بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
الديموقراطية الغربية وثورات العرب
  29/04/2011

الديموقراطية الغربية وثورات العرب


سمير كرم


يميل المفكرون الغربيون ـ بمن فيهم اولئك الذين على أيديهم تعلم الزعماء والساسة في بلاد الغرب الحالية ـ الى الاعتقاد بأن الديموقراطية تراث غربي منذ بداياتها الاولى. فهم يرجعونها الى الديموقراطية كما فهمها اليونانيون القدامى وكما فهمها ايضا الرومان القدامى.
ولهذا فإن المفكرين الغربيين يميلون، كلما كان الحديث عن ثورة من اجل الديموقراطية، الى الاعتقاد بأنها محاولة لمحاكاة الغرب واستعارة تراثه وتقاليده السياسية القديمة والحديثة.
هذا ما اعتقده المفكرون الغربيون ـ في معظمهم ـ عن الثورة في اوروبا الشرقية التي فككت الاتحاد السوفياتي وأطاحت نظم الحكم القائمة آنذاك في اواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن الماضي. وهذا ما يعتقده المفكرون الغربيون في الوقت الحاضر ازاء ثورات العرب الراهنة. ان هذه وتلك لا تعدو ان تكون محاولة لتقليد تقاليد برع الغرب في تطبيقها سياسيا واجتماعيا وثقافيا.
هؤلاء المفكرون المعاصرون ـ ونعني بهم اساتذة الجامعات والكتاب والمحللين السياسيين، وخاصة منهم من يدخلون ويخرجون بين حين وآخر من الابواب المفضية الى مناصب سياسية او دبلوماسية في دولهم ـ اعتادوا على قياس مدى نجاح الثورات الداعية الى الحرية والى المساواة بمقاييسهم الخاصة بمجتمعاتهم. وربما يصدق هذا بشكل خاص على الاميركيين منهم اكثر مما يصدق على الفرنسيين والبريطانيين والالمان، على الرغم من انتماء اولئك وهؤلاء الى التاريخ الغربي نفسه والفكر الغربي نفسه.
ونعتقد انهم في هذا يقعون في خطأين: اولهما نسيانهم ان الفلسفة والفكر اليونانيين والرومانيين هما تراث إنساني أعم من ان ينسبا الى المجتمع الواقع جغرافيا في غرب العالم. لقد ورثت البشرية بأسرها فكر اليونان وفلسفتهم، وبالمثل فكر الرومان وفلسفتهم، وعليهما بنت البشرية كل تقدمها اللاحق. يشمل هذا الفكر المسيحي وما انتجه في مجتمعات اوروبا، كما يشمل الفكر الإسلامي وما انتجه في مجتمعات امتدت من اقصى المغرب الاقصى الى مصر والشام والعراق وإيران والعالم الاسلامي داخل قلب آسيا وشرقها. وهذا خطأ تاريخي لا يزال الفكر الغربي ـ في معظم تجلياته ـ يقع فيه ناسيا الامتزاج الذي يتسم به الفكر الانساني وتطبيقاته. حتى ان الفكر الاسلامي او الفكر المسيحي لم يعودا خالصين في انتمائهما للاسلام او المسيحية.
اما الخطأ الثاني الذي يقع فيه المفكرون الغربيون وهم بصدد التفكير في الثورات العربية الراهنة او الكتابة عنها او تكوين السياسات بشأنها فهو خطأ في الممارسة وليس مجرد خطأ في النظرة الفكرية. نعني انهم ـ وبالأخص الاميركيين منهم ـ يخلطون بين اهداف سياساتهم وأهداف هذه الثورات. وعلى سبيل الإيضاح فإن السياسة الاميركية تضع امام اعينها اهداف اميركا السياسية حين تقدّر او تقيّم احدى هذه الثورات العربية او غيرها. كيف؟ لقد قرر العالم الغربي ـ ممثلا في حلف الاطلسي ان يقف بجانب ثورة ليبيا بقوته العسكرية، ممثلة في الاسلحة الجوية لعدد كبير من دول الحلف، وبعد ذلك ممثلة في القوات البرية. وأميركا نفسها قررت ان يكون لها إسهامها في الغارات الجوية على القوات الحكومية (القذافية) الليبية، في البداية بطائرات السلاح الجوي الاميركي القاذفة للقنابل وفيما بعد ممثلة في الطائرات حاملة الصواريخ التي لا يقودها طيارون. ولكن هذه الدول نفسها قررت ان يكون لها موقف مخالف تماما ازاء ثورة البحرين وازاء اية بوادر لثورة في السعودية. لقد قررت انه لا وجود لثورة في البحرين وان من حق السعودية ودول الخليج الأخرى ان تتدخل ضد هذه اللاثورة البحرينية وأن يكون لهذا التدخل الحق كل الحق في قمع اية تحركات ثورية في البحرين اليوم او في قطر غداً او الإمارات بعد غد.
لن يغفل احد ابداً عن حقيقة ان الدعم الاطلسي للثورة في ليبيا بكل الثقل العسكري اللازم يتناقض مع الدعم الاميركي (والاطلسي) للسلطة في البحرين والسعودية وإطلاق الحرية لهما لتنفيذ كل ما ترياه واجباً لمنع الثورة من ان تنمو فضلا عن ان تنتصر. ولن يغفل احد عن ان المبدأ الذي اتخذ به القرار الاميركي في حالة ليبيا هو نفسه المبدأ الذي اتخذ به القرار الاميركي في حالة البحرين والسعودية، مبدأ واحد وهو مبدأ المصلحة الاميركية ولا شيء غيره. النفط اولاً وهذا معناه السعودية، كما هي، وكما عرفتها اميركا دائما. والقاعدة العسكرية للاسطول الخامس الاميركي، وهذه معناها البحرين كما هي الآن وكما تريدها اميركا ان تكون دائماً.
وما ينطبق على ليبيا ينطبق على سوريا. اما حالة اليمن فلا تزال في مرحلة التردد الاميركي بين تأييد الثورة وتأييد النظام.
فماذا عن حالة الثورة في كل من تونس ومصر؟ القرار الاميركي المتأخر بتأييد الثورة املته رغبة اميركية خالصة في ان يأتي الوقت الملائم. وعندما يحين الوقت الملائم يحين معه تحديد رد الفعل الاميركي ازاء الثورة، فإما الضغط عليها بهدف تحريف اهدافها عن المسار الطبيعي، او الضغط لمجرد الإبقاء على ما كان ملائماً لأميركا في النظام القديم، او الضغط من اجل وقف الثورة عند حدود لا تمس بالمصالح الاميركية، استراتيجية واقتصادية وثقافية.
الاولوية الاميركية تريد ان تملي على مصر الثورة ان تبقى علاقاتها مع اسرائيل كما كانت في ظل نظام حسني مبارك. اما متى تكون اللحظة الملائمة لإملاء هذا الشرط الاميركي، فيبدو ان اميركا تفضل التأجيل، حتى تتضح هذه اللحظة ويتضح معها ان الضغط الاميركي يمكن ان يأتي بأفضل نتائجه. والأولوية التالية لأميركا في مصر هي ان تبقي الثورة على النظام الاقتصادي ـ الاجتماعي- ايضا- كما كان في عقود نظام مبارك: اقتصاد السوق الحرة مع بقاء الامتيازات للشركات الاميركية في المقدمة. ونعرف جميعا بالمثل ان ثورة مصر وضعت شعار العدالة الاجتماعية قبل كل شعاراتها الاخرى، لكننا نعرف ايضا ان هذا الشعار بالنسبة لأميركا لا يتناقض ابداً مع شعار مصالح الاستثمارات الاميركية، هكذا كان الحال دائما في كوبا وغواتيمالا والصين وإندونيسيا ونيجيريا وغانا... الى آخر القائمة. وفضلا عن هذا فإن ثورة مصر برهنت من بداياتها على انها قوية الى حد لا يمكن زحزحتها عن الطريق الذي وضعت عليه قدميها من البداية. وفضلا عن هذا ايضاً، فإن علاقة الثورة المصرية بجيش مصر برهنت على قوة لا يمكن فصمها، فما كان للولايات المتحدة ان تتدخل لمصلحة الاستثمارات الاميركية قبل ان يحين وقت هذه المعركة.
بعبارات اصرح لا بد ان نعي ان الولايات المتحدة لن تتردد في العمل ضد النظام المصري من اجل سياسة تعطي للعلاقات بين مصر وإسرائيل الأولوية على القضية الفلسطينية بل وكل القضايا العربية والعلاقات العربية. ومن المحتم ان يأتي الوقت الذي ستختبر فيه الولايات المتحدة قوة الثورة المصرية عند هذا المنعطف الخطر. تماما كما ان الولايات المتحدة لا تظهر الآن اي قدر من التردد في الوقوف ضد النظام في سوريا مؤيدة لثورتها من اجل ان تغير الثورة السورية الخط السياسي للنظام السوري الذي انتهج طوال سنواته سياسة دعم المقاومة ضد إسرائيل.
هل كان دعم المقاومة مبرراً في الماضي لسياسة دعم المقاومة ضد إسرائيل؟
إياً كانت الإجابة فإن الوقت الحاضر، الذي نستطيع ان نجمع على انه وقت الثورات العربية، يؤكد ان الثورة المصرية ـ على سبيل المثال ـ وهي ثورة ضد الاستبداد وضد الظلم الاجتماعي، قامت ايضا ضد مهادنة اسرائيل ومجاملتها، وما هو اكثر ضد الرضوخ لها وللضغوط الاميركية ...بالتالي لا يمكن الزعم بأن الثورة في سوريا انما ترمي الى تغيير سياسة النظام لإعادتها الى ما يشبه السياسات التي ادت الى الثورة في مصر (...) لكن هكذا تفكر اميركا. ذلك ان اميركا في واقع الامر، لا يعنيها في كثير او قليل ان تقف ضد الاستبداد، وإلا ما كان موقفها الراهن إزاء الثورة في البحرين وبوادر الثورة في السعودية.
لهذا يمكننا التأكيد بأن الموقف الاميركي ينتظر ليرى حدود الثورة في مصر اين تقف وحدود الثورة في السعودية اين يمكن ان تنطلق فلا يكون بالإمكان قمعها بقوة الاسطول الخامس في البحرين ولا بقوة التعتيم الاعلامي في الاجهزة الاميركية. ويساند الانتظار الاميركي اعتقاد المفكرين السياسيين الاميركيين بأن الغرب ليس فقط مصدر الفكر الديموقراطي في العالم بل إن الغرب سيستمر الى ابد الدهر في تحديد بنود جدول الاعمال السياسي للعالم كله. وهو اعتقاد لا يقل نزوعه الى الشطط بعيدا عن الحقائق الراهنة وعن الواقع عن الاعتقاد بأن الديموقراطية خلقت غربية وستبقى غربية الى الأبد.
من المؤكد ان الولايات المتحدة تريد نجاحاً لثورات عربية معينة وتريد الفشل لثورات عربية اخرى. لكن هل تدرك ان الخيار ليس لها فيما ينجح وفيما يفشل؟ هل تدرك ان دور اسرائيل في المنطقة ينتهي عند الحدود نفسها التي عندها تبدأ الثورات العربية؟ هل تدرك ان اي نوع من التدخل الاميركي مع هذه الثورة وضد تلك يؤدي دوراً عكسياً في الاثنتين ...الامر الذي لا يجعل للتدخل الاميركي دوراً في تقرير مصير اي من الثورات العربية الحالية او المستقبلة؟
ومن المؤكد بالمثل ان نيران الثورة العربية لا تنتظر ارادة اميركية من اي نوع ـ عسكري او اقتصادي او سياسي ـ لتحجم عن الدخول بألسنتها الحارقة والمضيئة الى هذا الميدان او ذاك في هذه المدينة العربية او تلك. الامر المؤكد ان الثورة العربية ستتسع لتشمل الوطن العربي من ادناه الى اقصاه. فالأسباب ذاتها التي فجرتها في تونس وفي مصر وفي اليمن وليبيا والبحرين وسوريا والعراق والسعودية (وإن بقيت غير مرئية ولا مسموعة إعلامياً) هي ذاتها الأسباب الداعية الى نشوبها في كافة بلدان العرب الاخرى. وعلى راس هذه الاسباب الدور الاميركي في صنع سياسات هذه البلدان لصالح اسرائيل اولاً وأميركا ثانياً.
يبقى سؤال لا مفر منه في الظروف الراهنة وفي ظروف المستقبل غير البعيد: أليست الولايات المتحدة نفسها في حاجة الى ثورة؟
ليس من الضروري ان تكون الثورة الاميركية القادمة من النوع نفسه الذي على اساسه قامت ثورات العرب. الثورة الاميركية القادمة ستكون اميركية بالدرجة الاولى، انما ليس على نمط الحكام. فالثورات لا تقوم في اي مكان على نمط الحكام الذين تسعى للتخلص منهم ...انما على نمط الشعوب وما تختاره لمستقبلها.
لقد اصاب الركود الولايات المتحدة طويلاً حتى كاد حكامها يتصورون ان هذا هو الاستقرار.
وما ابعد هذا عن الحقيقة. الحقيقة تحددها الشعوب حينما يأتي دورها لتؤكد انه لم يعد هناك بديل عن الثورة. ولقد طال الأوان بين نهاية ثورة اوروبا الشرقية وبداية ثورة اميركا الغربية. عندما سقط الاتحاد السوفياتي قال بعض المفكرين الثوريين الاميركيين إن الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي هما من طينة واحدة ولا بد أن يسقطا معاً. وقد بدت تلك مبالغة قوية في حينها. فهل لا تزال تبدو كذلك؟
قبل عشرين عاماً كانت الثورة العربية تبدو اقرب لحلم غير قابل للتحقق. والآن لا تعرف اميركا متى توقفها ومتى تدفعها.
وهي ترى بعينيها انها تدفع الثورة العربية حيث تريد ان توقفها وتوقفها حيث تريد ان تدفعها.
ربما عليها أن تهتم بشأنها الداخلي
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات