بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
أور جوهرة في مستودعات الإهمال
  01/08/2010

أور جوهرة في مستودعات الإهمال


كاظم فنجان الحمامي ـ أُور مدينة ارتدت أثواب الحضارة, وحملت شعلة التجدد في العصور الغابرة, فتسلقت سلم المجد في مراحلها السومرية المبكرة, وقبضت على صولجان السلطة بفضل عبقريتها وحنكتها السياسية في القرون الكونية الأول. مدينة اتشحت بالألغاز والأسرار, حتى استعصت على الفهم, فأضفى عليها غموضها فتنة آسرة, ماانفكت تقدح زناد الفكر للولوج إلى أغوارها المجهولة, وماانفكت تحفزنا على استنفار الجهود المخلصة وتوظيفها في حمايتها والحفاظ عليها من التلف والعبث والتخريب المتعمد.

أُور هي أيقونة فجر السلالات, وأحجية الكون, وسره العميق, وصورة الماضي العتيق, وروحه الكامنة في ذاكرة مهد الحضارات الإنسانية, فهي التي غيّرت وجه العالم, ورسمت مسارات الحياة البشرية الزاخرة بالعطاء الفكري, والحس الفني, والإبداع العلمي المتجدد, فقد استقر رأي العلماء على خمس أفكار غيّرت وجه العالم في تاريخه الطويل. هي على الترتيب: التوحيد, الزراعة, الصفر في الحساب والرياضيات, اللقاحات الطبية الوقائية, والشبكة العنكبوتية (الانترنت).

وكانت حصة الأسد في هذا التغيرات الإنسانية الكبيرة من نصيب مدينة (أُور), فهي المدينة التي انطلقت منها سفينة سيدنا نوح عليه السلام, يوم تفجرت الأرض عيونا, وتفتحت أبواب السماء بماء منهمر, فكانت مسرحا مقدسا لملحمة الطوفان بكل فصولها ورموزها وأبعادها, وهي الأرض التي جرت في عروقها أعذب ينابيع التوحيد بولادة سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام, فتلألأت في سمائها قناديل الإيمان, التي حررت العقل البشري من رواسب الأساطير والخرافات, وربطته بعبادة الله الواحد الأحد الفرد الصمد, فهي (أُور) في اللغة السومرية, و(نور) في اللغة العربية, وهذا هو معنى اسم المدينة, التي حملت نور العلوم والفنون والآداب.
وهي التي أرست مبكرا فكرة حقوق الإنسان, وسنّت في شريعة (أورنمو) مبادئ القوانين واللوائح التنظيمية, التي اشتملت على (31) مادة قانونية, فسبقت تشريعات مسلة حمورابي البابلية الأنيقة, وكان لها الأثر الكبير في نشر العدالة في أقطار كوكب الأرض.
وهي التي اكتشفت الزراعة البدائية في السهل الرسوبي لدلتا جنوب العراق, فنشأت في ربوعها نواة التجمعات الزراعية المستقرة, ووفرت الغذاء الذي مهّد الطريق للتجارة, ومهّد الطريق لظهور مقومات الدولة السومرية, فتكونت نواة الحكم المحلي, ونتج عن ذلك ولادة أول الأنظمة السياسية, ثم تعاظمت سلطتها, وبسطت نفوذها على الهلال الخصيب كله, وسمي عصرها باسم عصر فجر السلالات, وسعى ملوكها لتمصير المدن الأخرى وبنائها وتحصينها, فتكونت اثنتا عشرة مدينة, مثل شروباك, لكش, كيش, أريدو, الوركاء, لارسا, وغيرها.
وهي التي كانت سبّاقة في اكتشاف نظام الري, وبناء السدود وشق القنوات, وسبّاقة في ركوب البحر, ورائدة في اكتشاف الملاحة الفلكية, ومتميزة في بناء السفن, ومتفوقة في تشييد المرافئ, وكانت في طليعة المدن التي برعت بالكتابة والتدوين بالحروف المسمارية على ألواح الطين, وطورت علوم الإحصاء وطرقها العددية, واكتشفت النظام الستيني في الحساب, وقطعت شوطا كبيرا في الهندسة والمثلثات, ويعود لها الفضل في اكتشاف العجلة, وصناعة عربات النقل, التي تجرها الخيول والثيران, وكان ملكها (أُورنمو) أول من باشر بتشييد معبدها الهرمي المتدرج (الزقّورة), وهي (زقّورة) ضخمة أكملها من بعده ابنه (شولكي), ثم تزايد بناء الزقورات في العراق وسوريا وإيران, وتعد زقّورة (أُور) أشهرها وأقدمها, تليها زقّّورة (عقرقوف) غرب بغداد, وفي العراق اليوم (28) زقّورة, وفي إيران أربع زقّورات, أشهرها زقّورة (جغازنبيل) جنوب شرق مدينة (الشوش), بينما تتوزع الزقورات السورية بين مدينة (إبلا), و(أفاميا), و(ماري) الأثرية.
أما زقّورة (أُور) فترقد اليوم في أرض صحراوية مهجورة وعرة قاحلة, شديدة القحط, كثيرة الكثبان, تحاصرها همرات الجيوش الغازية, تعربد في فنائها غربان الأباتشي, تعبث بها جرذان اليانكيز. تتصدع أركانها من ضجيج الارتال الأمريكية المتجحفلة بجوارها.
تنبشها ليلا مخالب لصوص الآثار. تحوم حولها الحيوانات السائبة. تنتهك حرمتها عربات نقل القمامة. تخنقها نفايات المدينة الجاحدة. حتى صرنا نقف اليوم على أطلال مدينة آفلة في طريقها إلى الضياع. نحدق من بعيد إلى جدرانها الآيلة للانهيار والسقوط, فتنفطر قلوبنا من الألم, ونتمنى أن يعاد ترميم وصيانة هذه المدينة المنسية, التي مازالت تحتفظ بأغنى وأقدم كنوز العالم الأثرية, ونقول لعلها تتلقى الرعاية والعناية, فتحصل على النزر اليسير من ذلك الاهتمام الكبير الذي يوفره أصحاب الشأن لحقل (صبة), وحقل الرميلة الشمالي والحقول النفطية الأخرى الواقعة ضمن ممتلكاتها السومرية القديمة.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات