بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
حدائق بغداد تتحول إلى مقابر يتردد في جنباتها صدى سنوات العنف الطائفي
  29/11/2009

حدائق بغداد تتحول إلى مقابر يتردد في جنباتها صدى سنوات العنف الطائفي



أطفال عراقيون يحاكون، أمس، ثاني أيام العيد، مشهد خطف في حارتهم ببغداد، التي رغم التحسن الأمني لا تزال تتذكر سنوات العنف الطائفي (أ.ب)
بغداد: رود نوردلاند *
في حدائق الأحياء والأموات تستمر الحرب ليس بحماس كبير ولكن بتسليم للأمر الواقع. وبعد فجر يوم الجمعة، الذي وافق أول أيام عيد الأضحى، بدت أزقة حي الأعظمية في بغداد بل معظم أحيائها مهجورة باستثناء الحديقة التذكارية الكائنة خلف مسجد أبو حنيفة، التي تحولت إلى مقبرة حيث تجمع الآلاف من الرجال والنساء يرتدون ملابس الحداد. حلق جسم أبيض فوق المكان، وكان ذلك تذكرة بحي الأعظمية عندما كان معقلا لحركة التمرد السنية. إنها طائرة استطلاع أميركية تحمل كاميرات فيديو، فدائما ما كان مسجد أبو حنيفة نقطة تجمع، وبالقرب منه يوجد آخر مكان اختبأ فيه صدام حسين، عند هروبه من بغداد. وتعرف هذه الحديقة في الوقت الحالي باسم «حديقة شهداء الأعظمية» منذ أن أصبحت مدفنا في عام 2007، وتملأ القبور هذه الحديقة لدرجة أنه يصعب غالبا التحرك بين شواهدها. وقبل ستة أشهر أحصت السلطات 9 آلاف قبر، ولكن أضيفت منذ ذلك الوقت قبور كثيرة أخرى. وجميع المدفونين في هذه القبور ضحايا أعمال عنف وقعت بين العراقيين بصورة أو بأخرى، ومنها تفجيرات إرهابية وأعمال قتل طائفية واغتيالات سياسية. ولا يوجد شخص هنا يعتقد بأن الحرب قد انتهت. وقالت صبرية فاضل عباس، وهي جاثية حول قبر أخ لها يدعى علي، مات عن 39 عاما، بانفجار سيارة مفخخة عام 2008 وترك زوجة وسبعة أطفال، الأكبر منهم عمره 13 عاما: «لن يتحسن الوضع حتى بعد مرور مائة عام، فهم ما زالوا يتقاتلون داخل الحكومة، ولا يثقون في بعضهم بعضا. كيف يمكن أن ينتهي ذلك؟».
وعلى غرار معظم القبور، غطت صبرية قبر أخيها بسقف مموج مصنوع من إطار معدني بسيط. وتقول: «هذا لحمايته من الشمس والأمطار». وكان يوجد عند قدميها إناء به فطائر تقدمها لفاعلي الخير. وقالت إن أمها كانت ستأتي فيما بعد، فهي لا تستطيع المشي، ولذا سوف يحملها أبناؤها الباقون من المسجد. وجاءت امرأة متسولة وأخذت مجموعة من الفطائر ووضعتها داخل العباءة التي كانت ترتديها. ويرقد هنا أيضا علاء عادل، أقرب أصدقاء الصحافي عصام العبيدي، بعد أن قتله قناص. وقال الصحافي: «لا يعيش عراقي واحد بعيد عن ذلك». ومن ضمن المدفونين في المقبرة خالد حسن، وهو صحافي ومترجم بـ«نيويورك تايمز»، قتل وهو في طريقه إلى عمله عام 2007.
وقف الزائرون أمام القبور يتضرعون. وقالت وفاء نوري حسين: «هؤلاء هم المحظوظون، فلديهم مكان يستريحون فيه، وعندما يأتي دورنا لن تكون هناك مساحة أخرى». وقريبا ستقطع آخر النخلات الباقية لتوفير مساحة للمزيد من القبور. وتشعر وفاء بالمرارة بسبب الاقتتال الداخلي داخل الحكومة العراقية، التي تعجز منذ أشهر عن الوصول إلى اتفاق بشأن كيفية إجراء الانتخابات. وقالت وفاء: «تقاتل الأحزاب بعضها بعضا، وإذا استمروا في ذلك، سيزداد الوضع سوءا».
كانت مريم ياسين، ترتدي عباءتها وتجلس أمام قبري أخويها وهي تنتحب. أوضحت العائلة أنها كانت هناك عندما اعترض مسلحون من جيش المهدي سيارتهم وأطلقوا النار على الاثنين أمامها قبل ثلاثة أعوام. وجرح قريب آخر لها يبلغ من العمر 20 عاما على أيدي الأميركيين في قتال، ويقولون إنه مات ولكنهم لم يحصلوا حتى الآن على جثة. وتقول مريم: «طالما أن هناك أميركيين وإيرانيين في العراق، لن يكون هناك وضع أفضل». وتعني مريم بالإيرانيين المسلحين الشيعة. وعبر زقاق هناك المقبرة بالمسجد نفسه، حيث دفن متمردون ومن بينهم مقاتلون أجانب. وثمة تناقض واضح بين المقبرتين. فعلى عكس الازدحام في مقابر «حديقة شهداء الأعظمية» جاءت عائلات قليلة لزيارة الموتى في المقبرة الثانية. ولا يبدو أن أحدا يميل إلى عشرات المقابر لمقاتلين جاءوا من مصر وسورية ولبنان. ولا توجد حتى الورود البلاستيكية.
وقالت إيمان حمزة، إن ابنها كان من بين المتمردين، قالت ذلك وهي جالسة أمام صورة مكبرة لابنها أمام شاهد قبره. وكان عمر مهند أحمد جبار يبلغ من العمر 24 عاما عندما قتل في عام 2008 خلال تبادل إطلاق نار مع أميركيين. وكانت إيمان قد فقدت زوجها حيث قتل خلال الحرب مع إيران عام 1986، وخلال العام الماضي قام مفجر انتحاري داخل سيارة، يتبع تنظيم القاعدة، بتدمير سوق في الكوت مما أدى إلى مقتل أخيها.
وقالت إيمان بهدوء ولم تبدو في عينيها أثر الدموع: «جميعهم مجاهدون، وأنا فخورة بهم جميعا. جاهدوا وحسبوا أن الأوضاع سوف تتحسن، ولكن لم يتحسن شيء. لم يكن ذلك يستحق ما فعلوه». إنه شعور لا ينكره أي شخص داخل هذه الحدائق.
* خدمة «نيويورك تايمز»
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات