بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
متى لـم تكـن إسرائيـل فاشيـة؟
  02/01/2011


متى لـم تكـن إسرائيـل فاشيـة؟

سمير كرم


في الرابع من كانون الاول 1948 نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الاميركية في باب «رسائل الى المحرر» رسالة بتوقيع العالم اليهودي الألماني المولد الاميركي الجنسية ألبرت أينشتاين ومعه نحو مئة شخصية من اليهود وغير اليهود من كبار العلماء والمفكرين والمعنيين بالشأن العام.
الرسالة على درجة قصوى من الأهمية، وهكذا قدرتها الصحيفة، حتى اننا نلاحظ انه كتبها في 2 كانون الاول، ونشرت في الرابع منه. وهذه سرعة كبيرة في النشر اذا اخذنا في الاعتبار ان بعض رسائل القراء الى المحرر في اي صحيفة يمكن ان تستغرق شهراً لتجد طريقها الى النشر. كذلك فإن الرسالة نشرت بنصها على الرغم من انها طويلة نسبياً وتزيد كثيرا في مساحتها عن اي رسالة تنشرها نيويورك تايمز في هذا الاطار.
وهناك ملاحظة جانبية اخرى واجبة. فرسالة أينشتاين جاءت بعد اقل من عام واحد من رفضه التاريخي المعروف عرض إسرائيل عليه ان يكون اول رئيس لجمهوريتها. الامر الذي يضفي على هذه الرسالة من أينشتاين مزيداً من الأهمية بشأن رأي اينشتاين في اسرائيل وسياساتها والى اين تتجه والى اين يكون ميلها.
موضوع هذه الرسالة هو التحذير من الفاشية الصهيونية في اسرائيل.
ولقد عادت الرسالة فاكتسبت في الآونة الاخيرة اهمية كبيرة، حتى ان من الملاحظ ان أعداداً كبيرة من الكتاب اليساريين الاميركيين يسهمون الآن مجدداً في التحذير من سرعة انزلاق اسرائيل نحو الفاشية، ويبنون انتقاداتهم لسياسات اسرائيل الداخلية والخارجية على دلائل عديدة على هذا الاتجاه الخطر الذي يباعد بين اسرائيل وقيم المجتمع الاميركي، الذي تعتمد حياة اسرائيل وبقاؤها على دعمه الاقتصادي والتكنولوجي والسياسي، وبطبيعة الحال دعمه الاستراتيجي العسكري.
ونجد انفسنا مضطرين لأن ننشر هذه الرسالة بنصها، وإن كانت ستأخذ حيزاً كبيراً من المساحة المتاحة لهذا المقال. ذلك ان اهميتها تزداد في التفاصيل التي توردها والتي تردّ عملياً على السؤال الذي اخترناه عنواناً لهذا المقال: متى لم تكن اسرائيل فاشية؟
وهذا هو نص «رسالة أينشتاين» كما نشرت في نيويورك تايمز:
«الى محرري نيويورك تايمز
من بين الظواهر السياسية الأشد إثارة للقلق في زماننا ظهور حزب الحرية (تنوات هاهيروت) في إسرائيل الحديثة التأسيس، وهو حزب سياسي وثيق الصلة للغاية في تنظيمه ومناهجه وفلسفته السياسية وتوجهه الاجتماعي للاحزاب النازية والفاشية. لقد تشكل من عضوية ومن اتباع تنظيم ايرغون زفاي ليومي السابق، وهو منظمة إرهابية يمينية شوفينية (وطنية متعصبة ضيقة الأفق) في فلسطين.
والزيارة الحالية التي يقوم بها مناحيم بيغن زعيم هذا الحزب للولايات المتحدة محسوبة بوضوح لتعطي انطباعاً بالتأييد الاميركي لهذا الحزب في الانتخابات الاسرائيلية القادمة، ولتمتين الروابط السياسية مع العناصر الصهيونية المحافظة في الولايات المتحدة. إن عديدين من الوطنيين الاميركيين قد اعاروا اسماءهم للترحيب بهذه الزيارة. وليس من المتصور ان اولئك الذين يعارضون الفكر الفاشي في جميع انحاءالعالم، اذا ما تلقوا معلومات صحيحة عن سجل السيد بيغن واتجاهاته، يمكن ان يضيفوا اسماءهم وتأييدهم الى الحركة التي يمثلها.
فقبل أن يقع ضرر لا يمكن إصلاحه عن طريق مساهمات مالية ومظاهر عامة لصالح بيغن وخلق انطباع في فلسطين بأن قسماً كبيراً من اميركا يؤيد العناصر الفاشية في اسرائيل، يتعين على الرأي العام الاميركي ان يعلم بسجل السيد بيغن وحركته وأهدافهما. إن البيانات العلنية لحزب بيغن ليست بأي حال مرشداً لطابعه الحقيقي. إنهم يتحدثون اليوم عن الحرية والديموقراطية ومناهضة الإمبريالية، في حين انهم حتى وقت قريب كانوا يبشرون صراحة بمذهب الدولة الفاشية. إن الحزب الإرهابي يفضح في افعاله طابعه الحقيقي، ويمكننا ان نحكم من افعاله الماضية بما يمكن ان نتوقعه ان يفعل في المستقبل.
إن سلوكهم في قرية دير ياسين العربية كان مثالا صادماً. هذه القرية التي تقع خارج الطرق الرئيسية وتحيط بها اراض يهودية لم تشترك في الحرب، بل انها ردت ايد عربية ارادت ان تستخدم القرية قاعدة لها. وفي 9 نيسان (نيويورك تايمز) هاجمت عصابات إرهابية هذه القرية المسالمة التي لم تكن هدفاً في القتال وقتلت معظم سكانها، 240 رجلاً وامرأة وطفلاً واحتفظت بعدد قليل منهم على قيد الحياة لتستعرضهم كأسرى في شوارع القدس. لقد فزع معظم المجتمع اليهودي من هذا الفعل، وبعثت الوكالة اليهودية ببرقية اعتذار الى الملك عبد اللــه ملك شرق الاردن. ولكن الإرهابيين، الذين هم بعيدون عن الشعور بالعار من فعلهم، كانوا فخورين بهذه المذبحة ونشروها على نطاق واسع، ودعوا المراسلين الأجانب الموجودين في البلد ليشاهدوا الجثث المكومة والفوضى العامة في دير ياسين. إن حادث دير ياسين يمثل طابع وأفعال حزب الحرية.
إنهم يبشرون داخل المجتمع اليهودي بخليط من القومية المتطرفة والتزمت الديني والتفوق العنصري. وشأنهم شأن الاحزاب الفاشية الاخرى اعتادوا على انتهاك الإضرابات وعلى ممارسة الضغط لتحطيم النقابات العمالية الحرة. وفي توجههم الرئيسي اقترحوا قيام نقابات مؤسسية على النموذج الفاشي الايطالي. ومارسوا خلال السنوات الماضية اعمال عنف متفرقة ضد البريطانيين، وافتتحت جماعات ايرغون زفاي ليومي واشترن حكم الارهاب في المجتمع اليهودي في فلسطين. المعلمون ضُربوا لأنهم يتحدثون ضدهم، والبالغون اطلق عليهم الرصاص لأنهم لا يدعون ابناءهم ينضمون اليهم. وبأساليب العصابات الاجرامية والضرب وتكسير النوافذ والسرقات الواسعة الانتشار اخاف الإرهابيون السكان وجنوا ثمناً باهظاً.
إن اعضاء حزب الحرية لا دور لهم في الإنجازات البناءة في فلسطين. فهم لم يستصلحوا ارضاً ولم يبنوا مستوطنات وأشاحوا بوجوههم عن نشاط الدفاع اليهودي. اما جهودهم التي يروجون الدعاية لها كثيرا في مجال الهجرة فإنها ضئيلة ومكرسة اساساً لجلب مواطنيهم الفاشيين.
ان التجاوزات بين المزاعم الجريئة التي يطلقها بيغن وحزبه وإنجازاتهم في الماضي وفي فلسطين لا تحمل طابع حزب سياسي عادي. هذا هو الطابع الذي لا تخطئه عين لحزب فاشي يعد الارهاب (ضد اليهود والعرب والبريطانيين على السواء)، وإساءة تصوير الامور، كما يعد «الدولة القائدة» هي الهدف في ضوء الاعتبارات المذكورة فإن من المحتم ان تعرف الحقيقة عن السيد بيغن وحركته في هذا البلد. وإن مما يزيد الامور مأساوية ان القيادة العليا للصهيونية الاميركية قد رفضت شن حملة ضد محاولات بيغن، او حتى لفضح اخطارها على اسرائيل لأنصارها من وراء دعم بيغن.
لهذا فإن الموقعين ادناه يلجأون الى هذه الوسيلة للنشر ليقدموا عدة حقائق قليلة مناسبة فيما يتعلق ببيغن وحزبه، ويحثون كل المعنيين على ان لا يدعموا هذا المظهر المتأخر للفاشية.
نيويورك، 2كانون الاول 1948
لعل أينشتاين ومؤيديه ـ لو عاشوا الى الآن لوجدوا ان لا فرق بين حزب الحرية والاحزاب التي حكمت وتحكم إسرائيل طوال السنين منذ نشأتها، وأن لا فرق بين مناحيم بيغن وأي من الزعماء والقادة العسكرين الاسرائيليين الذي توالوا على حكم «فلسطين» (ظل أينشتاين مخلصاً لاسم فلسطين كما يتضح من الرسالة). لقد تجذرت الفاشية في تأسيس الاحزاب والتنظيمات الإسرائيلة. وبقيت الفاشية ونزعتها الإرهابية والعنصرية هي التي تحدد خطوط الساسة الاسرائيليين ضد العرب وضد كل من يؤيدهم. ولم يعد اليهود يتعرضون لإرهاب الفاشية الاسرائيلية فقد تعلموا الابتعاد عن تأييد حقوق الفلسطينيين والاكتفاء بتأييد سياسات حكامهم ...فيما عدا القلة التي تتمثل في اليسار الاسرائيلي وحده.
اما الهدف الذي من اجله كتبت ونشرت رسالة أينشتاين فإن شيئاً منه لم يتحقق. لم يتنبه حكام اميركا الى هذا التحذير. وأصبحوا هم الداعم الاول والرئيسي للفاشية الاسرائيلية ضد العرب وضد الفلسطينيين بشكل خاص. وبأسلحة اميركا وأموالها ارتكبت اسرائيل ما هو ابشع من دير ياسين داخل فلسطين وخارجها، بالأخص في لبنان. ترى ماذا كان يمكن لأينشتاين ان يقول عن حرب اسرائيل على غزة وعن حصار غزة الارهابي؟ ترى ماذا كان يمكن ان يرى أينشتاين ورفاقه في هجمة القوات الخاصة الاسرائيلية على سفينة تركية تحاول ايصال المساعدات الى غزة المحاصرة؟
لقد اتسعت وازدادت عمقاً وعنفاً فاشية اسرائيل بمساعدة ودعم اميركا لها من الألف الى الياء. وذهب نداء أينشتاين بالحذر من فاشية الدولة الاسرائيلية ادراج الرياح.
فهل يمكن لذاكرتنا ان تعود الى اي وقت لتجد ان الفاشية الاسرائيلية اختفت او تراجعت منذ زمن دير ياسين؟
كانت الفاشية في إسرائيل عام 1948 ممثلة في حزب، اما الآن في الايام الأخيرة من عام 2010 فإن الفاشية امتدت لتشمل الدولة الاسرائيلية في تبديات سياساتها الداخلية والخارجية، المدنية والعسكرية. فاشية اسرائيل تتبدى بكل وضوح في سياساتها ضد عرب 1948 كيف تعاملهم وكيف تحدد اهدافها الإقصائية ضدهم. وهي تتبدى ايضاً في سياسات اسرائيل ضد فلسطينيي المهجر الذين تريد ان تلغي بجرة قلم كل حقوقهم الانسانية والوطنية. وتتبدى كذلك في طريقة تعاملها مع فلسطينيي دولة فلسطين القادمة. انها تختار بنفسها من تتركه طليقاً ومن تقرر إلقاءه في السجن من دون اتهامات ومن دون محاكمات. بل تبدو فاشية اسرائيل في اشد حالات حدتها وتطرفها في طريقة تعاملها مع السلطة الفلسطينية التي نزعت عن نفسها سلاح المقاومة ارضاء لشروط اسرائيل من دون ان تحصل حتى الآن على اي مقابل. ان السلطة الفلسطينية تنفذ لاسرائيل مطالبها ـ اعتقلوا هذه القائمة، امتنعوا عن التدريب على هذا السلاح، اقبلوا بوجود المستوطنين على ارض الدولة التي تتفاوضون عليها ...وغير ذلك كثير.
وتاريخ الفاشية الاسرائيلية واضح بالمثل في العلاقات مع العالم الخارجي. وليس بعيدا كثيرا عن الذاكرة طبيعة العلاقات التي اقامتها اسرائيل الفاشية مع نظام حكم العنصرية البيضاء في جنوب افريقيا ابتداء من التعاون العسكري في تدريب البيض على برامج القمع البوليسي ضد الوطنيين الافارقة، الى آفاق التعاون في إنتاج وتجريب الاسلحة النووية. ولا يختلف عن ذلك كثيرا ما طبع العلاقات بين اسرائيل ونظام الشاه القمعي في ايران، وما يطبع الآن مواقف اسرائيل العدوانية ضد ايران الثورة الاسلامية.
ان فاشية اسرائيل تتبدى حتى في مناهجها للتعامل مع الدولة التي سبقت الى اقامة سلام معها. اليس استمرار اسرائيل في التجسس على مصر استمرارا للمناهج الفاشية في العلاقات مع العالم الخارجي؟
ما الذي يجعل من دولة اقامتها اصلا مشاعر الضحية لسياسات الفاشية والنازية، تتحول بمجرد ان بدأت سعيها لتكوين دولة لليهود الى دولة فاشية من رأسها الى اخمص قدميها؟
ليس ثمة من إجابة على هذا السؤال الا من طبيعة الفكر العنصري الذي هيمن على الصهيونية من بداياتها، حتى قبل ان تعرف البشرية نوعية ما يسمى بالاحزاب النازية والفاشية في عالم عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين.
العنصرية هي مرض اسرائيل المزمن الذي يتفاقم مع مضي السنين. والعنصرية هي المرض الذي لا يمكن مواجهته بأساليب سلمية ومهادنة. انها في ظل هذه الاساليب تزداد غلوا وبشاعة. وشعار «اسرائيل فوق الجميع» ليس معلنا صراحة ولكنه في الممارسة بكل الجدية ولأقصى مدى.
ابداً لم تكن اسرائيل غير فاشية في اي وقت ..لأنها ابدا لم تكن غير عنصرية

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات