بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
مصر جديدة: خفايا العاصمة الخلفيّة لحسني مبارك
  19/02/2011

مصر جديدة: خفايا العاصمة الخلفيّة لحسني مبارك


لماذا اختار حسني مبارك شرم الشيخ منفى له؟ السؤال له إجابة واضحة وعميقة في تاريخ حكم مبارك، الذي بنى المدينة كأنها عاصمة خلفيّة لمصر، لكنها خارجة عن إطار القوانين المصريّة. إنها محميّة للثروات التي تكدّست تحت أجنحة النظام
وائل عبد الفتاح
I
هرب إلى عاصمته الخلفية. هذا ما فعله مبارك حين اختار منفاه داخل مصر وخارجها في الوقت نفسه. إنها شرم الشيخ، مدينة لم يفكر سكانها القليلون يوماً في أنها ستتحول إلى دولة خلفية، منتجع الرئاسة، ومدينة اقتطعها مبارك من الخريطة المصرية وبنى حولها أسواراً أمنية عالية. مدينة مصنوعة كاملاً، محروسة بقوات أمن جبارة، لا يفهم معظم أفرادها لماذا يحمون هنا الحرية ويقتلونها في القاهرة؟
هرب البطريرك العجوز من القاهرة، بعدما فقد قدرته على التحكم. دخل دائرة عدم السيطرة والقيادة عن بعد، بدا مبارك شارداً معظم أوقات الأزمة، يرد على الهواتف من الخارج بإجابة مطمئنة: كل شيء تحت السيطرة.
لم يكن مبارك يسمع مساعديه في الأيام الأخيرة، وبالتأكيد لم ينصت إلى هدير الملايين في تظاهرات كشفت عن «مجتمع مصري آخر» غير الذي تحوّل في عصر مبارك الى كائنات عدوانية تكاد تنفجر بالاحتكاك.
لم يسمع مبارك أصوات الثورة، ولم يرَ وجوهاً اكتشفت نفسها يوم ثارت عليه وانتصرت يوم هزمته هو ونظامه. لم يعد يصغي إلا إلى أصوات داخله، تعيد عليه روايات وحكايات من محطات قديمة في التاريخ. فوجئ مساعده المقرب بأنه لا ينظر إليه، ولا الى الملفات التي يحملها. يلتفت نحوه ليروي له حكايات عن انتصار السادات على خصومه من موظفي عبد الناصر (سمّتهم الصحافة مراكز القوى، وسمّت انتصار السادات: ثورة تصحيح). حكى أيضاً عن هزيمة حزيران 1967، وهي لحظة اكتشاف قدرات مبارك، حين أخفى سرباً كاملاً من طائرات الدفاع الجوي في السودان لكي لا تضربه إسرائيل.
الإخفاء، سر قوته العسكرية. يطير تحت الرادار، هذه موهبته، أكمل بها 30 سنة. تمساح يخفي دولته تحت الماء، كما أخفى دولته على بعد أكثر من 500 كيلومتر عن العاصمة الحقيقية: القاهرة.
II
الدائرة المرسومة في ملعب نادي هليوبوليس (ضاحية مصر الجديدة) كادت تبتلع مبارك مثل متاهة. خطا خارج سيارته الزرقاء، ليُحشر على سلم مروحية عسكرية. مبارك أدرك بطريقة ما أن هذه الدائرة آخر ما سيراه في القاهرة، وأن عليه أن يحمل حقائبه وعائلته الى حيث دولته الخفية.
قصر مبارك على أطراف منتجع الجولي فيل، أوّل موقع انطلقت منه حركة بناء مدينة مساحتها 24 كيلومتراً مربعاً، لكنها تصلح لأن تتحول الى دولة خلفية، يجدد فيها مبارك العجوز خلاياه، ويشعر معها بأنه حاكم جمهورية خيالية، كل سكانها يلمعون، لا طلبات لهم إلا المتعة، يتداولون نميمة من نوع فاخر مثل أنواع الأطعمة التي تصل ساخنة على الطائرات من باريس وسويسرا ولندن.
في الخطاب الأخير شُغل بربطة العنق ودقّة صبغة الشعر، فقد قرر التمساح أن يواجه شعبه في جولة لم يعرف أنها ستكون الأخيرة، حتى وجد نفسه في شرم الشيخ. وشرم الشيخ هي تجسيد لدولة مبارك الخلفية. هناك بدا سحر مبارك وموهبته ليس في تهريب سرب طيران، بل في تهريب دولة كاملة، قامت وعاشت تحت رعايته في شرم الشيخ. دولة هرب إليها بينما كانت أسواره تسقط عن القاهرة.
العاصمة الثقيلة بجيوش بيروقراطية وتركيبة سكانية وجغرافيا، لم يقترب منها مبارك طوال 30 سنة إلا بالحصار وإطلاق جيوش موظفيه لامتصاص الشعب. القاهرة ثقيلة، لمن يفهم أطلال مدينة، لكنها تحت احتلال بلا خيال ولا ذوق.
III
حسين سالم، أول هارب بعد جمعة الغضب. التقط في الهواء رائحة أخرى غير التي تعوّدها طيلة 30 سنة، فحمل عائلته وحقائب قيل إن فيها ملياراً ونصف مليار دولار. وسافر بطائرته الخاصة الى دبي، وفي رواية أخرى إلى كندا.
هو أقدم محمية سياسية وأكثر الشخصيات غموضاً في سنوات حكم مبارك. لم يكن من الممكن أن يذكر اسمه مباشرةً، إلا يشار إليه بصديق الرئيس أو الرجل الغامض. تربّى في مؤسسات تجمع السلطة والانضباط والسرية. تكوّنت محميته في الخفاء «بعيداً عن الأضواء» إلى حد كبير. لعب في البزنس على استحياء، لأن الجمع بين السلطة والبزنس كان ضد القانون وضد أعراف الدولة الشفافة، لكن مع وصول مبارك إلى الحكم تفكّكت الحواجز بالتدريج بين السلطة والبزنس. بدأت برجل في الظل يعمل باسم الرئيس في السلطة. وهذه كانت لحظة ولادة المحميات السياسية. النظام يريد أن يقول للعالم إنه ودع الاشتراكية بغير رجعة، وإنه يفتح الأبواب أمام القطاع الخاص. وفي الوقت نفسه لا يريد أن تنفلت الثروة بعيداً عن سيطرته. وتقرر أن تجري التقسيمة على «أهل ثقة» من اختيار النظام. هؤلاء كانوا الجيل الأول من الديناصورات الذين كبروا وسمنوا في رعاية «الدولة» وتحت جناحها. لم يكوّنوا طبقة رأسمالية وطنية تنمو وينمو بها اقتصاد الدولة، لكنهم ظلّوا في حدود مزرعة الديناصورات التي تديرها الدولة بالكامل. من هذه التصورات، وبالعمل في الظل، ولدت محمية حسين سالم المعروف عنه القليل جداً: زميل مبارك في سلاح الطيران فقط. والمحكي عنه أطنان: هو أول مدير لأموال مبارك في السر. وهذا أحد أسرار نفوذ حسين سالم، الذي يعدّ قائد بناة شرم الشيخ. بناها بناءً حقيقياً وبشعور المحتكر الأول حتى اتسعت وفكت الدولة وظلها في البزنس قبضتها قليلاً لتسمح بدخول آخرين. واضطر حسين سالم إلى قبول مشاركة الآخرين «دولته» التي بناها بثقة الجهات العليا. الثقة الممنوحة لحسين سالم تجعله يعمل في الملفات السرية لدولة مبارك.
IV
«ألا تعرفه؟»، كان الراوي مندهشاً من عدم معرفة اسم الرجل الذي استطاع أن يبني فندقه في حرم البحر مباشرةً. الفندق شكله مثير في حضن هضبة نبق على أطراف شرم الشيخ. يكاد يكون في قلب الماء مبنياً على بعد 100 متر تقريباً أو أقل، والمفروض أن الحرم القانوني للبحر 300 متر تقريباً.
الراوي أكمل الحديث عن عالم الأساطير الخرافية لصاحب الفندق: «إنه صاحب معجزات لا أحد يقدر على الاقتراب منه. أو من محميته، إنه رجل جمال مبارك وصديقه المقرب. لا شيء يقف أمامه هنا. عندما قرر أن يبني فندقه في حضن البحر لم ينتظر أن تحرّر له مخالفة، وحصل على ترخيص بالبناء. رخصة تجعله فوق القانون. وعندما حاول المحافظ أن يعترض كانت الرخصة في مواجهته. إنه مخالف برخصة. لا يخضع للقانون العادي بل لقانون المحميات الذي يقر بأن الشخص أقوى من الدولة ما دام تحت الحماية».
في إحدى المرات زرع صاحب الفندق ألغاماً في أرض جار مشاغب لم يقبل البيع وتمسّك بحقه. الألغام قتلت أحد عمال المشاغب. العامل لم تبقَ من جسده إلا أصابع تشير الى جثته والسيارة التي كانت تحمله لا تزال مزروعة في الأرض التي كتب عليها من يومها: احذر منطقة ألغام. والاقتراب من المحميات السياسية كان يشبه لمس الديناميت.
أين سيذهب هؤلاء بعد سقوط التمساح في متاهة لا عودة منها؟

العلاقة مع حسين سالم

يقيم مبارك في فندق حسين سالم. لكنها دولتهما الخلفية، وقانونها خارج القوانين السارية في مصر. دولة بدأت بعلاقة لا يعرف سرها إلا مبارك وحسين سالم. العلاقة أساسها الثقة في حسين سالم. بدأت حكاية الثقة بما رواه الصحافي الأميركي، بوب ود وورد، في كتابه «الحجاب». الحكاية عن شركة اسمها «الأجنحة البيضاء»، مسجلة في فرنسا في أوائل الثمانينيات، مهمتها نقل الأسلحة، تضم أربعة مؤسسين هم: منير ثابت (شقيق سوزان مبارك) وحسين سالم وعبد الحليم أبو غزالة (وزير الدفاع المصري آنذاك)، ومحمد حسني مبارك (نائب رئيس الجمهورية وقت تأسيسها). الشركة تعرضت لاتهامات قضائية في أميركا (1981تقريباً) لمخالفتها بعض القوانين التجارية هناك، لكن حسين سالم أبعد مبارك لحساسية موقعه السياسي، وبعدها بدأ اسم حسين سالم يتردّد في نشاطات اقتصادية ذات طبيعة حسّاسة.
نشاطات حسين سالم أقرب إلى التكليفات الغامضة: شراكة مع إسرائيل في شركة بترول، تصدير الغاز لإسرائيل، وإنشاء قاعة مؤتمرات في شرم الشيخ.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات