بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
عمر أميرالاي... المخرج الذي لم يُسدل الغطاء على عدسة كاميراته...
  08/02/2011

عمر أميرالاي... المخرج الذي لم يُسدل الغطاء على عدسة كاميراته...
عمر أميرالاي , توليفة من هزيمة عام 1967 ( الوعاء ),
وثورة طلبة جامعة مونتير الفرنسية عام 1968 (المضمون)...

موقع الجولان/سيطان الولي

بعد عودته من فرنسا يقول:" أنني أتحرك في ريف سوريا لاستكشاف واقع قد يبدو قصيَّا عليّ فإني أبرهن في أفلامي ليس على مجرد صناعة سينمائية فحسب, وإنما تجربة وفرصة لي للبحث عن العلاقات بين الإنسان وواقعه".
في السبعينيات وفي تجاربه الثلاث الأولى في فيلم "محاولة" عن سد الفرات,وفيلم "مويلح" عن الحياة اليومية في قرية سورية, وفيلم" الدجاج" في قرية صدد . نرى أن هذه الأفلام تصبح مرجعا موثقا لعلاقة الإنسان بمحيطه . وتتحول إلى مجموعة أسئلة عن اضطراب العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان من جهة وبين الإنسان وظروفه من الجهة الأخرى. فهو يبحث من خلال هذه الأسئلة عن مشاهد توثيقية لا يكتبها احد, إنما تسقط الأجوبة عليك من خلال عدسته التي لم يسدل الغطاء عنها إلا تجنباً لغبار العراك السياسي بين المواطن الذي يمثله عمر أميرالاي في توثيقاته , وبين السلطة التي تمثل أصحاب الجيوب المشبعة دائما بنهم الامتلاء .
عمر أميرالاي شخص عبثي وعَدَمي وساخر لا يأخذ الحقائق كمسلمات وكمنتهيات , لان للحقائق وجوه مختلفة , وللوقائع متغيرات , قد توافقها أحيانا , وتعاكسها تماما في غالب الأحيان . فان كان وقع هزيمة 1967 عليه أول صحوة أو صفعة يتلقاها الفرد بشبابه , فإن حوادث الطلبة من جامعة مونتير التي تلقى علومه فيها بمعهد السينما, كانت الوجه الآخر للهزيمة . فهزيمة 1967 كانت الوعاء ,وثورة الطلبة 1968 كانت المحتوى.فهذه على تلك , تمثل ذاته المتأثرة بمرارة بواقع الهزيمة , وذاته التي تؤمن أن الإنسان ليس مهزوماً بطبيعته إنما, تحاول العوامل الخارجية أن تفرض عليه ما هو خارج عن إرادته . ولأن الإرادات متنوعة في البشر بقدر تنوع البشر أنفسهم , فان نزاع الإرادات يتجسد عنده في القضايا التي تبقى مفتوحة على كل الواجهات , وعلى الإنسان أن يختار موقعه في تلك المعادلة, فإما أن يكون مع إرادة الحرية الواسعة , أو يكون مع جشع المصالح الضيقة.
صدد ,قرية عمرها فوق الأربعة آلاف وثلاثمائة سنة, ضيعة تقليدية عريقة تعنى بتربية الدواجن، تُربى في ذات البيت , ويعيش أصحاب البيت معها, بين الدجاج, وينام بين الدجاج, ولا يخاطب أحدا إلا الدجاج . فكان هذا الشكل من الحياة يصوّر الحالة الهستيرية التي هو عليها الإنسان , حالة تمثل تلك التبادلية بين الإنسان والحيوان . فكأن الإنسان يتحول إلى بدائيته , ويتحول, الحيوان إلى حالة مؤنسنة , أو يقف النوعين في أفضل الأحوال في حالة وسطية . فالحيوان يعيش على سجيته الطبيعية , لأنه يفتقر للعقل والتفكير , والإنسان الذي يتمتع بما يفقده الحيوان من عقل وإدراك , يعيش في حالة صراع ذاتي تحت شلال الدماء المسفوكة على مجرى الطمع والجشع . فيما يقتنى البعض عدة دجاجات ليعتاش عليها هربا من ذاته , يشفق عليها أحيانناً , فلا يذبحها . لا يتردد غيره من سفك آلاف الرقاب ليحصل على دجاجة على مائدته العامرة.
فيلم الدجاج , جنس من الأفلام التي تتحدث عن البشر بلغة الحيوان، هو تعبير عن القهر.. عن قهر المثقف وربما أحيانا عن عجزه على تحفيز الناس على النطق. فالإنسان لم يعد ضحية قوانين جائرة في المجتمع أو صراع طبقات أو إلى آخره فحسب، بل أن الإنسان العادي أو الإنسان البسيط يكون ضحية نفسه أيضا.
هذه هي الهستيرية التي يمثلها أميرالاي في أفلامه التوثيقية. فهو ليس إنسانا سياسيا في حزب , وان كانت لغته سياسية بامتياز . وهو ليس أيديولوجياً طمعا بمكانة , وان لم تخلو سيناريوهاته من الانحياز الأيديولوجي الصرف.فيستخدم الأفلام التسجيلية كوسيلة لبث أيديولوجيته . يبني من خلالها علاقة جديدة مع الواقع , وفي كل فيلم, عنده , ثمة مغامرة جديدة لاكتشاف الحياة واكتشاف الناس , يبين فيه عن علاقات مستجدة في خفايا الارتباطات الاجتماعية . فيضيء الزوايا المعتمة . حيث الحقيقة تتجلى هناك بصورتها الضبابية . صورتها التي تحتجب خلف غبار الاعتراك اليومي للحياة .
في الزوايا , وفي الزوايا فقط تلتم وتتجمع بقايا الأشياء الرمزية التي تدل على الصورة الكاملة للواقع.
في الثمانينيات لم ينقطع عمر أميرالاي عن السينما فقد عمل على مجموعة من الأفلام خارج سوريا مثل فيلم " مصائب قوم" إبان الحرب الأهلية اللبنانية وفيلم "الحب الموءود" في مصر و"العدو الحميم" عن المهاجرين العرب في فرنسا، كانت جميعها من إنتاج التليفزيون الفرنسي، من خلال هذه النقلة خرج عمر من موضوعاته حول الواقع السوري المحلي إلى البحث في واقع ووعي الإنسان العربي في دائرة أوسع وأكثر تعقيدا.
يقول عمر أميرالاي:" أفلامي تشتغل على تطوير المفاهيم والطباع عند الإنسان العربي فعندما يبدأ الإنسان العربي بطرح الأسئلة على نفسه, وبالتالي يبدأ يكتشف واقعه وبؤس واقعه , ويقرر إنه لا بد من تغيره , تكون هذه نقطة البداية للتغيير الحقيقي ,ولذلك أنا عملت دائما على ها المساحة من الوعي عند الفرد العربي".
وفي فترة التسعينيات انتقل عمر أميرالاي إلى العمل على مجموعة كبيرة من البورتيرهات والتي كانت مدخلا لرؤية عمر النقدية وتساؤلاته حول المجتمع والحراك السياسي والتاريخي في المنطقة من خلال تصوير الأفراد وحياتهم ومن أهم هذه الأفلام،" في يوم من أيام العنف العادي" عن صديقه ميشيل سورا وفيلم" هنالك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدث فيها المرء عن صديقه سعد الله ونوس" , وفيلم " ابن العم" عن المعارض السوري رياض ترك الذي أمضى 17 عاماً في زنازين القمع السياسي.
عاد عمر أميرالاي إلى منطقة الفرات، مكان الجريمة الفنية الأولى كما يراها، حيث كان فيلمه الأول " محاولة "عن سد الفرات عام 1970 . ليغلق الدائرة من خلال فيلمه الأخير الطوفان الذي أنتجه عام 2003.
يقول عمر أميرالاي:" بعد 33 سنة مضت على الفيلم الأول, ولما صارت اللحظة المناسبة, قررت أن أعمل فيلم عن سوريا وحتى أستطيع أن أحقق هذا المدخل للنقد الذاتي, كان لابد لي إن أتناول أول عمل لي صادف إنه كان عن سد الفرات وبوادي الفرات بالذات، ولما قمت باستطلاع عن بحيرة الأسد التي تشكلت وراء سد الفرات. كانت مفاجأة لي هزتني من الداخل, لما اكتشفت إن هذه البحيرة التي كانت بقعة صغيرة لا بأس فيها, صارت بحراً بكل معنى الكلمة. بلقائي مع أهالي المنطقة علمت أن ذاك الحماس الأعمى الذي اندفع وراء بناء السد, كان قد تسبب بمآسٍ حضارية كبيرة للمنطقة . وعلمت أن ثمة عشيرة اسمها الماشي تقطن في المنطقة , وزعيمها اسمه الماشي , وبئر الماء فيها اسمه الماشي . فتماماً , هذه الحالة الشمولية التي تشبه حالة البلد ككل، فكان هذا عبارة عن استعارة أو مجاز للقول إنه الطوفان كان شموليا ليس بالماء فقط وإنما أيضاً بهذه الأيديولوجيات اللي أغرقت البلد بعقلية شمولية .لهذا بالتحديد اشتغلت على الوعي واشتغلت على العقل".
"السينما بالنسبة لي هي ساقية صغيرة أنا اخترتها حتى تصل بي إلى النهر الفسيح والواسع الذي اسمه الحياة, مثل الفرات" هذا ما كان يقوله دائماً.
ولد أميرالاي في دمشق عام 1944 من أصول شركسية وتركية وعربية. ولم يمت في الخامس من الشهر الجاري – شباط – قبل أن يوقع على إعلانٍ , يؤيد فيه الاحتجاجات المناهضة للحكومة في مصر.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات