حقوق شعبه، وثالث مزارع صامد على أرضه وغيرهم كثيرون. لكن احد ابرز هؤلاء هو وليد العقاد (50عاماً) مدير متحف العقاد للتراث والآثار، الذي يعتبر الحفاظ على التاريخ الفلسطيني من السرقة والاندثار مهمة وطنية ونضالا لا يضاهيه شيء آخر، ويقول: "قبل أن يغتصب الاحتلال الأرض يحاول دائماً اغتصاب التراث وتزوير التاريخ وسرقة الآثار، لقناعته الثابتة أن سرقة تاريخ شعب أهم من احتلال أرضه التي لن يستطيع إثبات أحقيته فيها إلا بتزوير الحقائق وإخفاء التراث إن لم يستطيع تحويلها لصالحه. لذلك وجدنا الاحتلال الإسرائيلي يهتم دائماً بقلب الحقائق التاريخية، وتدمير الشواهد التراثية الدالة على وجود الفلسطينيين منذ القدم على هذه الأرض".
ويضيف : "هكذا إذن، اعتبر أن مهمتي هي الوقوف في وجه الاحتلال والحفاظ على تراث فلسطين وآثارها من الضياع والاندثار، لتظل شاهدة على وجودنا هنا منذ القدم من جانب. وتدحض إدعاءاتهم تجاه أرضنا ومقدساتنا من جانب آخر. فأنا أقاوم الاحتلال بطريقة مختلفة قد لا يعي كثيرون أهميتها، لكني أعتبرها على قمة وسائل مقاومة الاحتلال".
ويُعَدّ متحف العقاد الثقافي للتراث والآثار في خان يونس جنوب قطاع غزة أحد المؤسسات التراثية المتميزة من حيث المقتنيات في قطاع غزة. إذ أقيم بجهود ذاتية حفاظاً على التراث الفلسطيني من الضياع وكشكل من أشكال النضال ضد الاحتلال. وأصبح المتحف محط أنظار الكثيرين الذين يتوافدون لزيارته والإطلاع على محتوياته "القيمة" من أكثر من مكان، حيث تزوره الوفود المدرسية والجامعية والمؤسسات الرسمية والأهلية محلياً وخارجياً، إضافة إلى الوفود الأكاديمية المتخصصة في علم الآثار من جامعات قطاع غزة وغيرها من الجامعات العربية والأجنبية على رأسها وفد كلية الآثار بجامعة القاهرة وآخر من جامعة هارفارد الأمريكية وغيرها.
ويسرد العقاد الذي يطلق عليه الغزيون لقب "عاشق الآثار" بداياته الأولى مع التراث، قائلاً: "مذ كنت في الصفوف المدرسية الأولى وأنا أحاول دائماً البحث عن مقتنيات الآباء والأجداد لأجمعها في صندوق كنت أحتفظ فيه داخل غرفتي. وظلت تكبر معي هذه الهواية حتى سيطرت على كل حياتي وتحولت من محاولة الحصول على بعض المقتنيات الصغيرة، إلى البحث الجدي عن كل ما يمثل فلسطين تراثاً وآثاراً". ويضيف لـ: "لأكثر من عشرين عاماً، وأنا أبحث في كل منطقة بقطاع غزة عن الآثار، إذ أصبحت لدي قناعة أن هذا هو مشروع حياتي لأواجه الاحتلال. وقد خصصت كل وقتي وجهدي وإمكاناتي المادية لذلك، فالحفر والتنقيب عن الآثار يحتاج إلى تكاليف مالية كبيرة لا أقوى عليها في كثير من الأحيان، فاضطر إلى الاستدانة من هذا القريب أو ذلك الصديق". ويضيف "الهدف من وراء إنشاء هذا المتحف هو المحافظة على تاريخ فلسطين الكنعاني، وكل ما كان للفلسطينيين من تراث وآثار متنوعة مرت بها فلسطين عبر مراحل تاريخية طويلة، وذلك في ظل الجهود الحثيثة التي يبذلها الاحتلال في التنقيب عن المكتشفات الأثرية الفلسطينية وسرقتها بهدف تزييف التاريخ".
ويقام متحف العقاد في منطقة زراعية هادئة وسط منزل ريفي، حيث الطبيعة الجميلة والأشجار الباسقة والطيور التي لا تغادر السماء. وما أن تطأ قدم الزائر أرض المتحف حتى يجد نفسه أمام مكان من نوع آخر. فلا زجاج يحيط بالمقتنيات ولا حوائط عالية أو أبواب فولاذية أو مبنى ضخم من تلك التي توضع فيها الآثار في دول العالم الأخرى. إذ لا توجد سوى بعض الحجرات القديمة التي تتراكم فيها القطع "الثمينة" والممرات الرملية التي يزخر جانباها بالأحجار والأعمدة الرومانية والبيزنطية.
ويضم المتحف قسمين: الأول يختص بالآثار على اختلاف مراحلها التاريخية، والثاني يعنى بالتراث لمختلف المدن والقرى الفلسطينية. ويضم كل قسم أركاناً متعددة تختص كل منها بزاوية تاريخية واحدة. وفي قسم الآثار ركن خاص بالآثار الرومانية والبيزنطية، إذ يحتوي على أعمدة من الرخام تعود إلى العصر البيزنطي في حوالي (350) ميلادية، وتحديداً عصر الملكة "هيلانه"، علاوة على أعمدة رومانية من الحجر الكلسي تعود للعام (63) قبل الميلاد وعلى أوانٍ فخارية تعود للإنسان القديم. وفي ركن آخر توجد مجموعة كبيرة من النقود المعدنية التي تعود لحقب تاريخية متعددة أقدمها النقود الرومانية والبيزنطية، إضافة إلى النقود المستخدمة في العصور الأموية والعباسية والأيوبية، ناهيك عن النقود المملوكية والعثمانية والفلسطينية.
ويقول العقاد الذي أطلعنا على مختلف مقتنيات متحفه " وأخيراً تم العثور على تابوت أثري نادر في مقبرة بيزنطية تم اكتشافها خلال عمليات حفر لبناء منزل شرق خان يونس. ويعود التابوت المكون من الرصاص اللين إلى العصر البيزنطي ويزن (105) كيلو جرام. وبداخله قطعتان نقديتان، مرسوم على وجههما الأول صورة لإمبراطور بيزنطي بزيه العسكري، وحرف كبير على الوجه الثاني للدلالة على القيمة النقدية للعملة". أما ركن الأسلحة، فيضم مجموعة من القذائف والذخائر التي استخدمت في الحربين العالميتين الأولى والثانية ويعود بعضها إلى العام الأول من القرن العشرين، علاوة على الأسلحة المستخدمة في الحروب الفلسطينية والعربية سواء قبل عام "النكبة" أو بعدها.
وفي قسم التراث ركن يحتوي على الأثواب المختلفة للنساء الفلسطينيات في كل قرية ومدينة قبل نكبة عام 1948. إذ تعكس تلك الملابس الطابع القروي والمدني في آن واحد. إضافة إلى الأواني والأدوات التي كانت تستخدمها المرأة الفلسطينية في أعمالها المنزلية مثل فرن الطابون، والكانون، والصومعة، والغربال، والأواني الفخارية والنحاسية. ولزي الرجل الفلسطيني نصيب في هذا الركن، إذ يزخر بعينات من الكوفية والعقال والعباءة والقمباز والعصا المزخرفة، ناهيك عن "الهودج" المزين الذي كان يوضع فوق الجمل لنقل العروس يوم زفافها من بيت أهلها إلى بيت زوجها. ويوجد ركن آخر خاص بالأدوات الفنية التي كان يستخدمها الفلسطينيون قديماً للعزف بالموسيقي في أفراحهم، مثل اليرغول والشبابة والربابة. إضافة إلى الأدوات الزراعية، مثل المنجل والمحراث القديم والمذراة والهوجا، ناهيك عن بعض أدوات الفروسية. وفي ركن الانتفاضة، يشاهد الزائر الأدوات الحربية البسيطة التي استخدمها الإنسان الفلسطيني لمواجهة جيش الاحتلال خلال الانتفاضة الأولى، مثل الحجر والمقلاع والسكين والخنجر، علاوة على قائمة طويلة من الصور الفوتوغرافية لشهداء الانتفاضة وجرحاها وأسراها، مع بعض المنتجات اليدوية للأسرى في سجون الاحتلال. أما الجانب الشرقي للمتحف "المتواضع" شكلاً و"العظيم" مضموناً، فتوجد فيه مكتبة صغيرة تضم كتب التراث والتاريخ الفلسطيني، وتحمل عناوين متعددة، مثل يوم الأرض، والانتفاضة بين الجذور والآفاق، وفلسطين القضية والهوية وغيرها. وقبل أن نغادره تاركين خلفنا "نموذجاً" يحتذى للنضال الفلسطيني، قال العقاد:" ستستمر رسالتي النضالية المقاومة، ولن أتواني عن حفظ وحماية تراثنا وآثارنا بقدر المستطاع، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الاحتلال؛ لأن استلاب التاريخ والتراث لا يقل خطرًا عن استلاب الأرض والوطن". داعياً الجميع إلى التعاون من أجل تشييد مكان يليق بفلسطين وآثارها، ويحفظ تراثها من الضياع. فقد مرت عشرات السنين ، ولم يجد مبنى المتحف طريقه إلى النور. فأي مستقبل ينتظر شعب لا يهتم بماضيه؟.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات