بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
من حكايا الوطن.. قصة أول طائرة على أرض دمشق
  21/12/2009

من حكايا الوطن.. قصة أول طائرة على أرض دمشق

المكان: دمشق مرج الحشيش
الزمان: كانون الثاني عام 1914
الحدث: هبوط أول طائرة


لم يصدق الدمشقيون عيونهم وهم يرون جسماً ضخماً من الحديد يحلق في سماء دمشق ومن ثم يهبط بأمان فوق أرض مرج الحشيش «أرض معرض دمشق الدولي القديم» ليستقبله والي دمشق حسين ناظم باشا وكبار قادة الجيش، وكبار أعيان دمشق منهم الأمير علي الجزائري عضو مجلس «المبعوثان العثماني» «البرلمان» ونجله الأمير عبد القادر الجزائري، وشقيقة الأمير عمر الجزائري، وجمهور غفير من الأهالي كان منهم الزعيم الوطني فخري البارودي وكان عمره آنذاك خمسة وعشرين عاماً، وخالد العظم رئيس وزراء سورية وكان عمره آنذاك أحد عشر عاماً، وبدر الدين الشلاح كبير تجار دمشق. لم يكن ذلك الجسم الحديدي الضخم الذي أذهل أهالي دمشق سوى الطائرة العثمانية «معاونت مليه» أي «نصرة الدين».
البداية
بدأت رحلات الطيران تنتشر في العالم في بداية القرن العشرين، وأرادت السلطنة العثمانية أن تدخل مجال الطيران فقامت بشراء طائرتين مستعملتين من الإمبراطورية الألمانية آنذاك صنعت بين عامي «1910-1913» طول الطائرة 7م بمحرك لا يتجاوز 200 حصان وكانت حجرة الطيار مكشوفة بلا ساتر وحدد موعد الرحلة التجريبية الأولى لإحدى الطائرتين في ربيع عام 1914م، وقد اختير لقيادة الطائرة الملازم الأول المدفعي صادق بك ومعاونه الطيار اليوزباشي فتحي بك.
انطلقت الرحلة من اسطنبول إلى دمشق وكان مخطط الرحلة أن تنطلق من دمشق إلى فلسطين ومن ثم القاهرة، وكان السلطان العثماني محمد الخامس وكبار أركان الدولة على رأس المودعين إلى دمشق.
احتشدت جموع غفيرة في دمشق لاستقبال الطائرة وهبطت الطائرة في مرج الحشيش، وسط تصفيق وزغاريد المستقبلين والظريف أن بعض الناس حاولوا خلع جزء من هيكل الطائرة للذكرى ولولا إحاطة الطائرة بالحراسة لما بقي منها شيء، حُمل الطياران فتحي بك وصادق بك على الأكتاف وأقيمت لهما الولائم والأفراح وطافوا بهم أنحاء دمشق على أنهم أبطال. وفي اليوم الثالث من وصول الطائرة إلى دمشق زحفت الجماهير لتشاهد سفرها إلى القاهرة، وغادرت الطائرة وسط توديع الناس للطيارين البطلين، لكن الطائرة ولظروف جوية سيئة سقطت قرب بحيرة طبريا ومات الطياران، وأقيم نصب تذكاري لهما مكان سقوط الطائرة في قرية السمرا التي تبعد 1.5 كم من البحيرة وأحضرت جثّتاهما بالقطار إلى دمشق، وسارت الجنازة في أنحاء دمشق وسط الحشود الحزينة، ودفنا خلف الجامع الأموي بالقرب من ضريح صلاح الدين الأيوبي، وعم الحزن أنحاء دمشق وفرغت الشوارع كأنها بحداد رسمي، وفتحت بيوت العزاء في أنحاء دمشق. بعد أسبوع من هذه الحادثة انطلقت طائرة العثمانية الثانية في رحلة رد الاعتبار بقياده الملازم نوري بك، وصلت الطائرة إلى دمشق حيث هبطت في بساتين المزة، ولم يكن في استقبالها ذلك الحشد الشعبي نظراً إلى أن الناس كانوا لا يزالون في فترة حزن على الطيارين، ومن دمشق أقلعت باتجاه القاهرة إلا أن حظّها وحظّ قائديها لم يكن أحسن مما سبق فوقعت في البحر أمام مدينة يافا واستشهد قائد الطائرة ونقل جثمانه إلى دمشق ودفن إلى جوار رفيقيه خلف الجامع الأموي.
فخري البارودي
وحول هبوط هذه الطائرة يقول الزعيم الوطني فخري البارودي: كنا نسمع عن الطائرات ولم نكن نراها بعد، وكنا نتشوق إلى رؤية الطائرة وهي تحلق في السماء، إلى أن أعلنت حكومة الولاية «كانت دمشق مركز ولاية من ولايات الدولة العثمانية»، أن طائرة «فتحي بك» ستصل إلى دمشق في يوم عيّنوه من سنة 1912.
وفي اليوم المذكور، خرج أهالي دمشق قاطبة إلى مرج الحشيش وهو الذي يقوم فوق معرض دمشق، ولما أقبلت الطائرة حامت حول دمشق ووصلت إلى المرج وهبطت، هرع الناس من كل حدب وصوب لمشاهدتها ومصافحة راكبيها، وهما الطياران «فتحي وصادق»، ووقف الخطباء والشعراء يرحبون بالطيارين، وقد أرسلت هذه القصيدة إلى جريدة المقتبس التي كان يصدرها المرحوم الأستاذ «محمد كرد علي» بعد أن رأيت الطيارة، مرحّباً بالطيارين ونشرت بالعدد 1412 من المقتبس بتاريخ 30 ربيع الأول سنة 1912م 1332هـ ومنها:
يا سماء الشام ياخير سماء رحّبي بالضيف مرفوع اللواء
ضيفنا يا شام نسر ناطق سابق النسر وعقبان السماء
ضيفنا طيارة فارسها صيّر الفولاذ طيراً في الفضاء

أملاك أنت «يافتحي» أجب أم وليٌّ من كبار الأولياء
خالد العظم

يروي رئيس وزراء الأسبق خالد العظم الذي حضر هبوط أول طائرة في دمشق في أوراقه أن أهل دمشق لم يصدقوا أول الأمر أن جسماً من الحديد يمكنه الطيران في السماء واعتبروا هذه المقولة كفراً من عمل الشيطان، حتى حل شهر ربيع الأول من سنة 1332هجري «كانون الثاني 1914» حين هبطت أول طائرة عثمانية فوق أرض المرج الأخضر عند جنينة النعنع «الملعب البلدي» الذي حل في موضعه اليوم معرض دمشق الدولي القديم.
ويذكر العظم أن والده استضاف الطيارين فتحي وصادق في منزله بسوق ساروجة.
بدر الدين الشلاح
أما المرحوم بدر الدين الشلاح فيقول: تعي ذاكرتي مجيء أول طائرة إلى سورية وكانت تتسع لشخصين فقط، وقد حطت في «مرج الحشيش» الذي يقوم عليه الآن معرض دمشق الدولي وكان يمتد من التكية السليمانية إلى المكان الذي يسمى في ذلك الوقت «صدر الباز» حيث تقوم الآن ساحة الأمويين. وكان هذا المرج لا يزرع وتعج أرضه بالمياه وينبت فيه الحشيش تلقائياً لأن المياه تنصب عليه من فائض نهر بانياس الذي يعلو هذا المرج من ناحية الجنوب. وقيل إن هذا المرج أوقف ليكون مسرحاً للخيل الهرمة يتركونها فيه حيث ترعى حتى تموت، وهذا من الأوقاف العجيبة واللطيفة في آن واحد.
صباح الدين أرسلان
يروي الصحفي التركي صباح الدين أرسلان قصة الطائرة التي هبطت بدمشق في مقاله حول أول امرأة مسلمة قادت طائرة فيقول: «طارت بلقيس شوكت هانم في الطائرة التي كان يقودها فتحي بك. وبعد فترة قصيرة قرر فتحي بك ورفيقه نوري بك القيام بجولة في منطقة الشرق العربي، وسقطت بهم الطائـرة وماتا شهيدين.
وتحدثت مجلة النساء عن تلك الحادثة بكل حزن: «لقد رفع فتحي بك ورفيقه نوري بك الراية العثمانية في عنان السماء، وقد سقطا شهيدين في سبيل أمتهما التي كانا يحبانها حباً شديداً. وعندما ودعا الحياة بكاهما من خلفهما 30 مليون عثماني و300 مليون مسلم» ويتابع التركي أرسلان قائلاً: «بالنسبة إلى فتحي بك فبعد أن أنهى دراسته في معهد البحرية أصبح ملازماً. ونزولاً عند رغبته أرسل إلى مدرسة بريستول للطيران في إنكلترا لتعلم قيادة الطائرات، ثم رجع إلى البلاد بعد عام كامل من التعليم. كان مجموعة من المصريين ينتظرونه بفارغ الصبر، ومن بين هؤلاء الشاعـر المشهور حافظ إبراهيم الذي استقبل الطيارين العثمانيين بقصيدة طويلة:
أهلاً بأولِ مُسلمٍ في المشرِقَينِ علاَ وطارْ
النيلُ والبسفورُ فيك تجاذبا ذَيْلَ الفَخاْرَ
الأتراك
يعتز الأتراك بهؤلاء الطيارين المدفونيين بدمشق، فكلما حضر إلى دمشق مسؤول تركي أو مواطنون أتراك فأنهم يقومون بزيارة أضرحتهم، كما أطلق اسم الطيار اليوزباشي فتحي بك على إحدى المدن التركية «فتحيه» وفتحيه مدينة صغيرة ناشئة على أطراف مدينة أندرياكا الغارقة في البحر، وقد أقيم في ساحتها الرئيسية نصب تذكاري لحادثة استشهاد كل من الطيارين فتحي بك وصادق بك أثناء رحلتهما إلى دمشق.
جريدة الوطن-شمس الدين العجلاني- أثينا

ملاحظة: الصور من أرشيف «الوطن» وهي تنشر للمرة الأولى.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات