بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
وعد بوحسّون: صوت الحبّ والوجد والأسى
  04/06/2009

وعد بوحسّون: صوت الحبّ والوجد والأسى
غناء طربي وصوفي على عودها ومن ألحانها

صاحبة الخامة المميزة في الغناء الشرقي، أمسكت العود منذ صغرها. في باكورتها «صوت الحب»، نتعرّف على الفنانة السوريّة الشابة لا كعازفة محترفة فحسب، بل أيضاً كمطربة شغوفة بالشعر الغزلي والصوفي، ومؤلفة تتبع ثوابت موسيقيّة مقدّسة
مع صدور باكورتها «صوت الحب» (معهد العالم العربي)، دخلت الفنانة السورية الشابة وعد بوحسّون (1979) معترك الموسيقى العربية الأصيلة بجديّة. لا تسعى الفنّانة السوريّة الشابة، من خلال خيارها هذا، إلى منافسة زملاء باتوا قلّة في الأساس، بل تريد أن تسهم في تقديم إضافةٍ متواضعة إلى الموسيقى العربية والغناء الطربي والصوفي. هذه الملامح في شخصيتها يستشعرها المرء منذ اللقاء الأوّل بها، حتّى لو لم يتناول الحديث مشروعها الفني المكوَّن من أساسات ثلاثة: العزف على العود، والغناء، والتأليف الموسيقي.
وعد بوحسّون هي الهدوء المتجسِّد والشغف اللامحدود بالموسيقى والشعر (الصوفي بشكلٍ خاص). هذه الصفات ما زالت تلازمها رغم نزوحها من جبل العرب، حيث ولدت، إلى الشام حيث تعيش اليوم. حتى في صخب العاصمة، حاولت وعد خلق فسحتها الخاصة لتحافظ قدر الإمكان على جوّ السلام الريفي الذي تعتبره شرطاً أساسياً «لمزاولة» مهنتها. هنا في شقّتها الدمشقية، تتبع ثوابت موسيقية مقدَّسة: تستقبل نهارها بصوت فيروز، وتودعه بعود منير بشير. أما بينهما فالخيارات تحدِّدها الظروف: إديت بياف لإغناء لغتها الفرنسية... وموسيقى الشعوب، اللاتينية خصوصاً، لمماشاة نبض الشارع في إيقاعه النهاري السريع.
نسجت وعد أول خيوط علاقتها بالموسيقى عبر الكاسيتات التي كان يسجلها والدها، كان الأخير يرصد إذاعات تبثّ أغاني أم كلثوم وأسمهان وفريد الأطرش. حبّ العائلة للموسيقى انتقل إليها، فاشترى لها والدها عودها الأول وهي في السابعة من عمرها، ولقّنها العزف عليه. أولى «إطلالاتها» كانت في المناسبات العائلية، حيث كانت تعزف وتؤدي الأغنيات التي حفظتها. ثم راحت تشارك في المسابقات الوطنية حتى دخلت «المعهد العالي للموسيقى» في دمشق. هنا بدأت وعد تروي عطشها. لم يكن في المعهد فرعٌ خاص بالغناء الشرقي، فاضطرت إلى دراسة أصول الغناء الأوبرالي، إلى جانب متابعة دروس العود مع أستاذها الأول والأخير عسكر علي أكبر (من أذربيجان). طُلِب منها إتقان العزف على آلة غربية كي تتمكن من الانخراط في «الأوركسترا السمفونية السورية». لكنها تمسّكت بالعود، ونالت عام 2003 شهادتها العليا في العزف عليه، مع أنّها تحب في الموسيقى الكلاسيكية حقبة الباروك، وتحديداً باخ الذي عزفت من ريبرتواره الكونشرتو الأول للكمان والأوركسترا (أدت ما كُتِبَ للكمان على العود، ورافقها البيانو الذي أدى توليف الجزء الأوركسترالي).
قدّمت وعد حفلات عدّة، أهمها في دار الأوبرا في دمشق (2006 و2008) وفي حلب والسويداء، كما غنّت في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وتونس والمغرب. بعد الحفلات التي أدّت فيها الكلاسيكيات الكلثومية والقدود الحلبية، إضافة إلى أول ألحانها... حان وقت العمل المسجَّل الأول، الذي صدر منذ بضعة أشهر في فرنسا (يشارك في جزء منه محمود شغالة/ رقّ، وغسان عموري/ قانون). هكذا حوى «صوت الحب» أعمالاً من تلحين وعد التي اختارت قصائدها من الشعر الغزلي والصوفي، الديني والدنيوي (ابن زيدون، وَلّادة، جلال الدين الرومي). وكذلك، أدّت بعض كلاسيكيات الطرب، مثل «يا فجر لمّا تطلّ» و«عرفت الهوى» (طاهر أبو فاشة عن قصيدة لرابعة العدوية/ رياض السنباطي) و«برضاك يا خالقي» (بيرَم التونسي/ زكريا أحمد)، و«أوقدوا الشموع» (طاهر أبو فاشة/ محمد الموجي).
في ما يخص الصوت، تبدِع وعد في الطبقة الوسطى والمنخفضة (لأن صوتها «ألتو»، الصوت الجهور عند النساء). نبرتها جميلة لكنها لا تساوي في القيمة (خصوصاً في الطبقة العالية) العنصرين القويَّين عندها: الطاقة والتهذيب. بالنسبة إلى مخارج الحروف، وهي عنصرٌ أساسيّ في هذا النوع من الغناء، هناك إحساس بأن وعد متمكِّنة جيداً منها، لكنّ تَمَكُّنها ليس معتَّقاً. بمعنى أن هناك ثغراً ما زالت تسرِّب الهفوات (كأن تقول «زاض الضنى» بدل «زاد الضنى» في «يا نائماً»...).
أما وعد العازفة فريشتها خفيفة، تتنقل على الأوتار في الحد الأدنى من الاحتكاك الكافي لضمان صدور النغمة. وهي شديدة الإحساس، إلى درجة أنّ مهاراتها تكاد تخون نيتها في الإفصاح عمّا يختلج في نفسها. في السياق ذاته، فإنّ أداءها أثناء الغناء أمتن تقنياً من الأداء المنفرد، كأنّ صوتها يعطي زخماً لأصابعها. غير أنّ في الأسطوانة محطة تقاسيم في مقام النهاوند، هي غاية في الرّقة والتعبير عن وحشة الوحدة التي تعيشها على المستوى الشخصي.
يبقى أن نشير إلى وعد الملحِّنة. بالنسبة إلى كونها تجربتها الأولى، ما تقدمه في هذا العمل موفَّق ويبشِّر بمستقبل واعد. «باسم الإله» التي تستهلها وعد بتقاسيم (في مقام الحجاز) ممهِّدَة لموال تجويديّ النَّفَس، هي الأنجح على مستوى الأداء الصوتي والتلوين النغمي واللحني في الموال واللازمة والمذهب. وعد بوحسّون ليست صوت الحب فحسب، بل والأسى أيضاً. ما يؤكد ذلك هو الحضور القوي للحجاز في أسطوانتها («برضاك يا خالقي» و«عرفت الهوى»)، علماً بأنها لا تعوِّل كثيراً على هذا المقام في ألحانها الخاصّة (باستثناء «باسم الإله»).
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات