بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
حوار مع المفكّر اللبنانيّ حسن عجمي حول الثورة التُّونُسيّة: لكل ثورة ف
  01/02/2011

حوار مع المفكّر اللبنانيّ حسن عجمي حول الثورة التُّونُسيّة: لكل ثورة فلسفة تخلقها لكن يبدو أن الثورة التونسية قلبت المعادلة!
محمّد خريّف


معظم الثورات في العالم العربي المعاصر أعادت صياغة التخلف القائم. فمثلاً ثرنا على الاستعمار لكننا استبدلنا الاستعمار بأنظمة ديكتاتورية وثرنا على هذا الطاغية لكننا استبدلناه بطاغية آخر، هذا لأن الثورات الحقيقية ثورات على المعتقدات السائدة ، ونحن لا نجيد الثورة على ما نعتقد لأننا نرفض التفكير العلمي والموضوعي الذي يستلزم الثورة الدائمة على ما نعتقده.
كل هذا لا ينقص من قيمة الثورة التونسية الحالية لأن أولاً الثورة أفضل من اللا ثورة وثانياً برهن الشعب التونسي من خلال ثورته على أنه حي أكثر من الشعوب العربية الأخرى. لكن لن تكتمل هذه الثورة سوى من خلال ثورات عدة على المستويات المختلفة العقائدية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية طبعاً، ولا يتم هذا التحوّل المطلوب سوى من خلال تطبيق الديموقراطية المتمثلة باحترام حقوق الانسان. كما لن تكتمل الثورة التونسية سوى بتحولها الى ثورة للشعوب العربية كافة لأنه من غير الممكن عزل تونس عن عالمها العربي. الطريق طويل نحو تحقيق انسانية الانسان العربي وديموقراطية مجتمعه ودولته لكن ليس من المستحيل عبور هذا الطريق ، وهذا ما أثبته الشعب التونسي الشجاع فقدّم أعظم نموذج للمجتمعات العربية.
هذا ما يقوله المفكر اللبناني حسن عجمي الذي يقيم في امريكا. وهنا حوار معه:

هل تعني أنّ ثوراتٍ وقعت فعلا ً في العالم العربي المعاصر قبل الثّورة التّونسيّة بمفهوم اِنْتقالها الدّستوري البرلمانيّ الغربيّ ؟
حدثت ثورات مختلفة في العالم العربي المعاصر كثورة مصر والعراق ضد الحكم الملكي، وكل هذه الثورات كانت تنادي وإن ظاهرياً بالانتقال إلى نظام ديموقراطي يكفل الحقوق الإنسانية ويحافظ عليها. من مشاكلنا الأساسية في العالم العربي اليوم مشكلة اعتماد مصطلحات ونظريات غربية لا تصدق في وصف وتفسير ما يحدث لدينا. فمثلاً، أخذنا مفاهيم المجتمع والديموقراطية والبرلمان والدستور بمدلولاتها الغربية واقتنعنا بتحققها في واقعنا بالذات رغم أن هذه المفاهيم غير متحققة بالفعل في عالمنا العربي. فلا توجد مجتمعات ولا دول ومؤسسات برلمانية وغيرها ولا توجد دساتير حقاً في واقعنا العربي الحالي وإلا لم تكن لتحكمنا الأنظمة الديكتاتورية، أي حقيقة أننا نعيش في ظل الأنظمة الديكتاتورية تشير بقوة إلى أننا خارج المجتمع والدولة وما تتضمن من دستور محتمل. فقط الشعب الذي يشكّل مجتمعاً يتمكن من بناء دولة وبرلمان وتبني دستور يحيا على ضوئه. ونحن لا نشكّل مجتمعات لأننا منقسمون إلى قبائل طائفية ومذهبية وعرقية متصارعة على الدوام. فمثلاً مع غياب الطاغية في العراق تفتت المجتمع العراقي بل ظهر على حقيقته وبات الصراع المذهبي هو الحاكم الحقيقي لمجرى الأحداث. ولم ننجح في صياغة مجتمع لأننا نرفض العلم وما يتضمن من تفكير منطقي وموضوعي؛ فالعلم أساس بناء المجتمع لأن لا يقينيات في العلم كونه عملية تصحيح مستمرة وبذلك من خلال قبولنا للعلم ومشاركتنا في إنتاجه نستطيع قبول الآخر، فبناء مجتمع بفضل تحررنا من يقينياتنا الكاذبة التي تستدعي دوماً رفض الآخر. ثمة فرق بين الشعب والمجتمع، فالشعب لا يملك بالضرورة هوية واحدة لكنه يحيا في ظل سلطة افتراضية أو واقعية بينما المجتمع هو المالك لهوية موحّدة. فمثلاً، يوجد شعب لبناني لكنه لا يوجد مجتمع لبناني لأن الناس في لبنان منقسمون إلى مذاهب وطوائف متناحرة. نحن شعوب لكننا لسنا مجتمعات ولذا تمزقنا دوماً الحروب الأهلية.
الرّجاء توضيح فكرة إعادة صياغة التخلف القائم. وهل يمكن أن نعتبر الثّورة التّونسيّة صياغة جديدة للتخلف؟
نحن اليوم سوبر متخلفون لأننا نرفض العلم والمنطق ونستخدم العلوم والتكنولوجيا من أجل التجهيل. يوجد فرق شاسع بين التخلف والسوبر تخلف. فبينما الشعب المتخلف هو الذي لا ينتج ما هو مفيد للعالم والبشرية، الشعب السوبر متخلف يطوّر التخلف من خلال استخدام العلم والتكنولوجيا من أجل نشر الجهل والتعصب. تكثر الأمثلة على سوبر تخلفنا منها أن كل قبيلة مذهبية أو طائفية لديها مدارسها وجامعاتها ووسائل إعلامها التي تهدف إلى محاربة القبائل المذهبية والطائفية الأخرى. هكذا نستعمل العلوم والتكنولوجيا كي نطوّر جهلنا. من هنا، من المتوقع أن تسود في مجتمعاتنا الافتراضية آليات إعادة صياغة التخلف القائم بل آليات تطوير التخلف. فمثلاً يتخرّج معظمنا من أفضل الجامعات لكننا نعود إلى عشائرنا المذهبية والطائفية لنقاتل بعضنا بعـضاً. وهذا ما يفسّر لماذا لم ننجح في تطوير بلداننا رغم زيادة نسبة التعلم وانتشار المدارس والجامعات وثورة المعلومات المتاحة لنا. فاستخدامنا الخاطىء لما نملك من موارد ومعارف أدى إلى مزيد من التخلف. والعلة في ذلك أننا نستخدم إمكانياتنا المعرفية والمادية من أجل إعلاء رايات الجهل والتخلف، ونقوم بذلك لأننا إن لم نفعل سنكون خارج قبائلنا ما يؤدي إلى حرماننا المادي والمعنوي. أصبحت إعادة صياغة التخلف بل أصبح تطوير التخلف هو الآلية الحاكمة لنا لأن التخلف أمسى هو القيمة الأعلى. أما الحكم على الثورة التونسية فما زال مبكراً، لكننا نستطيع القول إنه إذا أدت هذه الثورة إلى ديموقراطية حقيقية حينها فقط هي ليست إعادة لصياغة التخلف وإلا فهي كذلك. هذا يعتمد على ما سيفعل التونسيون وما يمكن فعله، ولا توجد مستحيلات هنا أي من الممكن أن تكون تونس بوابة الحرية للعرب جميعاً.
كيف يمكن تجسيد فكرة اسْتبدال الطّاغية الهارب بطاغيةٍ آخرَ في الحال التّونُسيّة؟ وهل يمكن لرئيسٍ منتخبٍ منتظرٍ على شاكلة الأنظمة الدّيمقراطيّة الغربيّة المجسّمة لمبدأ الفصل بين السّلطات الثّلاث أن يصير طاغيةً آخرَ وكيف؟
طبعاً، إذا تم انتخاب رئيس لتونس بطريقة ديموقراطية من قبل الشعب ووجدت الآليات الديموقراطية التي تمنع بقاءه في الحكم إلى مدة طويلة وضمنت تبادل السلطة وفصل السلطات وحقوق الانسان، حينها ستتحقق الديموقراطية التونسية ولن يحدث استبدال طاغية بآخر. ومن الممكن حدوث هذا التحوّل نحو الديموقراطية لكن هذا التحوّل يعتمد على إرادة الشعب التونسي. بكلام آخر، تحتاج تونس كما العالم العربي بأسره إلى ثورات عدة على المستويات كافة لكي نخرج من النظام الديكتاتوري لأن الديكتاتورية تحيا في عقولنا وفعلنا اليومي ما يجعل الخلاص منها صعباً ولكن ليس مستحيلاً. أنظمتنا الفكرية والعقائدية ديكتاتورية بطبيعتها لأنها لا تسمح بالشك فيها وترفض البحث المعرفي والعلمي المستمر. فنحن مقتنعون بيقينياتنا ما جعلنا نفتقر إلى طبقة العلماء والفلاسفة وما أدى إلى تعصبنا لما نعتقد واقتتالنا الداخلي الدائم. من جهة أخرى، من الممكن لرئيس منتخب من قبل الشعب أن يمسي طاغية آخر تماماً كما حدث في ألمانيا حين انتخبت هتلر ومن ثم تحوّل إلى ديكتاتور. فبمجرد أن يمتلك شخص أو حزب واحد كل الصلاحيات والسلطات تتحقق الديكتاتورية لا محالة، وإن جاء هذا الشخص أو الحزب إلى الحكم عن طريق الانتخاب. فالديموقراطية عملية أكبر بكثير من الانتخاب لأن من الممكن لشعب ما أن ينتخب طاغيته. فمثلاً، في لبنان انتخابات وفصل للسلطات لكن لا توجد ديموقراطية بل النظام اللبناني ديكتاتوري في طائفيته، لأنه يقسّم السلطات والمراكز على الطوائف والمذاهب ما أنتج مجموعة طغاة تحكم الطوائف والمذاهب اللبنانية. المجتمع اللبناني الافتراضي طائفي بل سوبر طائفي ولذا بنى نظاماً طائفياً وتحوّل إلى ديكتاتورية الطوائف. فقط المجتمع الديموقراطي ينتج نظاماً ديموقراطياً. نحتاج إلى ثورات عديدة لنصبح مجتمعاً ديموقراطياً بل لنصبح مجتمعاً أصلاً.
ما المقصود بالثّورة الدّائمة على ما نعتقده؟ وهل يمكن أن يتحقق لثورةٍ يمكن أن يقطف ثمارها من يرفض التّفكير العلميّ بل يرفض الثورة على ما نعتقد من دُعاة الإيديولوجيا؟ وهل نكون مغالين إذا ما طالبنا في الوقت الحاضر بثورةٍ على ما نعتقد فنكون طوبائيين؟
لا نطالب بكثير إذا طالبنا بثورة على معتقداتنا اليقينية والتقليدية لأننا فقط من خلال هذه الثورة المعرفية سنتمكن من بناء مجتمع فدولة وديموقراطية. النظام الديموقراطي يحيا أولاً في العقل ومن ثم يتحقق في الواقع لأن العقل هو الذي يحدد التصرف البشري. فإذا كانت معتقداتنا لا تسمح لنا بالتفكير بما هو جديد واستبدال ما نعتقده بما يدلنا عليه الدليل العلمي والعقلي السليم، حينها تكون معتقداتنا ديكتاتورية ترفض المعتقد المختلف ما يحتم نشوء النظام الديكتاتوري. أما إذا تحررنا من يقينياتنا وقبلنا التفكير العلمي فسنقبل الآخر منا وتمسي معتقداتنا ديموقراطية ما يسمح في المجال أمام نمو النظام الديموقراطي. والثورة على ما نعتقد هي أساس الفكر العلمي لأن العلم عملية تصحيح مستمرة لما نعتقد بحيث يتم استبدال النظريات العلمية بنظريات علمية أخرى، ويحدث التفكير الدائم بفرضيات علمية جديدة ومختلفة عن النظريات التقليدية. هكذا الثورة على ما نعتقد تتضمن قبول العلم والمشاركة في إنتاجه كما تتضمن تحويل معتقداتنا من يقينيات إلى مجرد أفكار ممكنة تقبل الشك والاستبدال ما يضمن تحررنا من سلطتها. طريق الحرية يبدأ من تحررنا من أنفسنا. من هنا، رغبتنا في الثورة المعرفية والعقائدية رغبة في الثورة الحقيقية، ففلسفة الأمة تحدد هويتها ونظامها. لا مفر من هذه الثورة على ما نعتقد وإلا كانت ثورتنا كاذبة. أما إذا تم قطف ثمار الثورة من قبل رافضي العلم والتفكير السليم حينها ستتحوّل الثورة إلى ديكتاتورية جديدة، لأن العلم أساس النظام الديموقراطي ومن دونه لا ديموقراطية. فالعلم يستلزم الحرية وعدم رفض الأفكار مسبقاً ما يضمن قبول الآخر وحقوقه فتتحقق الديموقراطية حينئذ. هكذا التفكير العلمي هو الأرض الصلبة لنشوء الديموقراطية ما يشرّع لمطالبتنا بثورة معرفية.
ألا ترى معي أن ركوب الحدث من قبل وسائل الإعلام وغيرها من التعبيرات الثقافية المغلوبة على أمرها أمر مضرٌّ بالثورة، وهي التي كانت قد ساعدت الطّاغية على الاستمرار في حكمه أكثر من نصف قرن باعتبار أنّ النظام المنهار في تونس حاليا ما هو إلا امْتداد لنظامٍ سابقٍ ؟
معظم وسائل الاعلام في العالم العربي أداة في يد الطاغية ، فالوظيفة الأساسية لها كامنة في نشر التخلف ما يدعم بقاء الأنظمة الديكتاتورية. فمع زيادة التكنولوجيا المتمثلة هنا بتكنولوجيا الاعلام ونقصان العلم يزداد التخلف، وهذا ما حدث معنا نحن العرب. فالتكنولوجيا ومن ضمنها التكنولوجيا الاعلامية متاحة لدينا لكننا نعادي العلم ولذا زاد تخلفنا. وحل هذه الاشكالية قائم في قبول العلم والتكنولوجيا معاً فتغدو التكنولوجيا معبّرة عن العلم ما يساهم في نشر الوعي فالديموقراطية. على هذا الأساس، لوسائل الاعلام دور فعال ومهم في تشكيل المجتمعات فإما أن تؤدي إلى مزيد من الجهل والتخلف كما حصل معنا، أو أن تدفع التطور وتحقق مزيداً منه كما يحدث عادة في الغرب. وهذا طبعاً يعتمد على كيفية استخدامنا لوسائل الاعلام. في الوقت الحاضر ما زلنا نستعمل الوسائل الاعلامية من أجل الدفاع عن تخلفنا وتطويره لأننا ما زلنا سجناء يقينياتنا الكاذبة. من هنا من الممكن أن تتحوّل الوسائل الاعلامية الحالية إلى قاتلة للثورة التونسية ولأي ثورة محتملة. لذا لنصحح مسارنا ومسار وسائل إعلامنا لا بد من ثورة ثقافية متجسدة في الانقلاب على معتقداتنا التقليدية واستبدالها بالفكر العلمي المنطقي والموضوعي الذي يضمن قبول الآخر. فقط حين نقوم بالثورة المعرفية سننجح في الثورة الفعلية على الأنظمة الديكتاتورية لأن لا إنسان من دون معرفة ولا معرفة من دون ديموقراطية متمثلة في الحريات والحقوق كافة. معظم وسائل اعلامنا حالياً مضرة لأن نظام تفكيرها نظام ديكتاتوري رافض للآخر ومحتكر لليقينيات الخادعة.
تفاؤلك بالثورة التونُسيّة لأنها أحسن من اللا ّثورة في نظرك هل يعني أنّها ثورة المجهود الأدنى؟ وهل يمكن لتفاؤلك الحَذِر أن يشرّعَ لثوراتٍ عربية أخرى وان كان لتونس أن يوجد فيها ضربٌ من الثّورة على ما نعتقد ولو بالسّلب أي بالذهاب إلى رفض الاعتقاد السّائد ولو باللجوء إلى الانتحار في محيطٍ مهيأ للاحتجاج والنّقد في مُواجهة خطابٍ سُلطوي اِسْتسلاميّ ؟
المجهود الأدنى مجهود ضخم بالنسبة إلينا لأننا كنا وما نزال في سجون الماضي الميت. فعقلنا توقف منذ قرون ومن يجرؤ على التفكير يَنـَل ِ العقاب إما من خلال التهميش أو القتل الجسدي أو المعنوي. من هنا الثورة التونسية ثورة عظيمة وإن كان ذلك من منطلق أن الثورة أفضل من اللا ثورة. لقد تمكن الشعب التونسي من تحقيق ما لم ينجح في تحقيقه أي شعب عربي آخر منذ عقود عديدة، وفي هذا انجاز لا يستهان به. فبينما الشعوب العربية الأخرى مستسلمة إلى حد الرضى عن أنظمتها الديكتاتورية، تمكن أهل تونس من التعبير عن الرغبة الحقيقية للشعوب العربية ألا وهي رغبة التغيير واكتساب الحريات والحقوق الانسانية. من هنا تقدّم تونس مثالاً حياً لكي يحتذى من قبل الشعوب العربية والعالمية أيضاً. لكن يبدو أن الشعوب العربية الأخرى ستفشل في الثورة على طغاتها لأن الذي يحرّكها هو تعصبها الطائفي والمذهبي ضد بعضها بعـضاً وضد أبناء أوطانها بدلاً من أن تحركها إرادة اكتساب الحريات والحقوق. فبينما نرغب في التغيير وتحقيق الديموقراطية لا نملك إرادة أن نتغير ونغيّر لكوننا ما زلنا سجناء أنفسنا ومعتقدات أجدادنا. طريق تونس نحو الديموقراطية صعب وطويل لكنه ليس مستحيلاً، وهذا ما أثبته الشعب التونسي الشجاع.
هل يمكن أن نقول حسب ما جاء في كتابك 'السّوبر جدليّة'إنّ الثّورة ولدت مع نقيضها يوم 14 كانون الثاني (يناير )2011 في تونس؟ وهل يعتبر ما ذهبتَ إليه ضربًا من التّحديد الذي يتضارب مع فلسفة اللاّمُحدّد التي عالجتها بالدّرس في سُوبراتك وبالسّوبر حداثة على وجه الخصوص؟
لكل ثورة فلسفة تخلقها. لكن يظهر أن الثورة التونسية قلبت هذه المعادلة، فإذا اكتملت هذه الثورة من المتوقع أن تخلق فلسفة عربية جديدة. بالنسبة إلى السوبر جدلية، يولد الشيء ونقيضه ومركّبهما معاً في الوقت نفسه تماماً كما أن الجسد الحي يتشكّل من جسدين: جسد تدفع خلاياه وجيناته إلى الحياة وجسد تدفع خلاياه وجيناته إلى الموت رغم أنه جسد واحد. من هذا المنطلق، قد تغدو الثورة التونسية نقيضها أي من الممكن أن تصبح لا ثورة في حال جاء طاغية آخر أو مجموعة طغاة إلى الحكم. كل ظاهرة تملك نقيضها في داخلها ولذا كل ظاهرة غير محددة ما هي. من هنا السوبر جدلية تنسجم تماماً مع السوبر حداثة القائلة بأن اللا محدد يحكم العالم وظواهره كافة. وبما أن الكون غير محدّد، إذن من الطبيعي أن ينشأ الشيء ونقيضه في الوقت نفسه وأن يشكلا حقلاً واحداً وإلا كان من الممكن تحديد هذا الشيء أو ذاك. اللامحدد يحررنا لأنه يطالبنا بتحديده المستمر وبذلك يغدو وجوده معتمداً على مجهودنا نحن فيصبح نتيجة فعلنا بدلاً من أن نكون نحن نتيجة فعله. على هذا الأساس، الثورة التونسية غير محددة ولذا من الممكن أن تحررنا إذا تمكنا من تحديدها بشكل دائم على ضوء ما نريد. الشعب التونسي في النهاية سيقرر ما إذا كانت ثورته ستؤدي إلى الحرية والديموقراطية أم لا. وكلنا في انتظار قراره لأنه إذا نجح سوف ننجح جميعاً معه.
ناقد من تونس


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات