بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
الدروز وخنجر الزواج
  25/09/2009

الدروز وخنجر الزواج
رافت صالح- موقع هنا

نساء الدروز وعاداتهن


عن مجلة العروسه في 19 مايو 1926
نشرت السيده سيبروك الأميريكيه مقاله ممتعه في أحدى المجلات الأميركيه ضمنتها معلومات عن معيشة الدروز وعاداتهم وأحوالهم الإجتماعيه وأظهرت شدة تمسكهم بالأداب القوميه
وبمبادئ الطهاره والعفاف الى غير ذلك مما يتحلى به الشعب الدرزي من الخصال الحميده والأداب الراقيه . وقد رأينا أن نلخص مقال هذه الكاتبه لقراء العروسه لما فيه من البيانات الطليه.
قالت:
السيده زينب أم يحيى الأطرش أحدى السيدات القلائل غير المقنعات اللواتي رأيتهن في جبل الدروز وهي الجده الكبرى لأسرة الأطارشه ولما قابلتها كانت مرتديه ثوباً أسود وجالسه على مصطبه عاليه في قصر العورا على مسيرة يوم من السويداء التي هي عاصمة جبل الدروز . وكانت محاطة بأولادها وأحفادها وأولاد أحفادها وكلهم جالسون حولها بكل تأدب وإحترام وهم مدججون بخناجرهم وأسلحتهم الناريه وفي وسطهم سلطان باشا الأطرش قائد جيوش الدروز في الثوره الحاليه وكان هذا الإجتماع قبيل نشوب الثوره بقليل وقد تألب الأطارشه حول جدتهم يستشيرونها في الخطه التي يجب أن ينتجوها بأزاء الفرنسويين.
ومع أنني لم أفهم الحديث الذي دار يومئذ بين القوم لم يكن عندي شك في مغزاه إذ لم يمض على ذلك الإجتماع أسبوع واحد حتى كانت أعلام الثوره تخفق على جبل الدروز من سهول حوران الى فيافي اللجا.
وقد تلقيت حديثاً رساله من صديق لي أثق به ضمنها تفاصيل الوقائع التي جرت منذ شبوب تلك الثوره الى هذا اليوم . ويؤخذ منها أن الفرنسويين عرضوا في أواخر شهر يناير الفائت على الدروز شروطاً بحثوا فيها بحضور جدتهم السيدة زينب . ومع أن معظم الدروز كانوا يميلون الى قبول تلك الشروط إلا أن السيده زينب عيرت المتذبذبين منهم ونفخت في الجميع روح النخوه والشجاعه فكانت النتيجه أن الدروز رفضوا شروط الفرنسويين وفضلوا مواصلة القتال.
وفي الرسالة المذكوره أيضاً أن بضع مئات من نساء دروز حوران خرجن مع رجالهن للقتال فسقط منهم خمس عشرة إمرأة في ميدان القتال . ولما كنت في جبل الدروز في السنه الماضيه علمت عن ثقه ان نساء الدروز كثيراً ما يخرجن مع رجالهن الى ميادين القتال وأنهن يتقلدن السلاح ويركبن الخيل كما يفعل الرجال تماماً . ومن الروايات الوثوق بها أنه لما نشبت الحرب في سنة 1896 بين الدروز والشراكسه في عمان كانت الست عماد إبنة الشيخ أبي صالح في مقدمة المهاجمين في الوقائع.
ولما قتل أخوها أخذت سيفه وإمتطت جواده وأبلت في تلك المعركه بلاء باهراً وحضرت بعد ذلك معركتين كبيرتين كانت تحارب فيهما الى جانب أبيها.
على أن ذلك لا يعني أن نساء الدروز يخرجون دائماً الى القتال . وأنما المعروف عنهن أن لهن في الأزمات الوطنيه رأياً مسموعاً وأنهن يؤثرن في عقول رجالهن تأثيراً عظيماً . ومع ذلك فليس بين شعوب الشرق كلها إمرأه أكثر خضوعا لرجلها من الإمرأه الدرزيه ولآ سيما في ما يتعلق بشؤون الزواج والمعيشه البيتيه . وللأب والأخوه والزوج على المأه سلطان غير محدود ولا ينازعهم أحد فيه . وهو نظام يشمل الأمه الدرزيه كلها من أعظم عظيم فيها إلى أحقر صعلوك.
ومن عادات الدروز في يوم الزواج أن العروس تهدي الى عريسها خنجراً ذا غمد أحمر . وهو رمز الى عقوبة الموت التي تنفذ فيها إذا هي خانت زوجها . وفي حالة ثبوت خيانتها يعيد الزوج ذلك الخنجر الى حميه أو أولاد حميه ليتولوا بأنفسهم تنفيذ عقوبة الإعدام والدروز لا يعتبرون هذه العقوبه من قبيل الإنتقام بل من قبيل الدفاع عن عفاف الأمه بأسرها إذ ما من أحد يغار على العرض والشرف كالدروز.
ولقد علمت عند وجودي في جبل الدروز أن الدرزيات أنفسهن يسلمن بحق الرجل في المحافظه على مبادئ العفاف وأنهن لا يتذمرن أبداً من شدة العقوبه التي تفرضها العادات والتقاليد القوميه في حالة خيانة الزوجه لبعلها.
ولذلك ترى هذه الحوادث نادره جداً حتى صح القول بانه لا أثر لها بين الدروز على أنني علمت بوقوع بعض حوادث من هذا القبيل ولا بأس من أن أشير إليها هنا بوجه الإيجاز للدلاله على شدة غيرة الدرزي على عرض.
فمن ذلك أن فتاة درزيه حسناء من عائله فقيره إستأذنت والدها في أن تخدم أحدى الأسر الدرزيه الغنيه المقيمه ببيروت . فأذن لها أبوها في ذلك
فذهبت الى بيروت وبعد بضعة أشهر سمع أبوها أنها هجرت الأسره الدرزيه ودخلت في خدمة أسرة يهوديه ،أنها نزعت عنها الحجاب وصارت تلبس الثياب الأوروبيه أي البرنيطه والفستان القصير والجوارب الحريريه . وكان أخوها من رجال الجنديه فذهب الى بيروت الى الأسره وأخذ أخته قسراً وعاد بها الى منزل أبيه حيث سجنت نحو أسبوعين تابت الفتاة في خلالهما وكفرت عن ذنبها ثم إستأذنت أباها في أن تدخل خدمة أسرة درزيه على أن تظل مبرقعه .
فأذن لها أبوها بذلك فعادت الى بيروت وبرت بوعدها لأبيها مدة ستة أشهر وشاء سوء حظها أن تتعرف بجندي فرنسي فأحبها وأحبته وإتفقت معه أن تتزوجه سراً وتذهب معه الى مرسيليا فأتصل الخبر بمسامع أخيها فذهب إليها وعاد بها الى منزل أبيها بجبل الدروز . ثم عقدت أسرتها إجتماعاً حسب عادات القوم فحكم عليها أبوها بالموت .
وفي اليوم التالي أركبها أبوها وأخوتها بغلاً وساروا بها الى مضيق بين جبلين حيث خنقوها ودفنوا جثتها في مكان بعيد.
وفي الصيف الماضي وقع في إحدى قرى لبنان حادث شبيه بهذا وخلاصته أن أحد شبان الدروز تزوج فتاة درزيه كانت قد أقامت مدة بمدينة دمشق كانت قد تعرفت بأحد التجار المسلمين وكانت لها به علاقه .
فأخذها زوجها وعاد بها الى بيت أبيها . فأرغمتها أمها على الإعتراف فإعترفت بما وقع لها مع ذلك التاجر ونزلها أبوها الى الإصطبل حيث ذبحها قبل أن يفطر في الصباح.
وليسمح لي القراء بأن أذكر حادثاً أخر من هذا القبيل . وجميع الحوادث التي وقعت من هذا النوع في خلال الجيل الحاضر لا تزيد على خمسة أو ستة . وخلاصة هذا الحادث أن فتاة درزيه تزوجت إبن عمها وخانته . فأخبر زوجها أخوتها فإستقر قرارهم على أن يرغموها على الإنتحار دفاعاً عن شرف الأسرتين وهكذا كان . فأرغموها على أن تثب من قمة جرف عال . فسقطت إلى عمق هائل وماتت موته فظيعه.
ثم أشاع أهلها ( دفاعاً عن شرفهم وشرف زوجها ) أنها هوت من قمة ذلك الجرف قضاء وقدر.
أوردنا القصص السالفه لتصوير معيشة الدروز الحقيقيه . وأراني مضطره أن أشهد بأن الإمرأه الدرزيه راضيه بحالتها قانعه بنصيبها من الحياة بل لقد تكون أشد نساء الأرض قناعه.
والمعروف عن الدروز أنهم لا يستعبدون أحداً من جنسهم ولا من غيرهم من نساء العرب . وجميع العبيد الذين في حيازتهم هم من السود وهم يعاملونهم أحسن معامله . نعم أن الإسترقاق ممنوع في جميع المستعمرات البريطانيه والفرنسويه وفي البلاد المشموله بإنتدابها . إلا أنه لا يزال باقياً بين الدروز وبين غيرهم من الشعوب الشرقيه . على أن العبد يسمس سيده ( عمه ) وقلما يريد مفارقته ولو كان في ذلك حصوله على حريته.
وقد روى لي الأمير أمين أرسلان ( وهو في مقدمة رجال الدروز علماً وأدباً وجاهاً ) حكايه تدل على شدة تعلق العبيد والإماء بساداتهم وخلاصتها أنه كان عنده " عبده " قضت كل سني حياتها في منزله . ويظهر أنها سرقت ذات يوم قطعة الشكولاته وأكلتها فإستاء الأمير من عملها وطردها من منزله . وفي صباح اليوم التالي رأها مضطجعه على عتبة باب المنزل . فأيقظها وأمرها بالإنصراف فلم تنصرف . فخرج إليها أحد الخدم وحاول أن يطردها وضربها بالعصا ولكنها أبت أن تتزحزح من موضعها حتى أضطر الأمير أن يعيدها الى خدمته.
ومع شدة محافظة الدروز على العرض فإن الزواج عندهم يبنى على الحب المتبادل الطاهر . وقد إتفق لأحد بنات الشيخ شبلي الأطرش ( وإسمها على ما أظن فردوس ) أنها أحبت شاباً من الموظفين عند والدها وكان شجاعاً جميل الطلعه . فذهبت الى أبيها وقالت له أنها تحب ذلك الشاب . فسألها أبوها وهل رأيته ؟
قالت : كلا
قال : وهل يعلم أنك تحبينه ؟
قالت : لا يعلم شيئاً على الإطلاق
قال : وهل وقعت عيناه عليك
قالت : رأني مره عند العين وأنا مقنعه ولم ير وجهي
وكان الصدق ظاهراً على وجه الفاة . فقال لها أبوها : أولاً تعلمين يا بنيه أنه إذا لم يكن زوجك عظيماً فلا يمكن أن يجيء أولادك عظماء
فقالت : ولكنه شجاع يا أبي وإذا كا أولادي شجعاناً فكفاني ذلك فخراً
وبعد شهر وهب الشيخ شبلي ذلك الشاب أراضي واسعه وزوجه إبنته
ولو أن إبنته حاولت أن تقاومه لكانت العاقبه وخيمه . أن الزواج بين الدروز هو عقد مدني محض لا أثر فيه للشعائر الدينيه وأنما يصحبه عاده أطلاق النار في الفضاء واللعب بالسيف والترس وقذف الجريد وغير ذلك من أعراض البسط والسرور.
أشرنا سابقاً الى السيده زينب أم يحيى باشا الأطرش وقلنا أنها من فضيلات نساء الدروز . وقد أشتهر كثيرات غيرها من النساء الدرزيات في مقدمتهن الأميره حبوس والأميره نظيره جنبلاط وقد كانت الأولى منهما أحكم بنات جنسها وأبعدهن نظراً في تصريف الأمور . وهي أم الأمير أمين أرسلان الحالي . يحكي عنها أنها لما توفي زوجها في سنة 1800 تولت الحكم بعده على الجزء الجنوبي الغربي من لبنان كله ( تحت إشراف الأتراك ) وقد رووا عن حكمتها ودهائها روايات عديده تكاد تكون خياليه وكانت تصدر الأحكام العادله في جميع المسائل التي تعرض عليها وكثير ما حكمت بالإعدام على مجرمين من دون وجود أي دليل عليهم ثم تثبت إدانتهم بعد تنفيذ الحكم.
وللسيده نظيره جنبلاط نفوذ عظيم جداً ولها قصر في المختاره حيث تحكم كأنها ملكة مطلقة التصرف وهي رأس الأسره الجنبلاطيه التي كان منها أمراء حكموا حلب في القرن السابع عشر وهم يدعون بأنهم من نسل السلطان صلاح الدين . وقد زرتها في قصرها مع صديقه لي فأذكرني مرأى قصرها بتاريخ ألف ليله وليله وقصور العباسين .وفي الواقع أن الداخل الى قصرها يشعر بأنه في قصور الموالي الذين حكموا أوروبا في العصور المتوسطه أو في زمن الإقطاع وقد جرى لنا في هذا القصر إستقبال حافل وعوملنا بمنتهى واجبات القرى والضيافه.
وكان الشاب داوود أفندي عز الدين وهو من أقرباء الأسره الجنبلاطيه _ معنا يسهل لنا مهمتنا ويشرح لنا كل ما غمض علينا وأننا وإيم الحق لن ننسى بضع الساعات التي قضينها في ضيافة تلك الأميره الجليله التي بدى فيها الكرم الشرقي على أتمه.


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات