بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
عقوبة السجن وصمة عار في جبين البشرية
  25/10/2009

عقوبة السجن وصمة عار في جبين البشرية


هل من أسباب ما تقف وراء شح الدراسات والأبحاث والمقالات التي تتناول تاريخ ونشأة السجون على الشبكة العنكبوتية (الانترنت)؟؟، وهل من سر ما يقف وراء الصمت المطبق من الكتاب والمثقفين والمفكرين والمتخصصين حول تقييم عقوبة السجن؟؟، وهل خطر ببال أحد يوما أن ينظر ويبلو ويُقَيِّمَ عقوبة السجن ويرى مدى صلاحية تلك العقوبة في إنزالها بالجنس البشري؟؟ وهل مثل تلك العقوبة تليق بآدمية الإنسان أم أنها مهينة وسالبة لآدميته؟؟. إن الكتاب والمثقفين والمفكرين هم أكثر الناس عرضة لمهانة وإذلال عقوبة السجن إلا أنني ألمس منهم صمت مخيف حول تفنيد ومناقشة وتقييم تلك العقوبة القذرة.
إن كل ما اطلعت عليه من كتب ومصادر ودراسات حول علم العقاب والمؤسسات العقابية وجدتها لم تتناول تلك العقوبة إلا من جانب التعريف بالسجون وأنواعها ونشأتها وتاريخها وأطوارها عبر العصور المختلفة وحقوق السجناء وطرق معاملتهم. وقد خلت كل تلك الدراسات والأبحاث والمصادر تماما من أي تقييم يذكر لتلك العقوبة القذرة التي تعد وصمة عار في جبين الجنس البشري كله، الذي تواضع على تلك العقوبة وقَبِلَ أن يُعَاقَبَ بها بني جنسه من دون أي تقييم لها أو وضعها في ميزان العدالة والحق والأخلاق، ومن جهتي هذه محاولة متواضعة مني لتقييم عقوبة السجن وكشف أنها عقوبة غير صالحة لعقاب الجنس البشري، وكذلك محاولة مني لشحذ همم الكتاب والمثقفين والمفكرين لتكثيف الدراسات والمقالات حول تلك العقوبة وتقييمها من جهة مدى عدالتها وإنسانيتها وأخلاقيتها من عدمه، وتبيين مدى صلاحيتها أو عدم صلاحيتها للجنس البشري، ومحاولة مني كذلك لإثارة أفكار الكتاب والمثقفين والمفكرين لإعادة النظر في الفكر العقابي الحالي وتقييمه وخاصة عقوبة السجن، ومحاولة إيجاد عقوبات بديلة لها.
(وللعلم والإفادة: كاتب هذه السطور سجين سياسي سابق لمدة ثلاث سنوات، ونزيل ثلاث سجون مصرية (أبو زعبل- استقبال طرة- مزرعة طرة) في الفترة من 1992 إلى 1995، وكان عمري وقت أن قبض علي تسعة عشر عاما). ولكن قبل تقييم تلك العقوبة وتبيين عدم صلاحيتها للجنس البشري أرى أنه من الضروري ذكر نبذة تعريفية بالسجون كمؤسسة عقابية، وذكر نبذة أخرى عن نشأة السجون عبر العصور المختلفة من بعض مصادر ومراجع علم العقاب لشح وجود مثل تلك الكتابات على شبكة الإنترنت، وأذكر القارئ قبل أن يتلو هذه الفقرات أن يجعل لنفسه فرقانا بين ما يكتبه المتخصصون في كتبهم وأبحاثهم ودراساتهم من لوائح وشروط وآداب وحقوق مثالية للسجناء وما يجب أن يكون عليه السجن والسجناء وبين الواقع المهين والأليم لحال السجن والسجناء على الأرض.
 عقوبة السجن صناعة من؟؟ :
عقوبة السجن صناعة بشرية شيطانية بامتياز، لم يأت بها نص على الإطلاق في أي تشريع إلهي، ولم يحدث أن عاقب بها أي من الأنبياء والمرسلين أحدا، ولم يشرعها الله في أي رسالة من رسالات الأنبياء والمرسلين على مدار التاريخ الديني الإلهي كله، وإنما كانت تلك العقوبة من بنات أفكار شواذ الطغاة والمستكبرين في كل عصور التاريخ، وسجن فرعون موسى الذي ذكر في القرآن وكذلك سجن عزيز يوسف شر شاهدين على ذلك.
 التعريف بالمؤسسات العقابية (السجن) :
بعد أن يصدر القضاء كلمته في قضية ما، ويتم تحديد نوع المعاملة أو العقوبة التي يلتزم المذنب بتأديتها سواء في صورة عقوبة بأنواعها المختلفة أو كانت تدبيرا احترازيا كرد فعل لهذه الجرائم أو الذنب الذي وقع من المتهم، تبدأ مرحلة تنفيذ هذه العقوبات وذلك في أماكن مخصصة لذلك وهي ما تعرف باسم المؤسسات العقابية أو مؤسسات التنفيذ العقابي (السجون). فيقع الدور الأساسي في ذلك على عاتق إدارة هذه المؤسسات لوضع الحكم الصادر موضع التنفيذ والقيام بتطبيقه طبقا لما تحكم به اللوائح والقوانين المنظمة لتلك المؤسسات والتي ينص عليها القانون في مثل هذه الشئون. والجدير بالذكر في هذا الصدد أن أي عقوبات أو تدابير احترازية تصدر من القضاء على المتهمين بالمؤسسات العقابية التي يتم فيها تنفيذ هذه الأحكام والاهتمام يكون من جميع النواحي. وقد قامت دراسات متعددة وكثيرة حول مؤسسات التنفيذ العقابي تمثلت في مواقع إنشاء هذه المؤسسات ومكوناتها أو الوحدات التي تتكون منها مثل العنابر والورش والملاعب والمطاعم، وما يجب أن تكون عليه حتى تقوم بالدور المنوط بها أو الغرض المرجو من قيامها. كذلك قامت دراسات عديدة حول الناحية الإدارية، حيث تلعب الناحية الإدارية في مثل هذه المؤسسات دورا مهما وبارزا في هذه المؤسسات حيث "تقوم بالاتصال المباشر بالمحكوم عليهم وتشرف إشرافا كاملا على تنفيذ الحكم ، وبالتالي هي المنظمة لنمط الحياة داخل المؤسسات والأعمال التي توكل إلى النزلاء والتهذيب والتدريب اللازم"( ).
كذلك فإن هذه المؤسسات تحدد المعايير التي يقوم عليها تقسيمها حسب سن أو جنس المحكوم عليه، أو حسب نوع العقوبة، أو حسب المركز القانوني لمن يودع فيها إذا كان محبوسا احتياطيا أو محكوما عليه، ولهذا وجدت مؤسسات خاصة بالأحداث، وأخرى يتم الفصل فيها بين النساء والرجال فأنشئ لكل منهما مؤسسات مستقلة، كما أدخل نظام مؤسسات معتادي الجرائم والمرضى الشواذ"( ).
كذلك فقد تنوعت هذه المؤسسات من حيث شدة الحراسة، فهناك مؤسسات مغلقة ومؤسسات مفتوحة وثالثة شبه مفتوحة، ويعد تقييم أو تمييز هذه المؤسسات إلى مؤسسات مفتوحة وأخرى شبه مفتوحة، وثالثة مغلقة هي الأساس في التقييم، ولكل منها تاريخه وأهميته في التفريد التنفيذي للعقوبة، وذلك "بحبس النزيل منفردا أو مع جماعة، أو الجمع بين النظامين بالعمل نهارا مع الآخرين والانفراد ليلا، ولكل هذه الأنظمة مبرراتها التي أدت إلى وجودها في حقل العمل العقابي"( ).
 إدارة المؤسسات العقابية (السجون) :
المصلحة أو الهيئة الرئيسية المسئولة عن هذه السجون هي مصلحة السجون وهي عادة ما تتبع وزارة الداخلية في جميع أنحاء العالم. وقد وجد في الآونة الأخيرة في بعض الدول الاتجاه نحو إخضاع هذه المؤسسات لوزارة العدل"( ). ويرأس المنشأة العقابية مدير مسئول عن سير العمل بها، وهو ملتزم ومكلف بأعباء كثيرة منها العمل على تطبيق الأساليب الجديدة في المعاملة العقابية، وتدريب العاملين في المؤسسة، وإدارتها من الوجه الاقتصادي والوجه الإداري، والإشراف على حساباتها. ويعاون هذا المدير مجموعة أخرى من المساعدين نظرا لتشعب العمل وتعدده في هذه المؤسسات، فهناك مساعد المدير للشئون الإدارية حيث يشرف مباشرة على العاملين بالمؤسسة، وآخر للشئون التربوية والاجتماعية، وآخر لشئون التصنيف وخلافه، وكل هؤلاء يباشرون ويقومون بأعمالهم وأعمال المدير في حالة غياب كل منهم في مجاله. كذلك هناك عدد من الفنيين، وهم كثيرون ومتعددون في مثل هذه المؤسسات، فهناك الأطباء والممرضون للرعاية الصحية والإشراف الطبي على النزلاء وذلك لأن القانون يكفل للنزيل أو السجين الرعاية الصحية بكل صورها. وهناك أيضا الأخصائيون في الشئون الدينية مثل الوعاظ لرعاية النزلاء من الناحية الفكرية والعقائدية، لتشجيعهم على القيام بالفرائض الدينية حتى انتهاء فترة العقوبة المفروضة عليهم. وهناك الأخصائيون في شئون التعليم من المدرسين وأمناء المكتبات ويوجد كذلك مدربون رياضيون ويمثلون دورا مهما في النشاط اليومي للنزيل، وأخيرا هناك الحراس ولا يقتصر دور الحراس على حفظ الأمن والنظام فقط ولكن أصبح لهم دورا تهذيبيا وذلك بتعميق الصلة مع النزلاء ومساعدتهم أكثر من مراقبتهم وهو ما يؤدي الغرض من سلب حرية المحكوم عليه، ولا بد للعاملين في هذا المجال التزامات وقوانين يعملون من خلالها. ومنها مبدأ ضرورة عدم إثبات سلوك يناقض النظام القانوني للمؤسسة والغرض منه وجوده بها، حيث يجب أن يكون سلوك العامل بالمؤسسة مثاليا للدرجة التي يراها النزيل ويتعلم منها"( ).
تطور المؤسسات العقابية (السجون) في العصور السابقة :
"لم تكن السجون قديما إلا مكانا يعزل فيه المحكوم عليهم بعقوبات بدنية انتظارا لتنفيذ الحكم، ومع التطور وظهور العقوبات السالبة للحرية أعدت هذه المنشآت لاستقبال المحكوم عليهم وبقائهم فترة العقوبة داخلها، ولم تكن أيضا أسعد حالا بالرغم من هذا التطور حيث بقيت مكانا لعزل النزلاء عن المجتمع اتقاء شرهم حتى لحظة الإفراج عنهم"( ). وبالتالي فإن فكرة السجون أو المؤسسات العقابية ليست حديثة بل هي من أقدم العصور. وإليك التطور التاريخي لنشأة السجون في مختلف العصور:
• السجون في زمن فرعون موسى وعزيز يوسف :
يعتقد بعض الناس أن المؤسسات العقابية أو السجون وهي أقدم النظم والمؤسسات العقابية ظهورا في التاريخ لا يتعدى عمرها قرنا واحدا من الزمان، ولكن الحقيقة غير ذلك، فقد ذكر القرآن الكريم أن السجون كانت موجودة منذ عصر فرعون موسى، وكانت موجودة في عهد عزيز مصر الذي اشترى النبي يوسف عليه السلام، وقد ذُكِرَ السجن في القرآن الكريم عشر مرات مرة عن سجن فرعون موسى، وتسع مرات عن سجن عزيز مصر الذي سجن النبي يوسف، قال تعالى عن فرعون:
(قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ) (29_ الشعراء).
وقال تعالى عن يوسف:
(قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (25_ يوسف).
(وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّنَ الصَّاغِرِينَ) (32_ يوسف).
(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) (33_ يوسف).
(ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) (35_ يوسف).
(وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ) (36_ يوسف).
(يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ) (39_ يوسف).
(يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ) (41_ يوسف).
(وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) (42_ يوسف).
(وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) (100_ يوسف)
• السجون في النظام العقابي الإسلامي :
وقد عرف النظام العقابي ومؤسساته في فترة صدر الإسلام أي منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان "فقد عرف المسلمون نظام المؤسسات العقابية (السجون) منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وكان عمر قد اشترى بيتا أو دارا في المدينة وخصصها لإنزال الأشخاص المحكوم عليهم في جرائم التعزير، وقد تبعه كل ولاة البلدان الإسلامية، فاتخذوا بدورهم سجونا، يوضع فيها كل من يحكم عليه بحكم من التعازير( ) أو غيره من الأحكام. إذن ليست فكرة العقاب في أماكن منعزلة أو فكرة إنشاء السجون أو المؤسسات العقابية جديدة بل هي قديمة قدم التاريخ.
• نظام السجون في العصور الوسطى :
تعتبر إنجلترا من أولى دول العالم التي عرفت نظام وتنظيم السجون، وقد كان الأفراد المحكوم عليهم قبل ذلك يودعون في القلاع والحصون الحربية، ويعتبر السجن الأول الذي أقامته إنجلترا وهو سجن (بريد ويل) وقد أطلقت عليه وقتئذ دار الإصلاح قد أنشئ هذا السجن في عام 1552 م. وقد خصصت الحكومة البريطانية هذا السجن أو هذا الدار للمسجونين غير الخطرين، وكان يتبع فيه نظام إخضاع المسجونين للعمل والنظام حتى يمكن إصلاحهم وردع الآخرين دون الاهتمام بحقوقهم أو أشخاصهم ودون مراعاة لسنهم أو لحالاتهم الصحية بل كانت القسوة والعنف هي الغالبة على التعامل داخل هذا السجن.

• تطور نظام السجون في القرن الثامن عشر :
"شهد القرن الثامن عشر بداية حقيقية لتطور السجون أو بالأصح بداية ظهور السجون في الولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا حيث كانت مكانا لإيداع المحكوم عليهم، دون الاهتمام بهم سواء من حيث العلاج أو الغذاء، أو الكساء أو الجانب الأخلاقي مما أدى إلى تفشي الأمراض وانتشار العادات السيئة اللاأخلاقية بينهم"( ). من الملاحظ هنا أن كل السجون التي ظهرت في هذه الآونة وفي تلك البلاد بالتحديد لم تكن تحظى باهتمام الحكومات أو الجماعات المسئولة عنها بل كانت تعاني من الإهمال الجسيم.
• تطور نظام السجون في القرن التاسع عشر :
يعتبر مطلع القرن التاسع عشر هو البداية الحقيقية لتطور المؤسسات العقابية تطورا حقيقيا، وكان ذلك على يد رجال الكنيسة، فقد كان رجال الدين ينظرون إلى الجريمة على أنها خطيئة وإثم، مما يتطلب من المخطئ أو المذنب أو المرتكب لهذه الجريمة التوبة، وهو ما يتحقق بإيداع الآثم دير أو حبسه حبسا انفراديا، لأن الانفراد يجعل الفرد أكثر تقربا إلى الله، حيث تساعد العزلة الإنسان على الطاعة والتوجه إلى الله بعيدا عن تداخلات الناس أو ما قد يسببه الضجيج من صرف لهؤلاء المخطئون عن التوبة التي تلزمهم. من أجل هذا نادت الكنيسة بأن يكون الحبس انفراديا حتى يتاح للمحكوم عليهم فرصة التوبة إلى الله( ). وقد خطت الكنيسة خطوة أخرى في سبيل الأخذ بنظام دار يودع فيها الأحداث أو صغار السن، ثم أنشئ في عام 1835 سجن النساء، ويتبع ذلك إنشاء عدة سجون في شمال وجنوب إيطاليا وكان العمل هو أساس إصلاح المحكوم عليهم وتهذيبهم.
وصاحب هذه الفكرة ولازمها وهي أحدث الأفكار التي عمت أرجاء العالم والتي تنادي بالحرية والحقوق العامة والمساواة، تطورا في السياسة العقابية، فقد ألغيت العقوبات البدنية التي تستند على الانتقام من المحكوم عليه وظهرت حركات الإصلاح في نظام السجون، فظهرت أولى هذه الحركات في ولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وبصفة خاصة ما يعرف بحركة الكويكرز، وفي عام 1682 صدر قانون يتضمن مجموعة من الأفكار الحديثة من حيث ضرورة فصل صغار السن عن الكبار، وتعليمهم والاهتمام برعايتهم، وفصل النساء عن الرجال، وتحويل السجون إلى أماكن للعزل والعمل، وأنشئت لذلك دور للعمل تشتمل على أقسام للرجال وأخرى للنساء. ووفقا لهذه الأفكار أنشئ عدد كبير آخر من السجون في فيلادلفيا وغيرها وقد روعي في هذا السجن الذي أقيم في فيلادلفيا سجن روعي فيه الفصل بين المجرمين مرتكبي الجرائم الخطرة ومرتكبي الجرائم غير الخطرة، وكانت الطائفة الأولى تعزل بدون عمل، أما الطائفة الثانية فكانت تعمل بصورة جماعية.
• نظام السجون في بنسلفانيا :
"ونتيجة لنجاح هذه التجربة في تحقيق الغرض من المعاملة العقابية، عملت هذه السجون في عدة ولايات، فأنشئ سجنان جديدان في عامي 1818، 1819 يقومان على العزل التام بين المسجونين، خصص لكل سجين زنزانة خاصة يقيم ويعمل فيها دون أن يسمح له بالاختلاط من المسجونين الآخرين، أو يسمح له بالتدخين أو القراءة. وقد عرف هذا النظام بين علماء العقاب بنظام بنسلفانيا( ). وقد قامت فكرة هذا النظام على فكرة أن إصلاح المحكوم عليه لا يكون إلا عن طريق التكفير والتوبة، وهو ما يتطلب ضرورة العزل التام بين المسجونين إلا أن فكرة العزل التام دون عمل أثبتت فشلها فلم تحقق إصلاحا أو تقديما للمسجونين، "بل كثيرا ما كانوا يتعرضون للاضطرابات النفسية العنيفة، ولقد أثبتت الدراسات الاجتماعية الحديثة أن إعادة التكيف الاجتماعي للأفراد يقتضي تدريب المحكوم عليه على التعامل مع غيره من الأفراد خلال فترة إيداعه، حتى يمكنه تكوين علاقات تقوم على أسس سليمة مع الأفراد تسهل عليه تآلفه مع المجتمع، وهذا بالإضافة إلى أن ذلك النظام يتطلب تكاليف باهظة لإعداد زنزانة مستقلة لكل سجين، كما أن العمل داخل السجون يحقق أهداف العقوبة في الإصلاح والتقويم( ).
لقد كانت كل فكرة أو كل نظام مما سبق يتمتع ببعض الإيجابيات وأيضا كانت له بعض السلبيات التي عملت كل الأنظمة منذ نشأة الفكرة نفسها على تلافيها والحد من وجودها. ومن أهم الإيجابيات التي ظهرت حتى هذه الفترة إلغاء العقوبات البدنية التي تستند إلى الانتقام من المحكوم عليه، كذلك وجدت بعض الإيجابيات التي نتجت عن قيام المسجونين بالعمل جماعة. أما ما ظهر من سلبيات فقد كانت كثيرة ولا بد من تلافيها ومنها:
أن كثيرا من هؤلاء المساجين كانوا يتعرضون للاضطرابات النفسية العنيفة مما يزيد توترهم، وينعكس ذلك على سلوكهم فيصعب اندماجهم مع أفراد المجتمع بعد خروجهم من السجن.
• نظام السجون في أوبرن :
نظرا لما وضح من سلبيات وما تعرضت له الأنظمة السابقة من الانتقادات فقد ظهر نظام جديد، في عام 1823 في ولاية أوبرن عرف بنظام أوبرن، ويقوم على نظام العمل الجماعي بين المسجونين، كما يجمع المحكوم عليهم أثناء الطعام وأداء الفرائض الدينية، "ووسائل التهذيب والتأهيل كالمحاضرات والكشوفات الدورية وخلافه، ثم يفصل بينهم ليلا في زنزانات مستقلة للمبيت، ويقتضي تطبيق هذا النظام الصمت بين النزلاء وعدم تبادل أي حديث أثناء فترة العمل الجماعي وهذا ما اتبع في سجن أوبرن في أمريكا"( ).
ويتميز هذا النظام عن سابقيه بأنه يعطي الفرصة للحياة في السجن مثل الحياة الخارجية، وذلك بالعمل الجماعي نهارا والانفراد ليلا، وهذا يؤدي إلى تفادي الأضرار التي يمكن أن تحدث من جراء قضاء الليل في جماعة، ومدى تأثير ذلك في البرامج التأهيلية، وفضلا عن ذلك يتميز هذا النظام بقلة التكاليف بالمقارنة بنظام بنسلفانيا، حيث الزنزانات الانفرادية بقضاء الليل لا تشتمل على أي مرافق خاص، وأخيرا يقترب هذا النظام من الطبيعة البشرية، فلا يؤثر على الحالة الصحية والنفسية للنزلاء حيث يمكن توجيه البرامج الخاصة بالتأهيل في حرية مطلقة. ومع هذا فقد انتقد هذا النظام على أساس صعوبة تطبيق قاعدة الصمت وعدم تبادل الأحاديث أثناء العمل نهارا لتعارض هذا مع الطبيعة البشرية، وخاصة أن تطبيقها اعتمد على قسوة الحراس وسياطهم المسلطة على النزلاء إذا ما تم بينهم تبادل أي حديث، ومع ذلك فهذا النقد لا يجد له مكان حاليا في السجون التي تطبق النظام الأوبرني، حيث خففت كثيرا من قاعدة الصمت التي عرفت قديما.
• النظام التدريجي (النظام الايرلندي) :
"هو آخر النظم التي توصلت إليها النظم العقابية بعد تطورها الطويل، حيث يحاول هذا النظام الجمع بين مزايا جميع الأنظمة السابقة، وذلك بتقسيم مدة العقوبة السالبة للحرية أو التي حكم بها على المخطئ إلى ثلاث فترات، تتسم الأولى بالشدة والقسوة، ثم تندرج المعاملة إلى مرحلة أخف وطأة حتى يصل المحكوم عليه في المرحلة الثالثة إلى أيسر النظم التي تتشابه إلى حد كبير مع المجتمع الخارجي، وذلك حتى يكون ممهدا للإفراج النهائي والتآلف مع الجماعة. وهذا التدرج في المعاملة يساعد كثيرا في حث المتهم على إصلاح نفسه من أجل الحصول على معاملة عقابية أفضل كمكافأة له عن مسلكه الحسن( ). ويتميز هذا النظام الذي طبق لأول مرة في ايرلندا ومن هنا جاءت التسمية، "الجمع بين نظم العقاب المعروفة في نظام واحد، فيبدأ بمرحلة صعبة من الحبس الانفرادي حتى ينتهي بالسجون المفتوحة أو شبه المفتوحة، وكل هذا مع تطبيق البرامج التأهيلية والتهذيبية اللازمة لكل مرحلة، وبحسب تقدم المتهم في تقبل البرامج التنفيذية أثناء فترة العقوبة، وحتى بعد الإفراج إذا ما وضع تحت نظام الإفراج الشرطي( ).
وقد تم توجيه أكثر من انتقاد لهذا النظام على أساس أنه يجمع بين مراحل متناقصة ومختلفة في المعاملة العقابية. ومن أمثلة هذه الانتقادات أن هذا النظام يجمع بين مرحلتين مختلفتين فبعد عزل المحكوم عليه في سجن انفرادي تفاديا لاختلاطه مع غيره من المنحرفين، فإن المرحلة الثانية منه وهي مرحلة العمل الجماعي تؤدي إلى اختلاطه بغيره من المحبوسين، وبالتالي تفقد المرحلة الأولى ويفقد السجين ما قد استفاده بعد دخوله في المرحلة الثانية. وكذلك هناك من وسائل الإصلاح التي تجدي مع بعض النزلاء قد لا تستعمل معهم منذ وصولهم إلى المؤسسة نظرا لعدم جواز اتباعهم في المرحلة الأولى لتنفيذ العقوبة، وبالتالي تفقد جدواها في المرحلة اللاحقة، وذلك مثل السماح بالزيارات والمراسلات وخلافه. ومع ما وجه لهذا النظام من انتقادات فإنها لا تؤثر عليه حيث يقدم فعلا أفضل الوسائل في نظم التنفيذ العقابي، مما جعله محل تطبيق معظم دول العالم في العصر الحديث.
أما تطور أحوال السجون في العالم العربي فلا توصف ومهما تحدثت أو تحدث غيري فلن نستطيع نقل الواقع الحقيقي (للتطورات الهائلة) داخل السجون العربية.
 نظرة نقدية لعقوبة السجن :
المرء الذي يرتكب جرما ما لابد وأن يحق عليه العقاب هو وحده نظير ما ارتكب من جرم من دون أن يكلف غيره شيئا نظير عقوبته تلك، لكن في نظام عقوبة السجن تنفق الدول الأموال الطائلة وترصد الميزانيات الضخمة لبناء السجون وتأمينها وحراستها وتوفير قدرا من الطعام والشراب والملابس والأدوية وغيرها من الخدمات التي تبقي على المساجين أحياء خارج أسوار الحياة، فلك أن تتخيل تلك المبالغ الطائلة التي تنفقها الدول سنويا وبصفة مستمرة على ماذا؟؟ على عقاب المذنبين والمجرمين!!!، فهل يقر ببال عاقل أن تقتطع الدول من أقوات الشعوب تلك المبالغ الطائلة التي تنفقها على السجون والمسجونين لعقاب المذنبين والمجرمين، في حين أن الشعوب البريئة الآمنة والمواطنون الصالحون لا يجدون لقمة العيش، أي خلل هذا وأي عقوبة تلك؟؟!!.
ناهيك عن أن عقوبة السجن ليس لها أي أثر على تراجع معدلات الجريمة في العالم فلم تمنع عقوبة السجن جرما ولم تحد من جريمة، فالجريمة في ازدياد مستمر حتى ممن سبق وأن عوقبوا بالسجن على جرائم قد ارتكبوها من قبل. بل إن عقوبة السجن قد تزيد المجرم إجراما وتفقده الثقة بنفسه وتشوهه أمام نفسه والآخرين، فلم يفلح السجن يوما في إصلاح كل سجين أو تحويله إلى مواطن صالح، ولم يفلح السجن كذلك في إحداث تغييرات في معتقدات السجناء أو أفكارهم إن لم يتغيروا هم من أنفسهم وبأنفسهم، ناهيك عن عدم عدالة عقوبة السجن لمماثلة ما يسمى بجرائم الفكر والنشر والتعبير في عالمنا العربي، وهل يصلح السجن عقوبة لمثل تلك القضايا؟؟!!، وهل من الحق والعدل في شيء أن نطلق على مثل تلك القضايا (جرائم) ثم نعاقب أصحابها بسلب حرياتهم والقذف بهم خارج أسوار الحياة؟؟، ناهيك عن بعض الجرائم التي لا تتناسب مع العقوبة إطلاقا سواء بقصر مدة العقوبة أو بطولها، فالعدالة في العقاب تقتضي أن تتماثل السرعة في إنجاز العقوبة كالسرعة في إنجاز الجرم وهذا ما لا يتوافر في عقوبة السجن قط، فالجاني يرتكب جرمه في دقائق أو ثواني معدودة أو سويعات معدودة، أما المجني عليه في المقابل يتألم من جرم الجاني ولكن سرعان ما يتبدد الألم ويزول في ساعات أو أيام معدودة، بينما الجاني يتألم كل لحظة وكل ثانية وكل دقيقة وكل ساعة لسنوات طويلة أو لشهور طويلة داخل السجن، والمجني عليه يتركز ألمه في جزئية واحدة، بينما الجاني المسجون آلامه في كل شيء، وذلك قمة الإجحاف والظلم في حق المذنب. فهل من العدالة مثلا أن يسرق شخص من شخص ألف جنيه أو أكثر فيسجن لمدة عام وتترك أسرته من ورائه من دون عائل يقوم على رعايتها مدة تنفيذ العقوبة. بل وانظر لحاله بعد خروجه من السجن حين يجد زوجته مدينة وأولاده مشردون وغير ذلك من تبعات بشعة تلحق بأسرة السجين أثناء سجنه وبعده، فعقوبة السجن لا تقع على السجين وحسب بل هي عقوبة لأهله وذويه كذلك، ويكفي عقوبة السجن إجحافا وظلما وسفاهة ومهزلة أنها لم تُرْجِعْ يوما حقا واحدا مسلوبا لمُعْتَدَى عليه، إذ ما الفائدة التي ستعود على المجني عليه من سجن الجاني؟؟!!، فمثلا شخص ما سُرِقَ منه مبلغ ألف جنيه وهو بحاجة ماسة له، ثم تم حبس الجاني لمدة عام أو أقل أو أكثر فما الفائدة وما العوض الذي سيعود على المجني عليه من جراء سجن الجاني؟؟!! (قمة السفاهة)، ناهيك عن العبارة المضحكة المبكية التي يطلقونها على عقوبة السجن التي تقول: (السجن إصلاح وتأهيل)، والحق إن السجن (تخريب وإهانة لآدمية السجين وتشريد وضياع لأهله وذويه من بعده).
وإن من الخطأ الفادح الذي وقعت فيه البشرية أن جعلت لمعظم الجرائم إن لم تكن كل الجرائم كما في أوروبا عقوبة واحدة هي السجن خاصة بعد إلغاء عقوبة الإعدام، وهذا ليس من العدل في شيء، فالعدالة في العقاب تقتضي أن يكون العقاب من جنس الجرم إن أمكن، أو يتنوع العقاب وفق وزن الجرم، إذ هل من العدل في شيء أن تكون عقوبة المفكر مثلا في دولنا العربية كعقوبة اللص والمرتشي والمحتال والمختلس وتاجر المخدرات والجاسوس والقاتل؟؟!!، ناهيك عن أن السجين يكون في معزل عن عيون الناس مما قد يعرضه ذلك لصنوف شتى من العقاب النفسي والبدني وعدم الاهتمام به كإنسان، ثم إن جنس عقوبة السجن هو الحرمان من الحرية أما جنس الجرائم التي يعاقب عليها بالسجن لا يرقى في معظمها إلى قسوة تلك العقوبة البشعة. وإذا كان القانون قد وُضِعَ لصون أموال الناس وممتلكاتهم وحرماتهم، فقد وضعت عقوبة السجن لقطع المذنبين من الحياة قطعا وحشرهم في قبور تكتظ بالأحياء فترة من الزمن ويتم تشريد ما لا جرم لهم من ذوي المذنبين وأهليهم، بل إن عقوبة السجن تفقد السجين الكثير والكثير من الأشياء النافعة التي فاته الحصول عليها من الحياة وتفوته الكثير والكثير من الفرص أثناء قبره داخل السجن، ناهيك عن أن السجون والسجناء ليسوا سواء، فعلية القوم من لصوص البنوك والفنانين والوزراء والمسئولين وذوي السلطان والجاه لهم سجون سوبر ستار متوفر بها كل رغد الدنيا وزينتها ولهم امتيازات ليست لغيرهم من عامة الشعب والغوغاء والدهماء أمثالنا.
وفي قوانين السجون تفرد العقوبة وفق كل جرم على حدة ففوق سلب حرية السجين وقطعه من الحياة وسلب آدميته فلكل جريمة سجن خاص تنفذ فيه العقوبة وفق فظاعة الجريمة، فكلما كانت الجريمة خطيرة كلما كان السجن الذي ستنفذ فيه أكثر صرامة وقسوة وإذلالا للسجين وامتهانا لكرامته، ويتم تقسيم السجون على أساس التفريق بين الرجال والنساء وصغار السن (الأحداث) وحسب، بينما لم يراعي التقسيم شخصية السجناء ومؤهلاتهم العلمية وميولهم الثقافية وبيئاتهم المنحدرين منها مما يضاعف السجن إلى سجنين سجن العقوبة وسجن معاشرة أناس ليسوا منك ولست منهم، ناهيك عن أن جميع السجون في البلدان العربية والنامية عموما تخضع لوزارات الداخلية مما يزيد من معاناة السجناء وقهرهم وإذلالهم، ولقد ظن أصحاب الفكر العقابي الذين شرعوا تلك العقوبة القذرة للآدميين أن مضمون العقوبة هو سلب الحرية وعزل الجاني عن المجتمع وحسب، وفاتهم أن سلب حرية الإنسان وعزله في مكان ما وراء الحياة يعد مئات بل آلاف من العقوبات المترابطة والمتشابكة والمتداعية والمتكاثرة في كل لحظة للسجين ولذويه طيلة فترة سجنه.
ناهيك عن جرائم التعذيب والتنكيل الوحشية غير الآدمية البشعة التي ترتكب في حق السجناء وخاصة من المعارضين السياسيين وراء جدران الحياة والتي لا يدري أحد عنها شيئا ولا يعلم بها أحد إلا الله، ناهيك عن أن عقوبة السجن من أنسب العقوبات وأشهاها وأوفرها حظوة عند الطغاة والمستبدين والديكتاتوريين، فهي العقوبة الوحيدة التي من خلالها يستطيع كل طاغية ديكتاتور مستبد أن يجد له فيها لونا من الشرعية في استخدامها لإسكات الشعوب وقهرها وإرهابها وقمعها وإخراجها من مسرح الحياة ومن طريق المعارضة له ولحكمه، وذلك عن طريق سن قوانين الطوارئ والحبس الاحتياطي وقرارات التحفظ والاعتقال، ناهيك عن السجون السرية التي لا يعلم بها أحد إلا سجانيها، ناهيك عن حملات الاعتقال التعسفي لمئات وآلاف الأشخاص بحجة الحفاظ على أمن البلد والأمن القومي، ناهيك عن مئات بل آلاف الأبرياء الذين يسجنون ظلما في أي أحداث شغب أو اعتصام أو إضراب أو محاولات انقلاب لمجرد الاشتباه أو الشكاوى الكيدية فيمضون سنين طويلة من أعمارهم وراء جدران الحياة بسبب أحداث لا ناقة لهم فيها ولا جمل. وما العقوبة التي تعين كل طاغية مستبد على فعل كل هذا سوى عقوبة السجن القذرة.
عدم صلاحية عقوبة السجن للآدميين :
عقوبة السجن من أبشع وأحط العقوبات التي استخدمها الجنس البشري في تاريخه كله لعقاب الفرد المذنب، بل إن عقوبة السجن أبشع وأحط من أي جرم يمكن أن يرتكبه إنسان بحق أخيه الإنسان، فالمذنب يخلع على أعتاب السجن أول ما يخلع آدميته وكرامته واختياره وحريته وحياته، فالسجن ليس عقوبة واحدة كما يخال للبعض إنما السجن مئات بل آلاف من العقوبات والجرائم النفسية والجسدية والاجتماعية التي تُرْتَكَبْ في حق المذنب وأهله وذويه والمجتمع كله في مقابل جرم واحد فعله أو عدد قليل من الجرائم، فعقوبة السجن تخلو تماما من أي عدالة في العقاب نسبة إلى أي جرم قد يرتكبه أي مذنب. فالسجن مقبرة للآدميين الأحياء، بل إن مقبرة الآدميين الموتى لهي أكثر كرامة وعزة وصونا وشرفا وأمنا وراحة وسعة وأنسا على ضيقها وظلمتها ووحشتها من مقبرة الآدميين الأحياء.
فحين تطأ قدم الإنسان السجن وتخطو أولى خطواتها نحو اللاحياة يحرم السجين ليس من حريته وحسب بل يحرم من الحياة بكل ما فيها من متع وملاذ وتبدأ رحلة اللاحياة في شكل حياة كاذبة مهينة، وتنهال عليه في كل لحظة وفي كل حين عقوبة جديدة حتى اللحظة الأخيرة في مدة سجنه، فيجد السجين نفسه في قبر مكتظ ببقايا حياة حيث لا خصوصية ولا ستر ولا خلوة وتصبح حركاته وسكناته ونومه ويقظته وقيامه وقعوده ساحة مباحة منتهكة من كل ناظر، وكلماته وآهاته ودقات قلبه وصوت أنفاسه ساحة مباحة منتهكة من كل أذن صاغية، فاكتظاظ السجون والزنازين بالآدميين عقوبة بمفردها، وحرمان السجين من اتصاله بأهله وأبنائه وزوجه وإخوانه وأصدقائه وجيرانه وزملائه وبقية البشر عقوبة بمفردها، وحرمان السجين من متابعة أبنائه وتربيتهم عقوبة بمفردها، وحرمان السجين من مواصلة عمله الذي هو مصدر قوته وقوت أبنائه وذويه عقوبة بمفردها، وحرمان السجين من مشاركة بني جنسه في أن يكون له دور وبصمة في الحياة عقوبة بمفردها، وفرض طعام بعينه على السجين طيلة فترة سجنه عقوبة بمفردها، وفرض لباس بعينه على السجين طيلة فترة سجنه عقوبة بمفردها، واحتقار السجين من قبل سجانيه وإذلاله وازدرائه طيلة فترة سجنه وبعد سجنه عقوبة بمفردها، والإهمال الصحي والعلاجي للسجين عقوبة بمفردها، وإجبار السجين على ممارسة مهنة الطهي والغسل وتنظيف الزنازين والمراحيض بغية الإهانة والإذلال عقوبة بمفردها، والاعتداءات المتكررة على السجين فيما يسمى بحفلات الاستقبال عقوبة بمفردها، وتشغيل السجين في مهن شاقة وقاسية كتكسير الأحجار وحمل الأثقال وغيرها من الأشغال الشاقة عقوبة بمفردها، وحرمان السجين من ممارسة الجنس مع زوجه طيلة فترة سجنه عقوبة بمفردها، وحرمان السجين من مشاركة أهله وذويه في أفراحهم وعزائهم طيلة فترة سجنه عقوبة بمفردها، وحرمان السجين من الاطلاع على تطورات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية عقوبة بمفردها، ومعاناة أسرة السجين النفسية والاقتصادية والاجتماعية طيلة فترة سجنه عقوبة أخرى للسجين ولأسرته، وموت السجين في سجنه بعيدا عن أهله عقوبة بمفردها له ولأهله، وموت أحد أقرباء السجين أو عدد منهم أثناء فترة سجنه وحرمانه من تشييعه وتقبل العزاء فيه عقوبة بمفردها، وحرمانه من حضور زواج أحد أبنائه أو أحد أفراد عائلته عقوبة بمفردها.
أما أحوال النساء السجينات وخاصة الأمهات منهن فسينزف القلم ألما ولن تطيعني يدي في الكتابة عنهن وعن معاناة أبنائهن وسأترك للقارئ أن يتذوق بخياله مدى قسوة ومرارة وبشاعة وانحطاط عقوبة سجن النساء وخاصة الأمهات.
ولو أخذت أعدد وأحصي ما يحويه السجن من عقوبات لن يكفيني عشر مجلدات، فهل من العدالة في شيء إنزال مثل تلك العقوبة اللعينة متعددة العقوبات بشخص ارتكب جرما واحدا أو أكثر قد سبب ذلك الجرم إيلاما واحدا في جهة واحدة لشخص واحد هل في ذلك مثقال ذرة من العدالة؟؟.
 ما العمل؟؟ :
أولا: أناشد جميع منظمات المجتمع المدني وخاصة منظمات حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية ونقابات المحامين واتحاد المحامين وكليات الحقوق والمراكز البحثية ومراكز البحوث الاجتماعية والجنائية ووزارات العدل في جميع أنحاء العالم وكل آدمي حر يحمل بين جنبيه شيئا من بقايا الإنسانية أن يساهم بكل ما يستطيع في المطالبة بإلغاء عقوبة السجن واعتبارها عقوبة ضد الإنسانية وغير لائقة لعقاب الجنس البشري، واستبدالها بعقوبات أخرى أكثر عدالة وإنصافا وسرعة للمعتدين والمعتدى عليهم.
ثانيا: أطالب جميع وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة كالصحف والمجلات والقنوات الفضائية ومواقع الإنترنت الفكرية والعلمية والثقافية والقانونية والدينية والسياسية والحقوقية والاجتماعية بإجراء استفتاءات حول مدى صلاحية عقوبة السجن للجنس البشري، وإقامة حملات تضامنية حول إلغاء عقوبة السجن واستبدالها بعقوبات أخرى مناسبة وأكثر إنسانية وعدالة وكرامة وحياة للجاني والمجني عليه، وأخص بالذكر موقع الحوار المتمدن لما له من شعبية كبيرة بين جمهور الانترنت، ولسبقه في تنظيم الحملات التضامنية.
ثالثا: أهيب بكل الإعلاميين والصحافيين والكتاب والمثقفين والمفكرين والمتخصصين في علم العقاب بتكثيف المقالات والأبحاث والدراسات حول عقوبة السجن وأضرارها ومفاسدها على الإنسان قبل السجن وأثناءه وبعده، واختبار مدى صلاحيتها لعقاب الجنس البشري.
رابعا: أهيب بكل المتخصصين في علم العقاب وكل المفكرين والباحثين بأن ينذروا أنفسهم لإعادة النظر والتقييم في المنظومات العقابية الحالية والفكر العقابي الحالي، ومحاولة وضع فكر عقابي جديد أكثر عدالة وكرامة وصونا لآدمية وحقوق الجاني والمجني عليه، وإيجاد عقوبات بديلة لعقوبة السجن، وهو أمر يسير على الإنسان الذي تمكن من الإبداع والابتكار في كل شيء، فلن يعجز في إيجاد عقوبات بديلة أكثر إنسانية وعدالة وكرامة إن هو أراد ذلك وعمد إليه.
خامسا: عقد ندوات تضم نخبة من المتخصصين في شتى المجالات ذات الصلة لمناقشة هذه القضية من كافة جوانبها القانونية والأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية والدينية وتقديم أوراق عمل بها عددا من التوصيات الهامة بشأن تلك العقوبة.
سادسا: تحفيز همم الجماهير المختلفة إلى الاهتمام بمثل تلك القضية الهامة عبر برامج التلفاز المختلفة وعبر مواقع الإنترنت للإدلاء بآرائهم وتعليقاتهم وأفكارهم حول تقييم تلك العقوبة وإيجاد البديل لها.
وفي ختام مقالي لا يسعني إلا أن أقول: (إن الفكر العقابي الذي قنن عقوبة السجن هو فكر منحط غير آدمي يجب تجريمه).
نهرو طنطاوي
كاتب وباحث في الفكر الإسلامي _ مدرس بالأزهر
مصر_ أسيوط
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات