بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
صباح فخري : فني ليس فن لهو وترفيه
  19/06/2009

صباح فخري للعرب أونلاين: فني ليس فن لهو وترفيه

عبد المجيد دقنيش

هو سفير الأغنية العربية الأصيلة في العالم، وهو حامل لواء التراث والطرب العربي الأصيل والقدود الحلبية والموشحات والقصائد التي برع في أدائها، هو آخر العمالقة في هذا الزمن الرديء وقد أثرى الخزينة الموسيقية العربية بروائعه لمدة تفوق نصف قرن كرس حياته منذ صباه لفنه واجتهد وطور التراث وأضاف له من ألحانه وروحه حتى يجعله يتواءم مع متطلبات العصر.

هو وحد بصوته جميع العرب من المحيط إلى الخليج وغنى للحب والسلام والوطن. كرم عديد المرات ونال أعلى الأوسمة والجوائز وله قدرة عجيبة على الغناء لساعات طوال فوق الركح وذلك ما جعله يدخل كتاب غينيس للأرقام القياسية حينما غنى لمدة تجاوزت العشر ساعات في كراكاس بفنزويلا سنة 1968.

هذا هو المطرب السوري الكبير صباح فخري الذي يعتبر أحد معالم سوريا الحديثة مثله مثل نزار قباني ومحمد الماغوط وحنا مينه ودريد لحام وربى الجمال وميادة الحناوي وسوق الحميدية وجبل قاسيون ونهر بردي والحارات والنافورات الشامية.

كانت له إطلالة سريعة على جمهوره التونسي في أحد الفضاءات الخاصة فلم نشأ أن نفوت فرصة تواجده بيننا دون مصافحته والاستماع إلى آرائه الطريفة والصريحة. استقبلنا في جناحه الخاص وأخجلنا بتواضعه وكرمه الكبير فكانت القهوة الشامية بالهيل وكانت الحلويات الشامية أيضا حاضرة وكان هذا الحوار المطول والشيق مع الفنان صباح فخري.

-ماهو تأثير البيئة الأولى التي نشأت فيها في توجهك إلى عالم الموسيقى؟
*أنا نشأت في حلقات الأذكار الدينية الصوفية ثم انتقلت إلى الدراسة الفنية بحلب ودمشق وتخرجت بتفوق في تلك الفترة وتعمقت التجربة مع الإذاعة ثم التلفزة السورية ثم كانت الرحلات إلى مختلف بقاع العالم والحفلات التي أحييها ويبقى تأثير البيئة الأولى مهما في مسيرة أي فنان.

-ماهي أبرز التجارب والمدارس التي تأثرت بها في بداياتك؟ ومن هم الأساتذة الذين تتلمذت عنهم؟
*طبعا جيلي تأثر بالجيل القديم وربونا أساتذة كبار وتعلمنا منهم أصول الغناء وأذكر أنه أول من ساعدني الأستاذ محمد رجب في حلب الذي أعطاني ألحانه وموشحاته وكذلك الأستاذ نديم الدرويش ابن الشيخ علي الدرويش وأخو إبراهيم الدرويش، وقد تأثرت بكبار المطربين الموجودين في تلك الفترة
وهم أساسا أحمد فخش وهو سيد الموال وله تجربة مهمة وكبيرة، ومحمد النصار وكذلك الأستاذ أسعد سالم وكان كل واحد من هؤلاء المطربين الكبار مختصا في شيء من حفظ الأدوار إلى حفظ القصائد إلى الموال.
وأما الذي تأثرت به كثيرا وبنهجه فهو الحاج مصطفى الطراب الذي يعتبر ملك القصيدة وقد متن هذا التأثر صلة القرابة التي كانت تربطني به، وقد بدأت في تلك الفترة أستمع إلى الاسطوانات وأصوات أبو العلاء محمد ومحمد عبد الوهاب والسيدة أم كلثوم فيما بعد وأيضا من سوريا مطربة كبيرة ومهمة هي الفنانة ماري جبرانا ولا أنس أيضا الفنانة المتألقة مها الجابري. التي تعتبر من أجمل الأصوات. وأما في لبنان فكان هناك صوت نور الهدى والمطرب صابر صفح المعروف بإسم بلبل الأرز وهو قبل الأستاذ وديع الصافي.

-زياراتك لتونس متكررة وعلاقتك بها وطيدة فهل أنت مطلع على التراث الغنائي التونسي؟ وماهي أهم الأصوات الغنائية التي تشدك؟
*طبعا علاقتي بتونس علاقة وثيقة ولا شك في ثراء التراث الغنائي التونسي، وحين قدمت إلى تونس تعرفت على ألحان المطرب علي الرياحي وكان ذلك من خلال صوت فتحية خيري التي كانت تغني لي أغاني مثل "إحترت أش نهديلك يا حلوة " وغيرها وتعرفت أيضا على الفنان الهادي الجويني وعلى صوت السيدة علية وكذلك الدكتور صالح المهدي، ثم تتالت الأصوات التي أذكر منها صوت المرحومة ذكرى محمد ولطيفة العرفاوي التي كانت تردد أغاني أسمهان وتعرفت أيضا على صوت لطفي بوشناق الذي كانت له تجربة في سوريا وحاولت أن أرعاه، وأيضا هناك الفنانة سنية مبارك وصوفية صادق ويعجبني كثيرا صوت الفنانة أمينة فاخت وأذكر أيضا صوت الفنان نورالدين الباجي والفنان صابر الرباعي ومحمد الجبالي والأصوات كثيرة طبعا.

-لماذا هذا الاختيار والتركيز في أغانيك على التراث والقدود الحلبيّة والموشحات؟
*من ليس له ماض ليس له حاضر ولا مستقبل ليس هناك إنسان يولد من فراغ ومن دون جذور لذلك فماضينا هو تراثنا وهو مرجعنا، وهذا التراث يحتوي على كنوز ثرية وخاصة اللغة العربية التي تتطابق وتتفق مع موسيقانا العربية ولكل كلمة دورها ومعناها وإضافتها، ورغم تطورنا وتطور الزمن فإننا يجب دائما أن نعود إلى هذا التراث المرجع لأننا لا نستطيع الاستغناء عنه وأنا حامل لواء التراث ومازلت ولهذا كرمت عديد المرات. وأنا أسعى دائما إلى إحيائه وتطويره وتقديمه في قوالب معاصرة حتى تستوعبه الأجيال القادمة. لأن التراث الذي لا يطور يموت ويبقى في المتحف من هنا وجب تطوير هذا التراث بما يتناسب مع الذوق المعاصرومع متاطبات العصر.
وبذلك تصل الرسالة الفنية التي أسعى إلى تكريسها لأن فني ليس فن لهو وترفيه إنما هو فن ذو رسالة هادفة، يحاول أن يصل إلى كل الفئات الاجتماعية والعمرية وفي هذا الإطار فتحت معهدي الموسيقي في حلب الذي يهدف إلى استمرارية البحث والمحافظة على التراث وهو معهد فريد من نوعه في العالم العربي.

-ما رأيك أستاذ صباح فخري في بعض المحاولات التي يقوم بها بعض الفنانين الشباب في إعادة توزيع أغاني قديمة تراثية بأسلوب جديد ومعاصر؟
*ليس لدي أي مانع من تطوير الغناء. اليوم جيل الشباب يحب أن يسمع التراث مع "آرتوأم" مثلا ومع الصخب الآلي وهذا لا يقلقني ولكن المهم هو المحافظة على "الميلودي" وعلى الجوهر. وبمثل هذه الإضافات يتطور التراث وأنا نفسي وجدت تجارب سابقة لي فسعيت إلى تطويرها والإضافة إليها. وبرغم ذلك فعملية تهذيب التراث يلزمها تكوين وخبرة ودراية ولا يمكن لكل من هب ودب أن يدعي تطويره للتراث.

-من هنا فالسؤال المهم هو: كيف نستطيع إعادة قراءة تراثنا الموسيقي وتطويره وتقديمه للأجيال القادمة دون المساس بجوهره وأصالته ودون تحريفه؟
*وهذا ما أقوم به طوال مسيرتي وكل الأغاني التي أقدمها من " قدك المياس" إلى " يا مالي الشام" إلى " ابعث لي جواب" إلى "خمره الحب" في كل مرة أقدمها بطريقة جديدة وأحاول تطويرها لأن الذائقة تتغير ولكل جيل لغته ومتطلبات وما كنت مثلا أقدمه في الماضي في ساعة مثل أغنية " قل للمليحة" مرت أختزله وأقدمه في عشر دقائق لأن الظروف تغيرت.

-كيف ترى المعادلة الصعبة في تحقيق التوازن بين التراث والحداثة؟
*أنا لست ضد الحداثة ولا ضد التطور والبحث العلمي ولكن الفرق بين الحداثة والتراث وما لا يعرفه الكثير هو أن الحداثة ابنة التراث. إذن كل الذي نراه اليوم بعدة مسميات مثل الحداثة والأغنية الشبابية، كل هذا هو نتيجة للتراث فالجوهر واحد والموسيقى واحدة وإن تغيرت طرق التعبير. ومع ذلك فالقضية قضية وعي برسالة الإبداع والفن وطبعا في النهاية التاريخ سيذكر الجيد فقط الذي استطاع ونجح في تحقيق هذه المعادلة الصعبة بين التراث والحداثة، وبين إشباع الرغبات الذاتية وإشباع رغبات الجمهور.

-هل أنت مع إدخال الآلات الغربية إلى التخت الموسيقي العربي؟
*أنا لست ضد أي آلة موسيقية طالما تقوم بواجبها وتؤدي الأداء الصحيح ونحن كعرب لنا آلاتنا التي تفي بأغراضنا بينما الآلات الغربية صنعت لتفي بأغراضهم لذلك فهي عاجزة عن أداء موسيقانا، وقد نلتقي معهم في مقامات معينة ولكن للموسيقى العربية خصوصيتها التي لا يمكن لأي آلة غربية أن تقدمها بالصورة التي نرتضيها. وفي بعض الأحيان الآلة الغربية لا يمكن أن تعطيك أكثر من نصف صوت وبالتالي يصبح دورها في التخت قاصرا وتصبح مشوهة للعمل، أنا لست ضد الآلة ولكن ضد التوظيف السييء.

-عفوا عن المقاطعة أستاذ صباح، ولكن هل ترى أن تجربة محمد عبد الوهاب والرحابنة في هذا الشأن والتوظيف تجربة قاصرة؟
*لقد حاربتني الصحف لمدة سنة لأنني صرحت بكلام استغله بعض الصحفيين ليسئ و لموقفي ويحرفوا كلامي. وقد قلت إن الفنان محمد عبد الوهاب والرحابنة قد أخذوا أشياء بكاملها من الموسيقى الغربية وادعوا أنها من تأليفهم صدقهم الناس ولكن فيما بعد حينما تطور العلم وصار الانفتاح انكشفوا بأنهم أخذوا هذه الأشياء كما هي. ورغم ذلك فالاستاذ محمد عبد الوهاب هو فنان وملحن كبير وقدم الكثير للموسقى العربية وقد أراد أن يطور ويجدد وأدخل بعض الآلات الغربية للموسيقى العربية وقد كان التوظيف موفقا بالنسبة إلى ألحانه ومع ذلك فمحمد عبد الوهاب حينما يأتي وبأمهر عازف على هذه الآلة الغربية، فإن العازف سيقدم جملة بسيطة و"صولو" من اللحن ثم يتوقف. الرحابنة أيض في هذا النسق. المشكلة أن هناك أجيالا ستقلد هذه التجارب والآن صرنا نرى الشباب يعزفون كل اللحن بالقيتار وصارت العملية معكوسة وذلك لأنهم أقل ثقافة ويمارسون التقليد عن جهل وبالتالي صارت هناك إساءة للناس وللموسيقى العربية من دون أن نعرف. يجب أن نفكر حينما نقدم فكرة جديدة للناس، ماذا سيقع مع تطور الزمن، لذلك أعتقد أن إدخال هذه الآلات الغربية عمق انتشار الخطأ وبذلك أسأنا إلى موسيقانا العربية مع إيماني الشديد بأن الموسيقى هي لغة كونية ولكن لكل مقام مقال.

-في ظل الفرقة السياسية التي كرسها الاستعمار والأنظمة السياسية، وفي ظل صراع الثقافات والحضارات الذي يعيشه اليوم هل تعتقد أن الإبداع والموسيقى قادران على المساهمة في نزع فتيل التوتر بين الشعوب وضخ دماء الحوار بطريقة حضارية في جسد الكون.؟
*إذا نظرت الآن للواقع، تجد الناس أصبحوا يلجأون إلى الموسيقى من أجل الحوار الديني والثقافي وتقريب وجهات النظر، وأنا في حفلاتي ومن خلال صوتي أجمع كافة الأفكار السياسية، وأعقتد أن الفنانين أنفسهم وعوا بهذا الدور الذي لم يكن موجودا في الماضي، ونجد مثلا مهرجان الموسيقى الروحية بفاس في المغرب الذي استدعي فرقا من مختلف بقاع العالم من أجل الحوار وتقريب وجهات النظر والتعارف، ونحن لسنا ضد هذا الحوار وهذا التعارف ومثلما يقول الله عز وجل " إنا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" وهذه حكمة من عند الله الذي خلقنا مختلفين حتى يصير هذا التعارف والتقارب بين مختلف الثقافات، الناس اليوم في صحوة من أجل الحوار.
وبالنسبة لي أنا أوحد العرب في حفلاتي. وفي النهاية الكلمة الطيبة هي التي تجمع الناس والموسقى هي كلمة طيبة وعاطفة نبيلة ولغة روحية إذن فهي قادرة على القيام بهذا الدور النبيل.

-والمبدع العربي هل هو قادر على القيام بهذا الدور في الوقت الراهن؟
*أنت تقول "مبدع"، إذا كان مبدعا بحق فهو قادر، أما إذا شبه فنان فطبعا هو غير قادر.
-هل قدمت الفضائيات الغنائية العربية المختصة الإضافة للأغنية العربية وساهمت في رسم صورة جيدة عن الفن والثقافة العربية للآخر؟
*في الحقيقة اليوم الإذاعات والفضائيات والإعلام ككل صار سلاحا ذا حدين فالفضائيات العربية اليوم تقدم ما هب ودب وتكرس في أغلبها الأغاني الهابطة وهذا لا يجوز بل يجب انتقاء المادة الإيجابية والهادفة لأن الفضائيات نافذة تدخلك إلى كل البيوت ويشاهدها الصغار والكبار ولها تأثير خطير على وعينا، الدول تدفع أموالا طائلة من أجل التعليم والبحث العلمي والتطوير وكذلك الإعلام الذي ندفع له أموالنا يجب أن يكون موجها وانتقائيا و إلا نسقط في الدور السلبي وفي هدم كل المحاولات السابقة في البناء. من هنا مثلما نعلم أطفالنا وندخلهم المدارس يجب علينا أن نعطيهم فنا جيدا وصورة جيدة عن ثقافتهم في مختلف وسائل الإعلام.

-يقول ابن خلدون "إن أول مظاهر انحدار حضارة ماهو انحدار أغانيها" فهل يعود هذا التراجع الفني الموسيقي الكبير الذي نعيشه في العالم العربي إلى أزمة حضارية شاملة؟
*لا شك في أن حضارات الأمم تقاس بفنونها، يزدهر الفن وتصبح لدى الأمم حضارات عندما يكون هناك استقرار سياسي والآن نحن نعيش انحدار وانحطاطا وعنفا وحروبا في كامل المعمورة وهذا كله مصطنع من القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة التي تحاول اختلاق مثل هذه الحروب حتى تنتج الأسلحة وتبيعها للقوى المتنازعة ولذلك من الطبيعي أن تزدهر الفنون والثقافة والعلوم حينما يكون هناك استقرار سياسي واقتصادي واجتماعي. بالإضافة إلى ذلك هذا التكريس والصورة السيئة والمبتذلة التي يرسمها إعلامنا العربي- مع بعض الاستثناءات طبعا ـ حول فنونا ووعينا وثقافتنا.

-كيف تنظر إلى ظاهرة الفيديو كليب ومساهمتها في تراجع الأغنية العربية.؟
*نحن في الماضي كانت لنا أغان مصورة ولكنها لا تسمى كليبا أما الآن فالأغنية المصورة أو ما يسمى بـ"الكليب" فقدت ما كان في الماضي من مقومات الأغنية الحقيقية وهي الكلمة واللحن والأداء فما المانع من أن تكون هناك صورة تعمق وتكمل كل هذه المقومات. أنا لست ضد الصورة ولكن يجب أن تكون هذه الصورة عن وعي ولها أهدافها ورسالتها واليوم للأسف الفيديو كليب" صار مادة تسويقية تافهة وتجارة.
وأنا حنيما أجد مخرجا يستطيع أن يصور أغنيتي ويضيف للكلمات والألحان ولصوتي فحبا وكرامة وأنا من سيلهث وراء هذا المخرج ويسعى إليه وهناك بعض الفنانين ليسوا في حاجة إلى هذا البهر الزائف وهذا الرقص. ومع ذلك يلهثون وراء الفيديو كليب ويشوهون صورتهم.

-وكيف تنظر إلى برامج تلفزيون الواقع مثل " سوبر ستار" و" ستار أكاديمي" ومساهمتهما في تكريس ظاهرة تفريخ "النجوم"؟
*بالنسبة لـ"برنامج سوبر ستار" شاركت في حلقتين منه وحكمت وأعطيت رأي في المشاركين لكن في الحقيقة أصل البرنامج اليوم هو برنامج سياسي والناس غير منتبهة لذلك، فهو برعاية إنكليزية ومجعول لكي يلهي الناس عن قضاياهم الأساسية وباعثوه أيضا يربحون أموالا طائلة من وراء هذا البرنامج، وربما الفضيلة الوحيدة له أنه يعرفنا على بعض الأصوات الجيدة التي لم نكن نعرفها.
أما برنامج ستار أكاديمي" فأنا ضد إقامة الشباب والبنات مع بعض وتصويرهم بهذه الطريقة فهو يكرس البذاءة والجنس عوضا عن تكريس الفن الجيد، هذا ليس هجوما وإنما توصيف للواقع.

-هل تعتبر نفسك فنانا نخبويا؟
*: لا...لا.. بالعكس فما أقدمه يشد الكبار والصغار والشباب وفي حفلاتي تجد الطفل الذي سنه ثلاث سنوات والشيخ الذي سنه سبعون سنة لذلك جمهوري متنوع وفيه كل الفئات العمرية والاجتماعية.

-هناك تقصير كبير في الجانب التوثيقي للموسيقى العربية وربما المحاولات القليلة الجديدة في هذا الجانب قام بها مستشرقون فماهي أسباب هذا التقصير؟ وماريك في الدور الذي لعبه المستشرقون في تاريخ الموسيقى العربية الحديثة؟
*صحيح كان هناك تقصير من هذه الناحية ولكن الآن هناك نهضة في توثيق الموسيقى العربية وقد سبقتنا أوروبا في التدوين خاصة، ولذلك أنا حريص مثلا على تدوين ما غنيته في كتاب يبقى للأجيال القادمة. ورغم بعض الجهود التي قام بها المستشرقون إلا أن التوثيق المهم يبقى للموسيقيين العرب وأهل الدار الذين تبقى لهم أولوية القيام بهذه المهمة الخطيرة بمعنى الأهمية ـ وفي الماضي أيضا لم يكن لنا توثيق بالمعنى التام للكمة فكتاب أبي الفرج الأصفهاني " الأغاني" هو أقرب إلى القصة وإلى رموز من إلى التدوين الموسيقي، ابن خلدون أيضا كتب بعض الإشارات والغزالي كذلك له بعض المحاولات ولكن المكتبة العربية مليئة بكافة الكتب في شتى المواضيع إلا في الجانب الموسيقى فهي فقيرة ونكاد لا نعثر إلا على مراجع قليلة من هنا أنا حرصت على هذا الجانب لذلك أحاول أن أؤسس مكتبة صوتية وسجلت إلى حد الآن 160 مقطوعة فيها القدود والأدوار والقصائد وأقوم بكتابة كل ما غنيته وأسست معهدا غنائيا من أهدافه هذا الجانب التوثيقي وهو يحتوي على مكتبة ثرية. وللأسف في العالم العربي نفتقر إلى المعاهد الغنائية المختصة وخاصة في منهاج الصوت عكس أوروبا التي تكثر فيها مثل هذه المعاهد التي تعلم طريقة الغناء.

-أين وصل الكتاب الذي يهتم بسيرتك الذاتية؟
*هو في طور الكتابة وكلماّ تسنح لي الفرصة أضيف إليه بعض الأشياء إلى أن نستكمل المرحلة وبعد صدوره يمكن أن يتحول إلى عمل تلفزيوني أو سينمائي.

-هل يهمك أن تتحول سيرتك الذاتية إلى عمل درامي تلفزيوني؟ وما رأيك في بعض الأعمال التي اشتغلت على سيرة بعض المبدعين مثل أم كلثوم ونزار قباني وإسمهان وعبد الحليم حافظ مثلا؟
*هذا ليس عيبا وأنا لست ضد تقديم مسيرتي الفنية والحياتية في عمل تلفزيوني مثلا والجمهور يريد التعرف على بعض الجوانب من حياة الفنان، وعلى بعض التفاصيل والجوانب الخفية.

-وهل أنت مع إبراز بعض الجوانب السلبية للفنان في هذه الأعمال؟
*نحن نقدم المسلسل للجمهور حتى يتعرف على مسيرة المبدع فنيا ويقترب منه أكثر، وأما إبراز جوانب سلبية في مسيرته كالشرب والسهر والمجون والمغامرات فهذا برأيي لا يهم الناس ولا يضيف لهم شيئا الحياة الشخصية لا تهم غير الفنان.

-الموسيقى العربية والبعد العالمي، وهل تعتبر نفسك فنانا عالميا؟
*العالمية عبارة عن إعلام وانتشار وغير مرتبطة بالقيمة الفنية، والغرب قد سبقنا إعلاميا فصارت موسيقاه عالمية وانتشرت.

-لماذا يهرب فنانو اليوم ويتنصلون من غناء القصائد؟
*يا أخي الجواب عن هذا السؤال صعب، فقط أقول فاقد الشيء لا يعطيه .

-تطرح قضية التتلمذ سؤالا مهما حول هذا الجيل الهجين الخاضع لتأثيرات العولمة، والمتمرد على كل شيء والمتبني لنظرية" قتل الأب" ؟
*هذه قضية مهمة لا بد من دراستها ومعالجتها لأن الغزو الاستعماري يحاول أن يعود إلينا بطرق مختلفة ليمحو شخصيتنا ويسيطر على أطفالنا وشبابنا وأفكارنا ويغرس فينا قيما هجينة وغريبة عنا، وقد وصلنا للأسف اليوم إلى هذه الحالة من الضياع وتحولنا إلى آلة يتحكم فيها عن بعد وإلى مادة، وهذا الغزو الثقافي يعود أصلا إلى غياب الدور الكبير الذي كان يلعبه الدين فيما مضى ولكنه اليوم أمحى. لذلك من المهم أن نحمي أطفالنا من هذا الغزو بتوفير برامج متطورة وقادرة على الإقناع حتى تتكون لهم شخصية قوية ولا يتأثرون بالمغريات الخارجية.

-لماذا يتجه الشباب اليوم إلى القيتار عوضا عن العود؟
*أنا قدمت محاضرات في إنكلترا عن هذه المسألة وشرحت فيها الفرق بين الآلات العربية التي هي الأصل والآلات الغربية وقد وضحت أن القيتار مثلا أصله عود وبعد تطويره أصبح هذه الآلات التي نراها اليوم وكذلك كل آلات النفخ خارجة من الناي العربي وأما الكمنجة فأصلها ربابة وهي مازالت موجودة إلى اليوم. فلماذا نتجه إلى التقليد واستقدام آلات غريبة عنا ونترك آلاتنا وأصلنا.

-هل تندرج تجربة ابنك "أنس أبو قوس" في هذا الإطار بثورته على موروثك واتجاهه إلى أساليب تعبير جديدة ومختلفة " كالروك أندرول" و"الهاوس" و"الجاز" و"السول"؟.
*لا.. أبدا إبني ليس ثائرا وهو قد تربى تربية أصيلة ويحفظ كل التراث والأغاني التي أحفظها أنا وقد حصّنته من كل غزو وتأثيرات خارجية، ولكن ما المانع إذا كان ابني يتقن أربعة أو خمس لغات من أن يعبر بهذه اللغات وتغني بها. وطالما هو يملك المعرفة والعلم فلماذا لا يطور تجربته وينتشر بطريقته ويصل للآخر وهذه هي العالمية، وأعتقد أنه يسير بخطاه وشخصيته ليخدم موسيقانا.

-هل يمكن أن نراكما في عمل مشترك؟
*مشروع التعاون أساسا قائم، وهو لا يقوم بأي عمل وأي خطوة إلا بعد أن يأخذ رأي ويستشيرني في كل كبيرة وصغيرة لأنني بالنسبة إليه المرجع.

-لماذا برأيك بقيت ذائقة المتقبل العربي تنفر من الموسيقى الآلاتية؟
*أنا لست ضد الموسيقى فهي موجودة في الكون وفي كل مكان، والكون قائم على الموسيقى التي هي خرير المياه وغناء العصافير وحفيف الشجر وأصواتنا المختلفة، فماذا يساوي الكون من دون هذه الأصوات؟ إذن فالموسيقى هي لغة الكون ولكن حينما نقول موسيقى عربية فنسبة إلى للغة العربية وموسيقى هندية نسبة الى اللغة الهندية وموسيقى تركية نسبة إلى اللغة التركية أيضا. لذلك فالذائقة العربية تربت على الأصوات والكلمة والشعر وبالتالي فالأذن على ما تربت عليه.

-هل يستمع الأستاذ صباح فخري إلى بعض التجارب العالمية الكلاسيكية مثل موزارت وبتهوفن وشوبان؟
*بطبيعة الحال، وحينما تدخل بيتي تجد لي مكتبة صوتية كبيرة فيها شوبان وشايكوفسكي وموزارت وبتهوفن. الإطلاع على تجارب الآخرين مهم لكي يطور الإنسان نفسه ويتثقف ويتعلم.

-الواقع العربي اليوم مشجع على ظهور الأغاني "الملتزمة" فكيف تنظر إلى مثل هذه الأغاني؟
*الفنان هو إنسان في النهاية ويتأثر بالواقع وبما حوله، وكل إنسان يعبر بطريقته الكاتب بكتبه والشاعر بكلماته والفنان بأغانيه... وهذا ضروري وتجارب مثل الشيخ إمام ومارسال خليفة هي تجارب مهمة وكذلك جوليا بطرس وأنا نفسي غنيت عن هذا الواقع وعن القضية الفلسطينية التي عايشتها منذ سنة 1948.

-وما يحدث في المنطقة العربية اليوم من حروب ونزاعات وتشرذم كيف تنظر إليه أستاذ صباح؟
*نحن نؤمن بالقضاء والقدر والله يفعل ما يريد. ونحن علينا أن نعمل ونجتهد ونستعد ونطور أنفسنا ونتوحد ونربي أجيالنا، وليس هناك قوة ستبقى مكانها إلى آأبد الأبدين لأن التاريخ يعلمنا أن الحضارات والثقافات تتعاقب فمرة هي في ارتفاع ومرة هي في انحدار وسيأتي اليوم الذي سيقطن فيه العرب ثمار عملهم واجتهادهم والمهم هو أن يعملوا بجد ومثابرة حتى يصلوا إلى ما وصلت إليه بقية الأمم

-أستاذ صباح ما سر هذه "الرقصة الروحية"، فوق الركح التي نراك تمارسها في بعض حفلاتك؟
*حالة الرقص هذه هي حالة روحية كما ذكرت ومافي شك أنني تربيت في حلقات الأذكار ورقص السماح.
وأعتقد أن جسم الإنسان كالآلة ومن يحرك هذه الآلة هو العقل ومن يحرك العقل هي الروح، وحين تتحرك الروح يتحرك كل الجسد وفي لحظات الرقص أرتفع إلى أقصى حالات النشوة الروحية وقد سماها البعض بـ"رقصة السنبلة" وأنا أسميها "رقصة الروح" وهناك بعض الجمهور الذي يأتي خصيصا لمشاهدة هذه الرقصة.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات