بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
غادة السمان : الغربة تحاصرنا في الوطن ... وطني مُقيم في داخلي
  31/03/2009

غادة السمان : الغربة تحاصرنا في الوطن ... وطني مُقيم في داخلي

غادة السمّان كاتبة تعيش الكتابة كما الحب، من الوريد الى الوريد. ودورتها الدموية من الحبر. هكذا بدأت واستمرت ومازالت تعيش على حافة البقاء متسلّحة بنبض القلب والقلم. لأنها كاتبة من طراز مختلف وتحافظ على وتيرة النبض الذي يدفع الكلام الى العلن والنور، كان لا بدّ من محاورتها والتعرّف على واقع المرحلة التي تعيشها اليوم، بعد ظروف الحياة والايام التي عبرتها. • غادة السمان، من انت؟ اكرر هذا السؤال من دون ملل وأزيد عليه: من هي الكاتبة التي دورتها الدموية من الحبر؟ من هي غادة اليوم، وبالأمس وفي المستقبل؟ ما اسم الايام والاماكن التي تمكث فيها او تأتي منها، والى اين تذهب؟ اين تقيم سيدة الحب من الوريد الى الوريد، اما زالت شهوة الاجنحة تشدك والى اين تأخذك هذه الاجنحة؟ غادة السمان هل هي كائن حاضر ام غائب؟
حاضرة في غيابي و«شهوة الاجنحة» تؤكد لي ان «الجسد حقيبة سفر» و«القلب نورس وحيد في زمن الحب الآخر» و«رحيل المرافئ القديمة». بينما «البحر يحاكم سمكة» و«الرغيف ينبض كالقلب» تنطلق صفارة انذار داخل رأسي فأمضي في تسكع داخل جرح بينما القبيلة تستجوب القتيلة التي تعيش الحب من الوريد الى الوريد وتحاول «اعتقاد لحظة هاربة» او «ختم الذاكرة بالشمع الاحمر» متلبسة بالقراءة كأي مواطنة اخرى تعيش «ليل الغرباء» و«الجسد حقيبة سفر» لامرأة عربية وحيدة تخط كتابات غير ملتزمة ولا تخشى «السباحة في بحيرة الشيطان» ما دام «لا بحر في بيروت» من دون التخلي عن الرواية المستحيلة ـ فسيفساء في كوابيس بيروت ومن دون ان تنسى «ليلة المليار» او سهرة تنكرية للموتى عاشتها بعد «غربة تحت الصفر» استمتعت فيها بالرقص مع البوم وهي تخط «رسائل الحنين الى الياسمين» صارخة «اعلنت عليك الحب» كأية عاشقة في محبرة تتواصل مع الحبيب الافتراضي وتعلن بتمرد «اشهد عكس الريح» وكل ما تقدم هو من بعض عناوين كتبي وأظنني اجبت على سؤالك.
• اما زالت الغربة تحاصرك، لماذا انت في المسافة البعيدة، اين صار وطنك، ما لونه وطعمه ونكهته؟
الغربة تحاصرنا جميعاً وبالذات في الوطن. والمنفى يكاد يصير لدى البعض وطناً، لكنني اعرف دائماً ان وطني مقيم داخلي، وكلما ابتعدت اقتربت. وطني هو انتمائي الى كل ما هو انساني في الحضارات الاخرى، لكنه اولاً انتمائي بلا مواربة الى عالمي العربي والى مدينتين تسبحان اولاً في دورتي الدموية: دمشق وبيروت. من يتنصل من عباءة اجداده قد يموت برداً في صقيع القارات. لدي نقطة ارتكاز هي حضارة الام التي جئت منها وأعتبر بها ومن تعاليمها الانفتاح على الحضارات الاخرى. وهكذا، ارحل وأتشرد وأقترف اخطاء هائلة، ليس من بينها قطعي لجذوري، ولا تنصلي من العصر والمستقبل.
• بيروت المدينة التي عشقتها غادة اما زالت هي نفسها في نظر السيدة التي قالت «لا بحر في بيروت»؟
لا اريد ان تظل بيروت التي احببتها مدينة توقف فيها الزمان وتحجرت. المدن حالة حية كالبشر. «لا بحر في بيروت» كانت ويا للأسف شبه نبوءة تكاد تتحقق، ولكن بيروت هي ابنة البحر الانساني المضيء الشاسع. لقد كتبت رباعية بيروت في اربع روايات هي: بيروت 57، كوابيس بيروت، ليلة المليار، سهرة تنكرية للموتى (3002) والخيط بينها هو انني سأظل اكتب بعناد لتظل بيروت مدينة الاحتضان وعاصمة للحرية العربية والفكرية.
• هل دهمك الحزن، كيف ولماذا ومتى؟ هل تحزن غادة؟
اي حزن؟ وعلام الحزن؟ لم تتعمد طفولتي بمأساة ضياع فلسطين (المسماة رسمياً النكبة) ولم يتخضب صباي الاول بهزيمة 5 يونيو (المسماة رسمياً النكسة) ولم اعش في بيروت حرب الفنادق في قصر الداعوق الذي صار موقعاً حربياً وقتئذٍ كالفندق قبالتنا (الهوليدي ان) ولم اشهد اقتتال الاخوة الاعداء على طول عقود من الجنون (والعباقرة) يقومون بالتنظير لذلك الالتهام الاخوي والاقتتال المحلي، ولم افقد احباباً سنة بعد اخرى في الانفجارات والحروب، ولم افقد اخيرا اغلاهم بشير الداعوق والد وحيدي وكل شيء على ما يرام في حياتي. وأقيم في بيت مجاور لبرج ايفل يطل على نهر السين. وأعيش بين باريس وجنيف ونيويورك وزوريخ وروما ولندن، فعلام الحزن؟ كل ما في الامر انني لم اعد اعرف ان اعبّر عن فرط سعادتي لانني اعيش هانئة في كون لا حروب فيه ولا اوبئة ولا مجاعات ولا زلازل ولا احزان، ولا فقراء ولا تعساء وما من مشرد عن بيته او وطنه والمودات شاعت حتى لينام المرء في فم التمساح وهو آمن وتلف المرأة على خصرها الافعى كزنار وهي مطمئنة. يا له من كوكب يسير ببهجة، فعلام الحزن؟
• ما الفرح الذي تراه غادة، هل هو كائن يتحرك ام صامت يبث همساته، ام بعيد لا يقترب منك؟
الفرح كائن فضائي لا يطمئن كثيراً الى البشر لأنهم يزعمون مغازلته ويفعلون كل ما في وسعهم لقتله. ألم اقل لك ذات يوم ان الفرح امبراطور لا يحب الشعراء والفقراء والنساء؟ قلته في اهدائي لكتابي «عاشقة في محبرة» وكأي حبيب عسير يعتقد اننا نطارده لنقتله ولعله على حق ومن يلومه والقتل عند البشر مرادف للحب؟ يا عزيزي، الفرح ليس صناعة بشرية، اما الحزن فمن اختصاص كوكبنا ولو لم نجده لاخترعناه. الفرح؟ لم بعد يترقب من كوكبنا ومن يلومه؟
• لا خلاف ان غادة كائن من حبر ودم وقلم وعاطفة جياشة، ولكن لا بد من تحديد السؤال، اين تجدين حرية حبرك وقلمك، في القصيدة؟ في الكتابة الروائية؟
اجدها في كل ما اخطه لحظة الكتابة، بما في ذلك الاجابة عن اسئلتك الآن. ربما كان المرض، لست معنية كثيراً بالتسميات: شعر، رواية، حوار، نقد، لان الكتابة حرية، وأكتب كما يحلو لي كيفما يحلو لي. كأن الكتابة هي الداء والدواء في آن واحد.
• لنتوقف عند خصوصية الشعر في حياة غادة، ماذا يعني لك هذا الشعر كما يقول احد الشعراء؟
في حواري مع الدكتورة نجلاء نسيب الاخيار ضمن اطار اطروحتها لجامعة السوربون الباريسية عن الشعرية قلت لها ان لا تعريف نهائياً للشعر وكلما اخترعنا تعريفاً للشعر يخترقه شاعر حقيقي، ويتجاوزه ويرغمنا على ابتكار تعريف جديد. ككل عشاق الشعر. لا استطيع تعريف تلك الابجدية المشعة لكنني اعرف جيداً كل نعت ليس شعراً رغم انف اي تفريط له لاسباب خارجة عن النص. وهذا شائع عندنا. الشاعر هو ببساطة الشاعر، وكل مدسوس على ملكوت الشعر لا يفلح في لمس تلك الحقيقة غير الملتبسة في قلبي.
• هل يمكن للكتابة في حياة غادة ان تكون بديل كل شيء؟
يا للهول، الكتابة، كبديل من الحياة مثلاً؟ الكتابة بلا تواصل قلبي؟ بالتأكيد لا. ما من كتابة مقطوعة الجذور مع الحياة والآخر. الكتابة ليست صقيعاً ثلجياً وليست ملجأ من الانفجارات الذرية في الكهوف العصرية بل هي القدرة على تحريك القلب والحدس والتراث والنبوءة والكتابة خلال الانفجار وقبله وبعده.
• الآخر في حياتك من هو؟ الرجل؟ الانسان الحبيب؟ العشيق؟
الآخر في حياتي هو الآخر اياً كان. انه حارسة المبنى التي قرعت بابي وايقظتني هذا الصباح، موظفة «السوبر ماركت» التي اخترت عندها فاكهتي وثرثرنا طويلاً عن همومنا وساعي البريد الذي حمل الرسائل والسيد الوزير الذي قام بدعودتي لزيارة بلده الكريم وجارتي المريضة التي رافقتها الى المستشفى بعد عارض قلبي. اكرر: لا اعيش في انبوب مفرغ من الهواء، والآخر هو اي انسان آخر يتصادف ان تتقاطع خطوط مصائرنا معاً او حتى الخطوط لحياة يومية عابرة.
• الغضب في كتاباتك مهما عصف لا يحجب شعور الهيمنة، على من تهيمن غادة، وهي من يهيمن عليها؟
احاول الهيمنة على نفسي وعلى ابجديتي، فالأدب ليس وصفاً لكوارثنا الصغيرة وما يحدث لنا يومياً ولا عملاً انتقامياً موضوعياً للحياة. ولا بد من حد ادنى من الهيمنة على العابر الشخصي لمصلحة الابداعي.
• ماذا تكتبين اليوم؟ بعد كل الذي كتبته غادة هل من كلام آخر يضيف الى وعاء المعنى ما ينقصه؟
ربما لا... لكنني لا اكتب لحاجة الزمن لي او الادب، اكتب لأنني هكذا، كما تغرد البومة وحشتها بحبور محتفية بقدوم الليل والاشباح وكما تتنهد الازهار عطراً قمرياً او تئن الاشباح في الليل شعراً اكتب لأنني سأموت ولأنني ما زلت احيا، ولأنني لا اعرف وسيلة اخرى للتواصل ولا املك مسدساً آخر غير الابجدية اطلق منها النار على موتي الاكيد الآتي
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات

1.  

المرسل :  

منذر فلاح

 

بتاريخ :

17/05/2009 09:39:19

 

النص :

انا من عشاق الاميرة غادة احمد السمانلا ارجو شيء سوى البريد الالكترني خاصتها