بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
الشَّرْقُ الجَدِيدُ
  25/05/2011

الشَّرْقُ الجَدِيدُ
موقع الجولان /د. خالد تركي – حيفا


هذا هو الرَّبيع المُزهِر والمُذهِل والمُفاجئ والمُبشِّر بغدٍ أفضل، لجيلٍ عاش النَّكبة، ولأربعة أجيال من بعدهِ، عاشت نكبتها من خلال مخيَّماتها في الشَّتات خارج الوطن الحبيب، تلك المخيَّمات التي أدْمَت أكفَّ الرِّجال والنِّساء والأطفال، بعد أن دَقُّوا فيها مسامير الجُلجُلة على جبل الزَّيتون، ووضعوا على رؤوسهم أكاليل الشَّوك الدَّامي ليسيروا حفاةً على طريق الآلام الوعرة وعراة تنهش أجسادهم العواصف، مصلوبين في العراء بين السَّماء والطَّارق، ليرقصَ الإسخريوطي يهوذا رقصة الموت على أعتاب المذبح المقدَّس.
انتظَروا هذه اللحظة مدَّةَ ثلاثةٍ وستِّينَ عامًا، بعد أن احترفوا "الحزن والانتظار" والحنين وسماع قصص أهلهم عن بيوتهم وأملاكهم في قراهم ومدنهم التي رُحِّلوا منها بعد احتلالها..
انتظر فرسان العودةِ بشوقٍ وحماسٍ ليعبروا الجسر، في ذكرى نكبة شعبهم العربيّ الفلسطينيّ ونكبة أمَّتهم العربيَّة المحاطة بمحيطات الخوف والإحباط واللامبالاة والعجز الشَّبابي والتَّبعيَّة، ليعبروا الحدود القسريَّة، فدخلوها، مهلِّلين ومبتهجين ومنشدين أناشيد العودة والمقاومة، من أوسع أبوابها الفردوسيَّة، وكأنَّهم يدخلون الجنَّة، وبصدورٍ عارية واجهوا رصاص ودبَّابات جنود الاحتلال وبأيدٍ ناصعة شريفة، رفعوا أعلام فلسطين عاليًا، خفَّاقة فوق هاماتهم المنتصبة وتقدَّموا نحو الوطن المُغتَصب بقلوب خفَّاقة مُفعمة بالحبِّ والفداءِ، وتخفقُ أعلامُهم وقلوبُهم راقصةً مع كلِّ نسمة ريح مرَّت فوق رؤوسهم، في حميميَّة واحدة ووحدة وحيدة ولحمة لا تشوبها شائبة في تناسق وتجانس تام..
عادوا ليصنعوا مشهدًا فريدًا وجديدًا، مُمَيَّزًا وبطوليًّا حين أزالوا الأسلاك الشَّائكة
الفاصلة والمقطِّعة أجزاء الوطن إلى أشلاء، وتحدُّوا الحدود والسُّدود وإرهاب المُحتلِّين بإيمانهم القويِّ بصدق قضيَّتهم العادلة وبأقدامهم ﴿..ويُثَبِّتُ أَقْدَامَكُم﴾، وإقدامهم بخطواتهم الثَّابتة والهدَّارة، ألغام المحتلِّ الأرضيَّة ببطولة وكرامة عزيزة عَجَزَ المحلِّلون والرُّواة عن وصف ما حدث وعجَّزَ الذين فكَّروا وراهنوا على أنَّ جيل شباب وشابَّات الشَّتات نسيَ وطنه ورضيَ بالذُّلِّ، لكنَّهم وقفوا مذهولين ومشدوهين أمام هذا المشهد النَّوعي والكمِّي الأسطوري.
عَبَرُوا بنجاحٍ وثباتٍ، وإصرار على الانتصار، يشدُّ عزيمتهم بأسٌ من حديد، عبَّروا عمَّا في أفئدتهم أنَّ التَّاريخ تكتبه إرادة الشُّعوب الفولاذيَّة وهي التي تصنع المعجزات حين تُريد، فهي التي أسقطت الانقسام والتَّشرذم، وأنَّ الشَّعبَ الذي ذاق حنظل الخيام واللجوء والمعاناة والقهر والبطش، قادرٌ على انجازِ عودتهِ بعد أن عبر "الجسر في الصُّبح خفافاً، أضلعي امتدت لهم جسرًا وطيد، من كهوف الشَّرق، من مستنقع الشَّرق إلى الشَّرق الجديدْ".
درسٌ جديدٌ في النِّضال الشَّعبي الفلسطيني لم يعرفه العالم، تحرُّكٌ جماهيريٌّ واسعٌ من أجل العودة، التي لا بديل عنها، عودة سلميَّة وسليمة وسلاميَّة أحرجت المُحتل والقوى التي تدور في فلكه، وأثبت هذا الدَّرس نجاعته بشعبيَّته وجماهيريَّته وسلميَّته بأنَّ العين تلاطم المخرز، حيث أَخْرَسَ كلَّ "الاجتهادات المساوِمة" التي كانت بين ظهرانينا على العودة، حيث أثبتت مرَّة أخرى أن شعار "لا عودة عن حقِّ العودة" هو حقيقة قائمة وحتميَّة تنفيذه أكيدة..
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات