بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> حــول الـــعــالــم >>
هــدوء حلــب
  30/05/2011

هــدوء حلــب

قلعة صلاح الدين من سقف بيت تاريخي في حارة الحجازي («السفير»)
غدي فرنسيس


حلب :
كُلّمَا رَحّبَتْ بنا الرّوْض ُقُلْنَا حَلَب ٌقَصْدُنَا وَأنْتِ السّبيلُ
فِيكِ مَرْعَى جِيادِنَا وَالمَطَايَا وَإلَيْهَا وَجِيفُنَا وَالذّميلُ
وَالمُسَمَّوْنَ بالأمِيرِ كَثِيرٌ وَالأمِيرُ الذي بها المَأمُولُ
ألّذِي زُلْت ُعَنْهُ شَرْقا ًوَغَرْباً وَنَداهُ مُقابِلي مَا يَزُولُ
(المتنبي)

صباح احد أيام الجمعة، عنونت صحيفة عربية تصدر في أوروبا: «حلب ستتحرك اليوم». ولم تتحرك. ظهر جمعة آخر، هتفت سلمية القامشلي: «صح النوم يا حلب»، وحافظت حلب على هدوئها. ومساء كل يوم خميس في دمشق، تتهامس الألسنة والتكهنات: أغداً يا حلب؟
تشغل الدنيا وإعلامها وأنظار العالم، فهي الركيزة الذهبية للاقتصاد والسياسة في سوريا. ليس جديداً أن تكون محط رحال أحداث التاريخ فوق هذه الأرض واتجاه العيون. جارة الشام هي، مثلما هي جارة للعراق وتركيا وأوروبا.. عندها كانت تلتقي الحضارات والقوافل من الشرق والغرب. فيها ومنها ارتكزت الممالك والسلطات عبر التاريخ.. ستة ملايين نسمة في التجمع الصناعي الأكبر، تغزل الأقدار.
من بين أسواقها وحارات تاريخها، من أمام الجامع الكبير، من «كشك» يبيع «سودة نية» للمارة، من المدينة التي تصنّف «درع النظام»، من مضافة العشيرة وقهوة العصر وبيت المعتقل السياسي، من كل ممن فيها وما فيها، تقول حلب للتاريخ اليوم: أنا مشغولة بالحصاد، ولي أولويات، وأنظر وأنتظر دمشق.
حلب من فوق ومن تحت
من دمشق إلى حلب، تستطيع برّاً أن تمخر جبال وسهول الداخل السوري باتجاه الشمال مروراً بحمص وحماه على معابر القلق.
أما لو كان لك قدرة ان تدفع 3500 ليرة سورية، أي ما يعادل 70 دولارا اميركيا (ملاحظة سعر الليرة السورية جيد نسبياً، فلك فرصة ان تطوف بالطائرة فوق دمشق السبعة مليون نسمة وتاريخها، إلى سلاسل الجبال والسهول السورية وألوان الزرع المتنوع والجفاف وتدرّج سمرته، لتصل بعد ساعة من السحر إلى حلب «من فوق».
تدرك العين من شكلها الظاهر إلى السماء، بالمصانع الكثيرة والحقول المنظمة، أنها مدينة اقتصاد بامتياز. قبل أن يعلن الصوت في الطائرة «مطار حلب الدولي»، تخبرك السهول الكثيرة أنها المنشودة. إلى السماء تقول قلعة صلاح الدين الضخمة، قصة التاريخ.. وتحط الطائرة في مطارها حيث إعلانات الفنادق ورائحة السياحة والمهرجانات في كل مفرق ووجه وتكاد تضاهي مطار دمشق.
لا داعي للبحث عن التاريخ الحلبي، فهو عابق على كل ملامحها. تلاقيك على معالم الشوارع كلمات طبعت «حلب عاصمة الثقافة الإسلامية 2006».
وفي المقاهي تنظر إلى اليسار فتطل من التلّة قلعة صلاح الدين. كنائسها وجوامعها تمشي صوب آلاف السنين من الماضي. بيوتها وحاراتها وأسماء شوارعها القديمة، كالخرز المنظوم بخيط التاريخ. هنا شارع أبو فراس الحمداني وهناك جامع «سيف الدولة». هنا منزل المتنبي وهناك ألقى قصيدته. مرت من هنا الحثية والآرامية والأشورية والفارسية والرومانية والبيزنطية والإسلامية. وكانت حلب قلعة العصر العباسي في الدولة الحمدانية.
من نبض شارعها ومحيّاها عند الصلاة أمام جامع عمره مئات السنين، تكاد تسمع أبو الطيب المتنبي يقول للعرب والعجم بنبرة فوقية و«أنا» كبرى. في السياسة والموقف والكبرياء كأنه صوت حلب وناسها الآن هنا:
إذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظنن أن الليث يبتسم
على وجه اقتصادها فستق حلبي
للمجتمع حالة ريفية محيطة، تروي المدينة. رغم تدرج الطبقات الاقتصادية، ووجود حزام من العمال والنازحين حولها، تفاخر حلب أن نسبة بطالتها هي الأقل في سوريا. للزراعة فضل أساسي في الاقتصاد، والبعض يرجع سكوت حلب إلى انشغالها بالحصاد في هذه الأيام. وربما يكون هذا على صعيد الريف. لكن الضوء الأكبر، للصناعة الحلبية. فإذا كانت «دمشق وتجارها» صنّفت ركيزة النظام مرّة، فقد أطلق على «حلب وصناعييها» اللقب نفسه مرات. للحلبي مصالح مكتسبة لا يفرط بها. فلا يتحرك جزافاً، وإذا تحرّك، تهتز الدنيا تحت قدميه.
من يوم يومها وهي ركيزة اقتصاد سوريا. فمثلاً: كانت حلب إحدى المدن الثلاث الأكثر أهمية في عهد الإمبراطورية العثمانية. فيها الصناعة الحرفية المتخصصة، ومنها نبتت أيضاً الصناعة الحديثة. وحين دخلت إلى عصرها الجديد، واكبته لتشتهر بصناعة المعدات الزراعية والصناعية والحديد وهياكل السيارات والبرمجيات وقطع الحواسيب. لم يكتف ابن حلب بصناعة القماش والألبسة، دخل إلى كل الميادين في الصناعة التحويلية أيضاً. أسواقها كالكنوز. ليل الخميس يبدأ ليلها على ألواح المشاوي في الطرق. وتستفيق يوم الجمعة على باعة اللحم النيء في الشوارع.
سائق الأجرة يملك شاحنة لنقل جلود الحيوانات وبيعها، وبائع اللحم في الشارع، إبن أب يملك «ملحمة» كاملة. ومالك الملحمة بدوره أخ لمالك الأرض والماشية، وهكذا دواليك: شرائحها الاقتصادية مترابطة، وشرائحها الاجتماعية مختلطة في الاقتصاد. وسط عامر بفنادق ضخمة وأسواق جديدة وقديمة، وكالنواة في الثمرة يلتف حوله حزام النازحين العمال بشكل متلاصق.
اللافت ان العمال السوريين في لبنان على اختلافهم حين تسألهم، صعب أن تجد بينهم «ابن حلب». من إدلب، من السويداء، الحسكة، حمص، حماه، العامل السوري في لبنان صعب ان يكون حلبياً. فلإبن ريف حلب مكان آخر ينزح إليه للعمل، بفرصة معيشة لائقة، حول مدينة باقتصاد ملوّن ومعطاء كسهولها.
قصة حلب مع النظام
قيل يوم الجمعة الأخير إن حلب تحرّكت، ونعم، تحرك 15 شابا تقريباً من امام ثلاثة مساجد. ولكن ظهراً، كانت وجوه المدينة تدلّ إلى الجامع الكبير وجامع الرحمن، فهذان هما الأساس. ومن أمامهما، لم نشهد أي تحرّك سوى وجوم ما قبل انتهاء الصلاة، وارتياح ما بعد انتهائها.
حلب تلي دمشق، في كل شيء، ولها قصة معها عن العلاقة بالنظام. حين تحركت حلب مع احداث الثمانينيات، كانت تشجعّها دمشق. وبعد انتهاء الأزمة، أخذت حلب على دمشق انها «زجّتها في المواجهة ولم تتحرّك». وفي المشهد التالي، بدا كأن حلب «عوقبت» على صعيد الامتيازات من الدولة والقدر، بينما كرّمت دمشق. اليوم، قد توصّف الحالة بأن حلب تنظر لدمشق قائلة: اذا كان هناك من ضرورة لحراك ما، فتحركي انت قبلي لأتحرك، فقد قمت ببناء نفسي وأنافسك ولن اتخلى عن امتيازي.
اما المجتمع، بنسيجه المتنوع، من عشائرية وإقطاعية وسياسية وحزبية، مال وسياحة وتخلّف وفساد. أفكار متنوعة تسود الشارع. وإذا كان لا ينزل الحلبي ويتظاهر فذاك لا يعني انه ليس لديه ما يقوله ويعارضه. الشارع هو البرهان. والشارع اليوم يتراوح بين شباب ورجال أعمال حول طاولة القهوة الصباحية والمجتمع المدني الناشط والفن والثقافة وشيخ العشيرة
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات