بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
رسالة إلى الشامية العتيقة غادة السمان
  13/05/2009

رسالة إلى الشامية العتيقة غادة السمان
عزيزتي الشامية العتيقة


كلما سرت في حواري دمشق القديمة أحسك تسيرين إلى جانبي، وذكرياتك تنهمر كمطر نيساني، فتبعث في روحي رائحة زهر النارنج والياسمين والريحان! ‏
لا أدري يا صديقتي لِمَ وجدت نفسي أناديك بالشامية العتيقة؟ مع أنني أعرف أنك تحبين لقب «الدمشقية العتيقة»!! ألأنني أعيش اتساع قلب مدينة تروي بحبها عطش كل من يحيط بها؟ ‏
أتعرفين أن (في اللهجة المحكية) علّمتني رحابة صدر الوحدة رغم الاختلاف، هذه الوحدة التي باتت اليوم أشبه بحلم! ‏
أحيت دمشق/الشام، ومازالت، في أرواحنا تاريخاً لم يعرف الحدود، فتبدو لي أماً رؤوماً تفتح قلبها لأبنائها العرب في أية بقعة في العالم، وتحضن أي غريب لا ينطق لغتها أو لهجتها!! لهذا كانت أمي، رحمها الله، تردّد “الشام شامة على كل الدِّنية”! ‏
أعترف أيتها العزيزة أنني أحسست أن لقب الشامية يليق بك أكثر؟ إنه يشبهك يرفرف حباً، ويعبق تسامحاً، ويرفض قهر الآخرين وإذلالهم!! ‏
إن هذا اللقب مثلك يلمّ في ضلوعه «دمشق» مسقط روحك وبيروت مسقط عشقك وفلسطين مسقط حزنك! لعلي وجدتُ فيه أيضاً تجلياً لأحد أحلامكِ في وحدة عربـستان وزوال كربـستان! ‏
أحسست في مكالمتك الأخيرة أن الوطن يعيش فيك، لمست ذلك في لغتك الأدبية واليومية، بل في كل تفاصيل حياتك، وجدتك تبحثين بلهفة عن رائحته في الغربة، فتشمين الأشياء الصغيرة التي تأتيك منه بكل بكيانك! ‏
ابتكرت وطنك في لغتك، لعل ذلك خفّف عناء غربتك، فقد سكنتك روحه، وتعبيرات لغته المحكية، لهذا سمعتك في هذه ترددين مقولة شعبية (شامية) تلخص شخصيتك المرهفة «لا أحب أخد اللقمة من تم (فم) غيري» فقلت في نفسي: يا الله!! كيف استطاعت غادة السمان رغم غربتها عن الوطن مدة تزيد عن الثلاثين عاما أن تعيش الوطن في همومه ومفرداته وأمثاله الشعبية؟ فاستطاعت أن تجسد لنا روح المكان! هل تقمصت الكاتبة هذه الروح، فباتت تعيش بفضلها، مثلما بات قلبها على شكل خارطة سورية؟!!! ‏
حين أقرأ أدبك أتأكد أنك اتخذت اللغة العربية وطنا لك! فقد لاحظت في روايتك التي كانت أشبه بسيرة ذاتية لك «الرواية المستحيلة: فسيفساء دمشقية» كيف كان الحنين اللغوي وسيلتك التي عبّرتِ بها عن شوقك لأرض شهدت طفولتك وشبابك!! ‏
أعطيتِ العربية قدر ما أعطتك، أخلصت لها الحب، فكانت ضياء العين ونبض القلب! وهي في المقابل باتت لكِ روحاً حنونة تؤنسك في وحشة الغربة! كلما قرأت لك أقول في نفسي: هذه هي هويتك التي تعرفين بها بين أبناء العروبة، وتباهين بها العالم بعد أن تُرجم أدبك إلى لغات العالم شرقه وغربه! ‏
أحيانا أتساءل: كيف استطعت أن تخلصي للعربية كل هذا الإخلاص؟ هل وجدت فيها تعويضاً عن فقد الوطن؟ ‏
ولكن أيتها العزيزة هل جعلت من اللهجة (الشامية) حصناً يحميك مشقة مواجهة الواقع؟ هل هي فعلا تعويض عن مكان شهد أجمل سني عمرك، وضمّ أحب الناس إلى قلبك؟ ترى هل تخشين اللقاء مع موطن الأحلام والطفولة؟ هل تخشين مواجهة أحد منابع إبداعك!!؟ لعلك تخافين انكسار الحلم، وفجيعة تشويه الصورة التي تحضنها ذاكرة الروح؟ لعلك تخافين أن يكون اللقاء خيانة لذكرى جميلة، حضنت أفراح طفولتك وشبابك، فكانت بلسماً لجراحك؟ لعلك لا تريدين نبش آلام عهدت للزمن بدفنها؟ ‏
أتدرين لِمَ هذه الرسالة؟ ‏
تخيلتكِ، أيتها الوفية، بالأمس تفرحين معي، حين شاهدت بردى وقد عادت الحياة إلى عروقه! تمنيت أن تري بالعين، مثلما ترين بالقلب، معجزة هذا النهر الذي لا يعرف الموت! قد يتوقف نبضه شهورا طويلة، لكن الربيع يحييه، مثلما يحيي الأرض والإنسان! ‏
أتخيلكِ كلما نظرت إلى السين من شرفتك تذكرين بردى، فقلبك لا يعرف الخيانة للحب الأول، ومازال يقاوم إغراءات السين وسحره! ‏
أعترف لك بأنني بعد أن قرأت «الرواية المستحيلة، فسيفساء دمشقية» كلما مررت في دمشق القديمة أحس أن حواريها تناديك، وتأتمنني على أشواقها إليك! ‏
تعالي أيتها الشامية العتيقة لأصطحبك إلى أزقة لم تعبث بها يد العولمة بعد! ‏
تعالي فأنا خائفة على دمشق أن تفقد هويتها، التي هي بهاؤها! ‏
د. ماجدة حمود -

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات