بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
يوميات جمال عبدالناصر في حرب فلسطين عام 1948
  23/05/2009

يوميات جمال عبدالناصر في حرب فلسطين عام 1948

مع الذكرى الـ61 لنكبة فلسطين، كان لدى عميد الصحافيين العرب محمد حسنين هيكل مفاجأة جديدة لم تنشر من قبل، وهي التقارير العسكرية الرسمية التي كان جمال عبدالناصر يكتبها يومياً على جبهة القتال، مسجلاً فيها بدقة لافتة كل التطورات الميدانية والأوامر التي تصدر عن قيادة القوات المصرية وتحركات التشكيلات والاشتباكات اليومية. في هذه الأيام الممتدة من منتصف مايو سنة 1948 وحتى نهاية العام، تعلقت أنظار ملايين العرب بجيوشهم التي تدفقت إلى أرض فلسطين لمنع تنفيذ قرار التقسيم الذي منح الحركة الصهيونية أغلبية أراضي فلسطين كي تنشئ عليها دولة يهودية باسم 'إسرائيل'، وكان الاعتقاد وقتها أن الانتصار العربي شبه محسوم رغم أن مجموع أعداد القوات العربية التي ذهبت للحرب لم يزد على 20 ألفا، كان عليهم أن يواجهوا 60 ألفا من أفراد الميليشيات الصهيونية المسلحة جيداً، والتي تمتلك قيادة موحدة وقادرة على إدارة المعركة على عكس أوضاع الجيوش العربية.
ومع نهاية الحرب بنتيجتها المعروفة، تبين للرأي العام العربي أن أغلب أراضي فلسطين ضاعت دون معارك حقيقية باستثناء حالات محدودة، حدث فيها الاشتباك وصمد المقاتلون ببسالة أسطورية، وأثبتوا أن باستطاعتهم تحقيق النصر لو كانت ظروف الميزان العسكري وتماسك القيادة مختلفة عن تلك الموجودة في ذلك الحين.
وفي مقدمة المعارك التي لفتت الأنظار هي تلك التي دخلتها ثلاث كتائب مصرية يقدر أفرادها بحوالي ثلاثة آلاف ضابط وجندي، انتشروا على طول الخط الذي يربط بلدات بيت جبرين والفالوجة وأشدود والمجدل، وتمكنوا من منع تقدم القوات الإسرائيلية لاحتلال النقب، وصمدوا رغم وقوعهم في حصار محكم في منطقة الفالوجة ولم ينسحبوا إلا وفق اتفاق الهدنة الذي وقع في رودس في فبراير سنة 1949.
كانت القوات الإسرائيلية التي تواجه هذا الخط الدفاعي بقيادة ييجال آللون، أما القوات المصرية فكان يقودها العقيد (وكانت الرتبة تسمى وقتها 'قائم مقام') السيد طه، والذي تمت ترقيته أثناء المعارك إلى 'أميرالاي' (أي عميد) ومساعده الأول هو أركان حرب الكتيبة السادسة 'الصاغ' (أي الرائد) جمال عبدالناصر والذي رُقي أثناء المعارك إلى مقدم (وكانت الرتبة تسمى وقتها 'بكباشي').
لم يكن أحد يعرف وقتها أن جمال عبدالناصر وهو في ذلك الوقت في الثلاثين من عمره سيكون بعد عشر سنوات فقط رئيساً لأكبر دولتين عربيتين: مصر وسورية، بعد أن قاد ثورة في القاهرة وأمّم قناة السويس كاتباً كلمة النهاية في تاريخ الامبراطوريتين البريطانية والفرنسية.
من هنا تأتي أهمية هذه الوثيقة ، إذ إنها تكشف جانبا مهما من قصة نكبة فلسطين من خلال صورة واقعية من خنادق القتال سجلها واحد من أبطال الحرب، قدر له بعد ذلك أن يكون أحد الذين صاغوا واقع المنطقة العربية كلها.
مقاتل في فلسطين
على مكتب متواضع فوقه 'لمبة جاز' في غرفة صغيرة لا باب عليها برئاسة الكتيبة المصرية السادسة في حرب فلسطين، دأب 'الصاغ جمال عبدالناصر' رئيس أركان حرب الكتيبة، الذي رُقّي خلال هذه الحرب إلى رتبة 'البكباشي' على كتابة يومياته في دفترين... أولهما: دفتر رسمي، كتب على أساسه تقاريره إلى رئاسة الحملة، وسجل عليه 'ملخص الحوادث والمعلومات' من تعليمات القيادة وحركة القوات وعمليات القتال، وضمنها ملاحظات وشهادات لها قيمة تاريخية تكتسبها من أن صاحبها رجل قُدِّر له بعد أربع سنوات أن يمسك بمقاليد الأمور في مصر، ويقود أوسع عملية تغيير اجتماعي واستراتيجي قلبت معادلات المنطقة وحسابات القوة فيها.
وثانيهما: دفتر شخصي أودع فيه مكنونات صدره عن ذات الأحداث والوقائع بتفاصيل أكثر تعبيراً عن رؤاه وأفكاره، ودواعي الغضب الذي اعتراه من تخبط القيادة وغياب التخطيط، وهو غضب لخصه في عبارة قاطعة كتبها بخط يده 'فقدنا الإيمان في قيادة الجيش… وفي قيادة البلاد'، وكانت تلك العبارة، بخلفياتها في ميادين القتال والفوضى الضاربة فيها، نقطة تحول جوهرية في حياة الناصر، حكمت مصيره ومصير مصر والعرب معه بعد سنوات قليلة.
والمؤكد -الآن... والوثائق ثابتة بخط يده- أن حرب فلسطين لعبت بأحداثها وأجوائها والجراح الغائرة التي خلّفتها، دوراً حاسماً في ثورة يوليو، إذ باشر عبدالناصر بعد عودته من ميادين القتال في إعادة بناء تنظيم 'الضباط الأحرار' بصورة أكثر إحكاماً واتساعاً، وتشكيل هيئته التأسيسية، والتوجه إلى إطاحة النظام كله بمقوماته وقصوره في عابدين والدوبارة ولاظوغلي.
عند العودة من فلسطين صحب عبدالناصر معه دفتري اليوميات الشخصية والرسمية، واحتفظ بهما لسنوات طويلة، قبل أن يودعهما لدى محمد حسنين هيكل في مطلع عام 1953.
كانت جراح فلسطين غائرة في وجدانه، على ما تكشف المذكرات المكتوبة بخط يده في الدفترين، وكان اعتقاده بأن حرب فلسطين 'لم تكُن حرباً، فلا قوات تحتشد، ولا استعدادات في الأسلحة والذخائر، ولا خطط قتال، ولا استكشافات ولا معلومات!'.
قلق عميق
في مذكراته الشخصية، سجَّل قلقه العميق على مستقبل الفلسطينيين، الذين تركتهم القوات العربية المنسحبة لمصائر مجهولة تحت وطأة احتلال لا يرحم، ورأى في وجوه فتيات فلسطينيات صورة ابنته الكبرى هدى، وصورة تزاوجت فيها الاعتبارات العسكرية والسياسية والأمنية.
بدا عبدالناصر مقتنعاً بأن مصر تحارب معركة وجودها في فلسطين، ولخص هذا المعنى في الأوراق الرسمية بجملة سجلها أمام ضابط يهودي طلب استسلام القوات المحاصرة من أن 'الجيش المصري يحارب في فلسطين دفاعاً عن شرف البلد، ولا شيء آخر'.
هذه العبارة -بالذات- هي مفتاح شخصية عبدالناصر كمقاتل ورجل دولة حكم أكبر الدول العربية بعد سنوات قليلة، ومفتاح مواقفه التي حكمت السياسة المصرية في عقدي الخمسينيات والستينيات.
كانت الحرب مسألة أمن قومي مصري في المقام الأول، ومسألة مصير عربي واحد، ومسألة كبرياء وشرف.
الجرح الأول
كانت فلسطين جرح عبد الناصر الأول الذي لازمه حتى نهاية الرحلة، وعندما انطلق في سماء المنطقة كشهاب من فلسطين إلى سورية في عقد واحد (1948 – 1958)، تأكدت لديه اقتناعاته الأولى بوحدة المصير العربي، وعندما وقعت كارثة 1967 كان أكثر ما أحزنه أن الأسباب التي أثارت غضبه في حرب فلسطين تكررت بصورة أفدح في هزيمة يونيو، وكان جرحه -هذه المرة- أفدح وأعمق، وفي ما بعد قال إن أول دبابة انفصال كانت هي أول دبابة دخلت سيناء.
إيمان بالمقاومة
بدأ الصعود متوهجاً بالأحلام الكبيرة وبدت -في المقابل- التراجعات كابوسية. قاتل وانتصر وانهزم، لكنه لم يفقد -تحت أسوأ الظروف- إيمانه بالمقاومة والقدرة على النهوض من جديد، أعاد بناء القوات المسلحة بعد الهزيمة من تحت الصفر، وكرّس حياته في سنواته الأخيرة للقتال مرة أخرى، وخاض حرب استنزاف طويلة، ووضع القوات المسلحة المصرية على عتبات النصر، ولكنه لم يعِش ليجني ثماره، ولا يمكن قراءة تاريخ جمال عبدالناصر أو الإلمام ببعض جوانبه الإنسانية والوجدانية، من دون الاطلاع على الوثائق المكتوبة بخط يده في حرب فلسطين، وهي وثائق لم يتسنَّ -أبداً- الاطلاع عليها.
كان الاعتقاد العام، الذي بدا راسخاً، لنحو ستة عقود أن عبدالناصر قد أودع ما لديه من شهادة عن حرب فلسطين مرة واحدة، وانتهى الأمر، على خمس حلقات نشرت خلال شهري مارس وأبريل من عام 1955 في مجلة 'آخر ساعة '، التي كان يترأس تحريرها الصحافي الشاب -حينئذ- محمد حسنين هيكل، والثابت الآن بخط يد عبدالناصر نفسه أنه كان يكتب يومياته عن حرب فلسطين تحت قصف المدافع مرتين في اليوم الواحد، يبدأ بالكتابة على الأوراق الرسمية التي يعتمد عليها في كتابة تقاريره لقياداته، فهذه هي ذاكرة الكتيبة السادسة، قبل أن يسجل يومياته الشخصية، والتي تتضمن مشاعره ومكنونات نفسه على ذات الأحداث، واليوميات -الشخصية والرسمية معاً- تمثل كنزاً تاريخياً لا مثيل لأهميته في قراءة جمال عبد الناصر ومقدمات ثورة يوليو.
وتبدو -الآن- شهادته المنشورة في 'آخر ساعة' عام 1955، بأسلوب محمد حسنين هيكل، متسقة بصورة لافتة مع ما سجله بنفسه في يومياته، لكن الاعتبارات اختلفت في كل شهادة، فالمذكرات الشخصية أقرب إلى حقيقته، فقد كتبها من دون أن يخطر في باله أن مقاليد الأمور في مصر ستؤول إليه، كان ضابطاً شاباً في الثلاثين من عمره، يقاتل بضراوة، ولا يعرف إن كان سوف يعود إلى أسرته مرة أخرى، أم يلقى الشهادة في ميادين القتال، بدا فيها شجاعاً من دون أن يدّعي الشجاعة، مقتصداً في عباراته، قلقاً على أسرته من بعده، والمذكرات الرسمية أبدى فيها بطريقة مبطنة ذات الاعتراضات على أداء القيادات العسكرية، لكنه لم يصرح بها، مكتفياً بتسجيل حركة الأحداث يوماً بعد آخر، وتسجيل القرارات والارتباكات فيها، وملمحاً لغياب التخطيط والفوضى الضاربة داخل القوات، وعند قراءة اليوميات -الشخصية والرسمية- في نفس واحد يبدو المشهد التاريخي متكاملاً بصورة جديدة وكاشفة.
قيمة تاريخية فريدة
وفي تقدير هيكل أن ما كتبه عبدالناصر في يومياته نص مكتفٍ بذاته، له قيمة تاريخية فريدة، لأن صاحبها شخصية تاريخية فريدة، قيمة المذكرات في صاحبها، وفي الأدوار التي لعبها -تاليا- في حرب المقادير والمصائر بالمنطقة.
وفي تقديره أن نصوص اليوميات أهم -من الناحية التاريخية- مما صاغه بنفسه من مذكرات لعبدالناصر عن حرب فلسطين، فهذه المرة عبدالناصر يتحدث بنفسه، وبأسلوبه هو، ولا يستطيع أحد أن يقول 'إن هيكل قال أو لم يقُل'.
كانت لدى عبدالناصر نزعة قوية للتدوين، وقد سجل بخط يده نحو (11) ألف صفحة، لكن اليوميات -الشخصية والرسمية معاً- تمثل نصاً طويلاً ومتصلاً، وكتب -في الحالتين- بذات الطريقة، المكان واليوم والساعة، وعبارات موجزة تلخص ما جرى، مسجلاً مشاعره في بعض الحالات على الوقائع والأحداث.
بدا أسلوبه مقتصداً، فيه نزعة إنسانية مبطنة، وهو أسلوب يختلف عما صاغه هيكل، أراد -وقتها- تقديم صورة حقيقية ومختلفة لرجل يوليو القوي، تعاكس تصورا أريد له أن يسود عن الرجل الغامض المتجهم الذي يمسك بمقاليد الأمور ويحرك الأحداث من خلف ستار. وفيما بعد، لاسيما بعد تأميم قناة السويس، تأكدت تلك الصورة الإنسانية المفعمة بالأحلام والمشاعر الجياشة من حول يوليو وزعيمها، وزالت من المخيلة الصورة الأخرى.
هدف النشر
وفي ما يبدو أن الأجواء العسكرية الملتهبة في 1955، بعد الغارة الإسرائيلية على غزة، كانت من وراء اقتراح هيكل على عبدالناصر تسجيل مذكراته عن حرب فلسطين، ورغم أن المذكرات تنفي أن يكون الهدف منها رفع الروح المعنوية داخل القوات المسلحة بعد هذه الغارة، فإنه لا يمكن نفي هذا الهدف من نشر هذه المذكرات في هذا التوقيت.
في تلك الأيام جلس الرجلان طويلاً وكثيراً، وسجل هيكل شهادة الرئيس على ورق، قبل أن يصوغها بأسلوبه الخاص، مستندا إلى 'دفتر اليوميات' لتدقيق التواريخ والمعلومات، وغلبت على 'مذكرات آخر ساعة' الرؤى العامة لميادين القتال، وعوامل الغضب التي اعترت جمال عبد الناصر... وتبدو الآن -والوثائق تقول كلمتها الأخيرة- أن الروايات الثلاث (شهادة عبد الناصر في 'آخر ساعة' ودفتري اليوميات الشخصية والرسمية) على درجة عالية من الاتساق في الرواية التاريخية ، لكن نقاط التركيز والمعالجة قد تختلف، فما يقوله رئيس الجمهورية عن ذات الوقائع فيه درجة تباين مع ما يمكن أن يقوله الضابط الشاب في مذكراته الشخصية والرسمية، فلكل كلمة في الحالة الأولى حساب مختلف، كما أن ما يسجله الضابط الشاب من مشاعر شخصية تختلف درجة حدتها ومدى صراحتها مع ما يمكن أن يكتبه بنفسه على أوراق رسمية.
إزاحة 'الستار'
'الاتساق' العنوان الأوضح للمذكرات الثلاث، فلا فجوات في الروايات المتعددة، التي كان الاعتقاد العام أنها واحدة حتى عام 2008، قبل أن يزيح 'هيكل' الستار -لأول مرة- عن نصوص المذكرات الشخصية والمفاجأة الجديدة، التي يزيح 'الأستاذ' الستار عنها -اليوم- لم يسبق لأحد أن اطلع عليها، أو علم بوجودها أصلاً، هي يوميات عبدالناصر في حرب فلسطين على أوراق رسمية.
القصة تستحق أن تُروى
في شتاء عام 1953 خطر لهيكل إجراء 'حوار في العمق' مع رجل يوليو القوي، الذي بدا له أنه زعيم الثورة وقائدها الحقيقي، يكشف عن شخصيته وأفكاره وتجاربه في 'فلسطين' و'السودان' و'منقباد'، وخلفياته الاجتماعية.
وافق عبدالناصر على الفكرة... ودعا الصحافي الشاب، الذي تربطه به معرفة قبل الثورة إلى منزله في الوايلي، وكان منزلاً شديد التواضع.
في هذا اللقاء تجسرت العلاقات بين رجلين... وتلاقت أفكار وتصورات، وبدا 'هيكل' مأخوذاً بشخصية القائد الشاب، وأنه رهان مصر ومستقبلها... ووضع 'ناصر' ثقته في 'هيكل' الذي تولى صياغة خطاباته ووثائق الثورة.
في هذا اليوم الفارق في العلاقة بين الرجلين، وبينما الحوار يستفيض ويسهب في الوقائع والتفاصيل متطرقاً إلى حرب فلسطين، توقف جمال عبدالناصر فجأة عن الكلام، وطلب من ضيفه الانتظار قليلاً، وغادر حجرة الاستقبال ليعود بعد قليل ومعه صور ومتعلقات شخصية ورزمة خطابات، بعضها تلقاها بعد العودة من الحرب من أهالي الفالوجة، وبعضها من زوجته تحية ووالده وعمه، وبرطمان مملوء برمل المنطقة التي حارب فيها، معتقداً أنه سيعود إليها ليقاتل مرة أخرى.
وبدا لعبدالناصر أن هذه اليوميات ربما تساعد في التعرف عليه بصورة أفضل، وأودعها لدى هيكل، الذي كتب حلقتين من أحاديثه مع عبدالناصر، واستند إلى الجو العام للمذكرات في التطرق إلى ملامح شخصيته، ورأى عبدالناصر في ما كتب هيكل تعبيراً حقيقياً عنه، وامتدت الحلقات -بتصميم جديد للهدف منها- لتصوغ الوثيقة الأولى لـ'ثورة يوليو' التي عُرفت باسم 'فلسفة الثورة'.
وفيما بعد استند 'هيكل' إلى ذات اليوميات في كتابة 'مذكرات الرئيس عن حرب فلسطين' بعد ذلك بنحو سنتين، لكن الأصول -ذاتها- لم يطلع عليها أحد حتى نُشرت في مطلع عام 2008.
على مدى (55) عاماً احتفظ هيكل بدفتر مذكرات جمال عبدالناصر الشخصية، غير أنه أشار إليه في إحدى حلقاته على قناة 'الجزيرة'... وقد اتصلت به بعد خمس دقائق من نهاية هذه الحلقة المثيرة، مستغرباً أن يحتفظ بوثيقة خطيرة، عمرها ستون عاماً من دون أن ينشرها... وكانت إجابته 'لها وقت تنشر فيه... في حياتي أو بعدها'... قلت 'ما وصلت إليه لم يكن من فراغ، فلا أحد بوسعه أن يصبر كل تلك العقود على وثائق بمثل هذه الخطورة'... فقال على الفور 'هو الذي لم يولد من فراغ... سجل ما لديه لأنه يعتقد أن ما يكتبه له قيمة... أنت أمام ضابط شاب يعرف دوره وقضيته وهدفه، ويعرف لماذا هو غاضب، وكيف يمضي بغضبه إلى مسارح جديدة وعوالم مختلفة؟'... ثم أردف 'بعد كل هذا العمر... وكل هذه التجارب، فإنه الرجل الوحيد الذي أنا مستعد للانحناء أمامه'... ثم تكرم 'الأستاذ' بإرسال نصوص المذكرات لنشرها بعد 60 عاماً من كتابتها.
كان على الغلاف الخارجي لدفتر المذكرات الشخصية بقعة من دم عبدالناصر... وهو رجل ولدت إرادة الثورة فيه تحت وهج النيران.
ولكن كانت لدى 'الأستاذ' مفاجأة جديدة لا تخطر على بال... مذكرات أخرى لجمال عبد الناصر عن ذات الفترة، كتبها في ذات التوقيت، على أوراق رسمية، لعلها الكلمة الأخيرة التي تستكمل الصورة في شهادة عبدالناصر على حرب فلسطين، تنشر بعد 61 سنة من النكبة، التي لاتزال تطاردنا حتى اليوم.

وثيقة تنشرها صحيفة الجريدة الكويتية على حلقتين اليوم وغداً
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات